الثلاثاء ٢٢ شباط (فبراير) ٢٠٢٢
مطارحاتٌ في فضاءِ الفكْر
بقلم رامز محيي الدين علي

الجمالُ

جمعَتِ الطَّبيعةُ عبقريَّتَها فكوَّنتِ الجمالَ (نزار قبّاني).

جمالٌ بلا فضيلةٍ، زهرةٌ بلا عبيرٍ (سقراط).

الجمالُ بسمةُ اللهِ، والموسيقَى صوتُه (جونسون).

وأقولُ:

الجمالُ صورةُ اللهِ في الكونِ، فإذا قصدْتُم سبُلَ الهدايةِ، عليكم بتأمُّلِ أسرارِ الجمالِ في ذواتِكم وفي العالمِ من حولِكم.

الجمالُ ذوقٌ وفنٌّ وخلْقٌ، فإنْ أردتُم تهذيبَ نفوسِكم، ففي الجمالِ تتجلَّى خصائصُ النُّفوسِ العظيمةِ.

بجمالِ النُّفوسِ نبنِي عالماً جميلاً على الأرضِ، وبجمالِ الأرواحِ نفتحُ أبوابَ السّماءِ إلى الفردوسِ. فلنكُن أزهاراً تفوحُ بعبيرِها، لا أشواكاً تُدْمي مَن يلمسُها.

الجمالُ هبةُ اللهِ للكونِ؛ لأنَّ اللهَ جميلٌ، ولولا الجمالُ في الوجودِ لما كانَ للحياةِ من مَعنىً.

أيُّها الجمالُ بكَ نَحْيا، ومنكَ نستمدُّ سعادتَنا في الدُّنيا، بك تسمُو الطَّبيعةُ إلى عالمِ الخيالِ، وبك ترتقِي النُّفوسُ إلى عالمِ الملائكةِ، بك يُضيءُ الكونُ نوراً، وبك تُشرقُ الشَّمسُ أملاً وحرّيّةً، وبك يبتسمُ القمرُ بدراً وهِلالاً، وبك تغرِّدُ الطُّيورُ فرحةً بقدومِ فصلِ الخضرةِ والنَّضارةِ، بك تترَقْرقُ المياهُ عذبةً في الجداولِ، وبك تترنَّمُ بأعذبِ ألحانِها البلابلُ، بك تتزاوجُ عناصرُ الطَّبيعةِ لتُجدِّدَ بهاءَ الوجودِ، وتتلاقحُ ذرَّاتُ غبارِ الطَّلعِ مع الأزهارِ؛ لتُجدِّدَ جمالَ العطاءِ، وبك تتآلفُ النُّفوسُ وتمتزجُ الأرواحُ، وبك تحلِّقُ الأممُ إلى مجدِ النُّبلِ والعظمةِ، وبك يخطُّ الفلاسفةُ والمفكِّرونَ والأدباءُ أرقَى أنواعِ الفكرِ، وبك يتغنَّى الشُّعراءُ بأجملِ كلماتِ العشقِ، من رحِمِكَ يُولَدُ الأملُ، ومن مآقيكَ يفيضُ التَّفاؤلُ، ومن طلاسِمِكَ تنهمِرُ آياتِ العظمةِ، ومن شموخِ اسمِكَ تتَعالَى الكبرياءُ، ومن تناسُقِ حروفِكَ تُنْشَدُ سمفونيَّاتِ الخلودِ.

أيُّها الجَمالُ:

أيُّ جمالٍ لكَ لو لمْ تنطِقْ صورُكَ بأعذبِ الكلماتِ وأبهَى الحركاتِ؟!

فأيُّ جمالٍ للكونِ، لولا جمالُ مجرَّاتِه وكواكبِه ونجومِه، وهي تدورُ في نظامٍ كونيٍّ أسطوريٍّ تَحارُ فيهِ الأفهامُ؟!
أيُّ جمالٍ للشَّمسِ وهيَ تتَهادَى بأشعَّتِها الذَّهبيَّةِ على كوكبِنا، إنْ لم تستيقِظْ كائناتُ الأرضِ مع تباشيرِ الصَّباحِ، وتغْفُو كائناتٌ في عتمةِ الدُّجى؟!

أيُّ جمالٍ للقمرِ لو أنَّه لمْ يتنقَّلْ في أنوائِه، كمَا يتَهادَى العشَّاقُ ذهاباً وإياباً حينَما تفيضُ كلُّ حركةٍ رومانسيَّة بقصَّةٍ من قصصِ الغرامِ.. وأيُّ جمالٍ للقمرِ، لو لمْ يُشرقْ بوجهِه بدراً أوهلالاً ثمَّ يتَوارَى؛ لتَهفُو إليهِ النُّفوسُ، وتَهيمَ إلى نورِه الأرواحُ؟!

أيُّ جمالٍ للكواكبِ، لو لمْ تدُرْ حولَ نفسِها وحولَ غيرِها في تناسُقٍ حركيٍّ يحفظُ توازنَها، ويمنعُ طغيانَ بعضِها على بعضٍ.. وأيُّ جمالٍ للنُّجومِ الغارقةِ في عمقِ الفضاءِ، لو أنَّها غيَّرَت مسارَاتِها قرباً وبعداً ولألأةً.. وأيُّ جمالٍ للسَّماءِ، لو لمْ تنتفِضِ فيها الشُّهبُ لامعةً؛ كأنَّها ريشةُ فنَّانٍ ترسمُ أسراراً من جمالِ حركاتِ الصُّورِ النَّاطقةِ بكلِّ لسانٍ؟!

وأيُّ جمالٍ للسَّماءِ لو ظلَّتْ ترتَدي ملابسَ الضِّياءِ نهاراً على مدارِ الشُّهورِ والفصولِ، وأيُّ جمالٍ للسَّماءِ، لو أنّها ظلَّت ترتَدي عباءةَ الدَّياجيرِ على مَدى أيَّامِ الدُّهورِ والعصورِ؟!

وأيُّ جمالٍ للسَّماءِ، لو أنَّها ما برحَتْ تكحِّلُ عينَيْها بالزُّرقةِ صفاءً، ولمْ تكحِّلْ مآقيَها بحُمرةِ الشَّمسِ وصُفرةِ القمرِ ولمعانِ النُّجومِ.. وأيُّ جمالٍ للسَّماءِ، لو أنَّها لم تتَزيَّ بأزياءِ الغَمائمِ السَّوداءِ والبيضاءِ.. وأيُّ جمالٍ للسَّماءِ، لو لمْ تَبتهجِ الكائناتُ ببكائِها نِعماً تنهمِرُ أكاسيرَ لتجدِّدَ ولادةَ الحياةِ، وتَفيضَ الطَّبيعةُ بينابيعِ العطاءِ، وتلبسَ أبْهَى أرْديتِها؛ كأنّها في ليلةِ زِفافِها الخالدِ؟!

أيُّ جمالٍ لليَمِّ.. إذا لم تمخُرْ عبابَه المَواخِرُ، وهي تنقلُ المسافرينَ وتشحنُ البضائعَ.. وأيُّ جمالٍ لليمِّ.. إذا لمْ تتَهادَى أمواجُه معَ هبَّاتِ النَّسيمِ، ولم تتَصارعْ حينَما يُثيرُ ثائرتَها هبُوبُ العواصفِ.. وأيُّ جمالٍ لليمِّ.. إذا لمْ يكُنْ في أعماقِه عالمٌ يَفيضُ بالحياةِ، ويتدفَّقُ بالخيراتِ.. وأيُّ جمالٍ لليمِّ، إذا لمْ يزحَفْ على صدرِ الطَّبيعةِ ليُّقبِّلَها مدّاً، ثمَّ يعودُ مُنتشِيَ الخواطرِ جَزْراً؟!

أيُّ جمالٍ للنَّعيمِ.. إذا لمْ يسكُنْه الأبرارُ، والحوريَّاتُ تطوفُ حولَهم طوفانَ الحجيجِ حولَ الكعبةِ، وتُسقسِقُ الأنهارُ من تحتِهم بالعسلِ واللَّبنِ وشتّى ألوانِ الخُمورِ الّتي تنتَشِي بها الأرواحُ دونَ أن تغيبَ عن وعيِها الأفهامُ؟!
وأيُّ جمالٍ للجحيمِ.. إذا لمْ يُحشرْ فيهِ الكفَّارُ والمُشركُون وقتلةُ البشريَّةِ وصنَّاعُ مآسيْها أسراباً كمَا تُساقُ أثقالُ الأرضِ حِمماً تتلظَّى من فُوَّهاتِ البراكينِ؟!

أيُّ جمالٍ للَّحَى الّتي تنتشرُ كالسَّحابِ على الأذقانِ.. إذا لمْ تتدفَّقْ أخلاقُها جمالاً، وأقوالُها أفعالاً، وتسبيحاتُها عبادةً في المَظهرِ والجَوهرِ؟!

أيُّ جمالٍ لمَن يحتضِنُ كتبَ السَّماءِ، كمَا يلتحِفُ الرَّضيعُ صدرَ أمِّهِ الرَّؤومِ.. إذا لمْ يفقَهْ سِفْراً من أسفارِها، أو آيةً من آياتِها، أو مِزمَاراً من مزاميرِهَا؟!

أيُّ جمالٍ للصَّوامعِ.. إذا لم يتعبَّدْ في محاريبِها المؤمنونَ حاملينَ نقاءَ الطَّهارةِ في أجسادِهم، وصفاءَها في أرواحِهم، وصدقَها في أقوالِهم، وحقيقتَها في أفعالِهم؟!

أيُّ جمالٍ للقصورِ الّتي ترتَدي أحدثَ أزياءِ العِمارةِ والفنِّ.. إذا لم يكُنْ فيها عشٌّ بشريٌّ يَفيضُ بالرَّحمةِ والمودَّةِ والتَّآلُفِ، وعشٌّ للعصافيرِ تتراقصُ فيهِ الفِراخُ، كلّما تناهَتْ إلى مسامعِها زقزقةُ الأبوينِ؟!

أيُّ جمالٍ..؟!

الجمالُ: كفاكَ (أيَّاتٍ ولوَّاتٍ ولولاتٍ وإذاتٍ) أيُّها المتفلسِفُ بشقِّ عباءةِ الكلماتِ، وزخرفتِها بمعاني شتَّى الفلسفاتِ، ضارباً عرضَ الحائطِ بصورِ مختلِفِ البلاغاتِ!!

إنّني موجودٌ في كلِّ ركنٍ من أركانِ الوجودِ، وفي كلِّ زاويةٍ من زوايَا طبيعتِكم وذواتِكم، لكنَّكم لا تَفقهُون معالمِي وأسرارِي إلّا بمَا يحقِّقُ من رغباتِكم، ويُشبِعُ من شهواتِكم وملذَّاتِكم، ويصنعُ قصوراً من أمجادِكم الزَّائفةِ!

لقدْ أنهكتُم الفكرَ بحثاً عنِي فيمَا حولَكم، وأنا قابِعٌ في أعماقِ نفوسِكم!!

لقدْ أذللْتُم الإنسانيَّةَ في صناعةِ جمالٍ مزيَّفِ، وأنا شلَّالٌ يتدفَّقُ من كيانِها سِحراً!!

لقدْ سحقتُمْ أجملَ معالمِي في أوطانِكم، وشدْتُم على أنقاضِها تماثيلَ أوهامِ بطولاتِكم الّتي سيلعنُها التَّاريخُ، ويُلْقي بها في مزابلِه العفِنةِ!!

لقدْ شوَّهتُم جمالَ الحقائقِ، وتعبَّدْتُم في محاريبِ الأكاذيبِ والأضاليلِ وترَّهاتِ الشِّعاراتِ والقصائدِ الرخيصةِ الّتي تُمجِّدُ ملوكَ الطَّوائفِ، وتتغنَّى بأمجادٍ ليس لوقعِها أثرٌ في ذاتِ الحقائقِ!!

لقدْ أفنيتُم عبادتَكم لجمالِ المظاهرِ، ولم تقِفُوا هُنيهةَ صدقٍ في معابدِ جمالِ الجواهرِ!!

لقدْ أثقلتُم كواهلَ البشريَّةِ، وأنتُم تتسابقُون إلى اختيارِ ملكةِ جمالِ العالمِ، وهيَ تستَعرِضُ مفاتنَها ما ظهرَ منْها وما شفَّ، ومقاييسُ المحكّمِينَ ليسَت إلّا مقاييسَ الشَّياطينِ في ضلالِ الإنسانِ.. ونسيتُم أنْ تختارُوا ملكَ جمالِ العالمِ في حسنِ الخُلقِ وجمالِ النَّفسِ وعظمةِ الأثرِ في رقيِّ الإنسانيَّة، وجمالِ العدلِ في نصرةِ الضُّعفاءِ على الوحوشِ، وتحقيقِ السَّعادةِ للمحرومينَ منْها!!

لقدْ أفنيتُم أعمارَكم في زخرفةِ حياتِكم بأنفسِ نفائسِ الأرضِ، ونسيتُم أن تُحلُّوا نفوسَكم وأرواحَكم بنفيسةٍ من نفائسِ السَّماءِ!!

لقدْ شوَّهتُم جوهرَ معنايَ حينَ نسبْتُم إليَّ صفاتٍ لا تمُتُّ إلى حقيقتِي بوشيجةٍ من وشائجِ الجمالِ!!

لقدْ.. لقدْ..

كفاكَ أيُّها الجمالُ (لقَداتٍ)! فقدْ أفحَمْتَني بجواهرِ فلسفتِكَ وعُمقِ نظراتِك وبُعدِ تأمُّلاتِك!

أنا الجمالُ لستُ إلهةً لتَعبدونِي، وليسَ لي مملكةٌ يحتكرُها سادةُ العالمِ وتجَّارُه.. أنا معبدٌ يتعبَّدُ في مِحرابِي أنقِياءُ العالمِ الّذين يُدركُون عظمةَ مَن وهبَني للكونِ بكلِّ مخلوقاتِه!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى