الجمعة ١ نيسان (أبريل) ٢٠٠٥
بقلم سلمان ناطور

الخزانة

كانت لجدتي خزانة صغيرة مقفلة طول الوقت ولم يجرؤ أحد على فتحها، حتى هي لم تفتحها وكانت تقول لنا انها لن تفتح الا في يوم القيامة.

عندما كنت في الخامسة من عمري حاولت أن أفتحها فضبطتني متلبسا بفعلتي ولم تضربني على يدي ولم توبخني، بل أخذتني الى حضنها وقالت لي :
"
لا تحاول أن تفتح الخزانة لأنك لن تنجح، واذا كسرتها فسينهار البيت على رؤوسنا ! اياك أن تحاول !

"ماذا في داخلها ؟ "

سألت بدهشة وخوف.

لم تفكر جدتي كثيرا، مسدت شعري الناعم وقالت:

"هذه الخزانة ليوم الحساب وفيها يسجل الله، سبحانه وتعالى، كل أعمالنا الحسنة والسيئة وسيسمح لنا بفتحها في يوم القيامة".

"أين المفتاح؟"

سألت جدتي.

"في مصر! في يوم الآخرة سيأتي الأنبياء من الشرق وسيقودوننا معهم الى مصر لاجراء الحساب، ستعطل الطائرات والسيارات والسفن وسنقطعها مشيا على الأقدام وسنحمل الخزانة على ظهورنا وهناك يسلمنا المفتاح ملاك أبيض ومن ترجح حسناته على سيئاته سيذهب الى الجنة ومن تغلب سيئاته سينضم الى ابليس".

لم أجرؤ بعدها على فتح الخزانة، لم أقترب منها، ولكنني كنت أحدق بها قبل النوم وأراجع نهاري واتساءل بشيء من القلق:ماذا فعلت اليوم ؟

سنوات طويلة ظلت الخزانة مقفلة ولم أجرؤ على الاقتراب منها، وأكثر ما كان يخيفني هو أن يكون الله قد سجل فيها أنني سرقت الحمص الأخضر من أرض الشيخ "أبو عاهد "في مساء حزيراني ولكنني كنت أعزي نفسي بأن أخي الأكبر مني هو الذي أغراني، الى أن كان يوم حزيراني آخر في عام 1968.
قبل غروب الشمس بساعة دخل الى بيت جدي شيخ غريب لحيته بيضاء كالثلج، رأيته لأول مرة في حياتي، لبس قمبازا أبيض ناصعا وحطة بيضاء ورأيت جدي يمسك بيده ويقوده الى الغرفة الكبيرة وجدتي تسير خلفه وهي تتمتم مبتهجة كأنها لا تصدق ما تراه عيناها وأنا أرقب ما يحدث بذهول ولم أشعر كيف قفزت من مكاني عندما سحب الشيخ مفتاحا صغيرا من جيبه وهو يقترب من الخزانة. أردت أن أصرخ:

هذا هو الملاك، يوم القيامة !

لكنني شعرت أن لساني انعقد ولم أقدر على النطق ولم ينتبه أحد لحالتي وفتح الشيخ الخزانة ومد يده الى باطنها وأفرغ كثيرا من الملابس، بعثرها على الأرض وأخرج منها صرة وفتحها بيدين راجفتين وسحب قلادة من الفضة وورقة كبيرة.

"هذه القلادة لأم محمد وهذا كوشان الأرض سآخذهما وأترك لكما الخزانة"

قال أبو محمد وبات ليلته وعاد في الصباح الى مخيم نزوحه قرب جنين.

أبو محمد من عين غزال القريبة من بلدنا.

في عام 1948 شرد مع أهلها ومروا في بلدنا.

حمل الخزانة على ظهره ولم يقدر على حملها أكثر فتركها أمانة عند جدي، صديقه من أيام تركيا.

تركها مقفلة وحمل مفتاحها وعاد اليها بعد عشرين عاما فقط لياخذ العقد والكوشان ولينسف خرافات جدتي عن القيامة ويوم الحساب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى