الخميس ٢٧ شباط (فبراير) ٢٠٢٠
بقلم علي القاسمي

الرحيل

عندما دخلتْ عليه وحدَها، تعوده في المُستَشفى، خلال الأسبوع الأخيرِ، من صراعه الخاسر المريرِ مع الموت، كان يطلُّ بعينَيْهِ المُتعَبتَيْن، عبر نافذةِ غرفته الكائنة في الطابق السابع، ليشاهد بشيء من الأسى والغصَّة، البحرَ الممتد أمامه إلى ما لا نهاية، وقد بدت أمواجه وهي تغادر الشاطئ بلا رجعة إثرَ سفينةٍ راحلةٍ نحو الأُفق، حيث تتبعثر أشلاءُ الشمسِ الغاربةِ الشاحبة ِاللون، التي تقطِّع أوصالَها غيومٌ سوداءُ أخذتْ تُغطّي صفحةَ السماء، وتتحرَّك مثل قطعانِ جاموسٍ مذعورٍ في اتّجاه الغرب بفعلِ الريحِ الشرقيّة، لا يخترق سيطرتَها على الفضاء إلا سربٌ من الطيور المُهاجِرة. وكانت أوراقُ الأشجار المصفرَّة تتساقط من الأغصان بكثرةٍ، لتغطّي حديقة المستشفى بدثار خريفيّ من ألوان شاحبة، ثمَّ سرعان ما تدفعُها الريحُ بقسوةٍ نحو البوابة الغربيّة، وكأنَّها تكنسُها أو تطردُها من الحديقة الرحبة إلى الدروب الخارجيّة الضيقة.

التفتَ، رآها، فسرى بريقٌ خاطفٌ في عينيه وشبحُ ابتسامةٍ على شفتيه، ينمّان عن سرورٍ خفيٍّ مخنوقٍ بحضورها. جلستْ على حافة سريره. أخذتْ يدَه اليمنى بكفيّها، وأدنتها بلُطفٍ من كنزتها الصوفيّة بالقُرب من موضعِ القلب بين الضلوع، وكأنّها تريد أن تهِبهُ شيئاً من دفئها وشبابها ونبض فؤادها. أخذا ينظران إلى أحدهما الآخر بصمتٍ دون أن ينطقا بشيءٍ.

تأمَّلتْ عينَيه المُتعبتين، فبدتْ لها أهدابُهما مثل وريقات زهرتَي عبّاد شمس ذابلتَين، وفي أغوارهما يخبو الضياء الذي عهدتْه. أطال النظر في عينيها، فحيّرته المعاني. غابت منهما تلك الرقَّة وذلك الحنان، وحلَّ مَحلَّهما تصميمٌ وعزمٌ على شيء لم يُدرِك كُنْهه. استفسر بعينَيه عن حالها. لم تُجِب. هربتْ منها الكلمات، تعثَّرتِ العبارات ولم تبلغ شفتَيها. حوّلتْ عينيها بعيداً عنه، ولكنَّها لم تستطِع أن تمنع الدموع من الصعود والتجمُّع في عينيها الواسعتَين دون أن تنهمر عبراتٍ، مثل قطراتِ الغيث المُتجمِّعة على زجاجِ نافذةٍ بعدَ ليلةٍ ممطرةٍ.

تحوَّلت نظراتُه من عينَيها إلى وجهها المليح، وقوامها الأهيف، وهندامها الأنيق، فلمحَ إلى جانبِ حقيبتها الجلديّة ملفّاً ورقيّاً. وبعد تردُّد لم يطُل، أشار بعينَيه إلى الملفِّ، فناولتْه إياه. أخذه بيدَين مرتعشتَين، تصفَّحه بصعوبةٍ. بدا عليه أنَّه أدرك محتواه. ألقاه إلى جانبه على السرير.

نظر إليها. كانت مُطرِقة ً. انتظر برهة. رفعتْ رأسها. التقتْ نظراتهما. هزَّ رأسه أن لا تفعلي. ولكنَّه استشفَّ في عينيها عناداً وتصميماً. أطرقَ برهةً كأنَّه يفكِّر في حِجة لإقناعها، ثمَّ نظر إليها وقال بلهجةٍ آمرةٍ تشوبها نبرةُ رجاء وكأنَّه يلفظ وصيَّته الأخيرة:
ـ لا ترحلي.. ابقِ أنتِ.. لا تغادري البلاد.

جاهدتْ لتتكلَّم، ولكنَّ الدموعَ المُتجمِّعةَ في المآقي خنقتِ الكلمات. بذلتْ مجهوداً كبيراً لتُخفي الدموع عنه، ولكنَّها لم تتمكَّن، فانفلتتْ خارجةً من الغرفة، قبل أن تنهمر الدموع ُعلى خدّيها الأسيلَين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى