السبت ٢٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٧
بقلم إياد الرجوب

الشاعر والشعر.. وإشكالية تحديد المصطلح

ما إن دخل الأدب القرن الحادي والعشرين حتى كانت مسيرة التطورات العالمية المختلفة قد أصابت جميع ألوانه، والشعر أحدها، وليس هذا عيبا في حق الشعر، بل هو تطور يقتضيه واقع الحال، فتفرع الشعر إلى ألوان عدة منها ما هو محط اهتمام واحترام أدبيين، ومنها ما هو محط تشكيك في الانتماء، والسبب في كل ذلك السلبي والإيجابي هو الشاعر نفسه، فقد اختلط حابل الشعر بنابل الشاعر، وغدا شاعرا كلُّ من رسم مفرداته على الورق بشكل عمودي أو عمودي متعرج، ولم تعد للشاعر والشعر تلك المحددات الواضحة، لكن قليلا من التأمل يظهر أن هناك محددا لا بد منه في الشاعر والشعر حتى يعني كلٌّ منهما مسماه الحقيقي، خاصة وأنهما مشتقان من أصل واحد.

ربما يكون أصدق تعريف للشاعر، هو ما ذهب إليه العقاد: "الشاعرُ من يَشْعُر فَيُشْعِر"، فالشاعر نتيجة قبل أن يكون سبباً، يُفترَض فيه أن يشعر بالموقف قبل أي مبادرة لإشعار الآخرين به، وحتى إذا دخلنا للمعنى اللغوي الصرف للشاعر نجد أن صيغة "فاعل" من شاعر تعني المفعولية قبل الفاعلية، فالشاعر يشعر بموقف ما، بمعنى أن يؤثر عليه ذاك الموقف فيقع عليه فعل التأثير الشعوري، وتتحرك لدى الشاعر لواعج قلبية تستجيب لذاك التأثير، وتجعل صاحبها أسيراً للمؤثِّر، بمعنى أنه مفعول به معنوياً لا نحْوياً، وهذا ما أقصده بـ "نتيجة".

وعليه؛ يحق للمرء هنا أن يسمى شاعرا بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي للكلمة، إذا حمل معنيي المفعولية والفاعلية في آن، ولذلك فهناك خلط في تحديد معنيي صيغتي اسم الفاعل المشتق من الأصل الثلاثي والمزيد: فالصيغة الأولى "شاعر"، وهي من الفعل "شَعَرَ"، والصيغة الثانية "مُشعِر"، وهي من الفعل المزيد المُعدّى للمفعولية بالهمزة "أشْعَرَ"، الأول يحمل صفة لشريحة عريضة من الناس، وقليلون من يحملون الصفة الثانية، لأنهم يحتاجون لقدرة فذة حتى يستطيعوا تحريك العواطف.

فليس كل شاعر مُشعِراً، لكن لا بد لأيّ مُشعِر أن يكون شاعراً، وإلا فإنه لا يستطيع النفاذ للمعنى الشعري، ففاقد الشيء لا يُعطيه، ومن لا يتأثر بموقف ما، فمن المؤكد أنه لا يستطيع أن يخلق من ذاك الموقف مؤثِّراً على الآخرين، أما من يتأثر به، فإنه لا يعدم الوسيلة لإيصال الأثر الواقع عليه للآخرين، بمعنى أنه لا بد أن يبتدع وسيلة تعبيرية يخلق من خلالها فعل التأثير.

ولذلك وجدنا بدايات الشعر جُملاً مسجوعة تخاطب الوجدان الإنساني، وذاتَ أثر شعوري واضح، ثم تحرر أصحاب تلك الجُمل من قيد السجع النثري، ليَدخلوا قيد السجع الموسيقي المُمَثل بالأراجيز، ومن ثم تحرروا من قيد الأراجيز القائمة على وزن موسيقي واحد وهو "مستفعلن"، لينطلقوا في فضاء الجمل الموسيقية المتنوعة، فقالوا الأشعار بأوزان مختلفة حُصرت فيما بعد بالبحور الشعرية المعروفة بالبحور الخليلية، وبقي الشعراء العرب مقيَّدين بها ردحاً من الزمن، إلى أن بدأت حبات عِقد العمودي تنفرط شيئاً فشيئاً، مع أن له أنصاره إلى اليوم.

فالبعض لم يرق لهم قيدُ العمودي، ليبدأوا في التمرد تدريجياً، وتمثلت ذروة التمرد عند شعراء الأندلس، ليجددوا في الشعر العمودي شكلاً ومضموناً، من خلال الموشحات الأندلسية، وهذا ما أوجد للاحقين هامشاً من حرية التجديد والإبداع، فراحوا يتحررون من قيد العمودي نهائياً، ليعودوا يقيدون أنفسهم بالتفعيلة، فوُلد شعر التفعيلة، أو الشعر الحر، أو الشعر الجديد، كلٌّ سماه بما يناسبه، ولعل تسمية الشعر الجديد غير موفقة، فكلّ جديد في عصره يصير قديماً في العصر اللاحق، وأخيراً تحرر الشعراء من التفعيلة الواحدة، لنجدهم تحرروا من الوزن أيضا، فظهرت قصيدة النثر.

ومع ظهورها بدأ الشعر يفقد قيمته، إذ دخل هذا الميدان متطفلون غرباء، وأُخرج منه أبناء أُصَلاء، والمبرر لذاك الدخول وهذا الإخراج هو الحداثة، تلك الحكومة التي استوزر فيها كل معدومي المؤهِّلات الشعرية، فصارت قصيدة النثر مرتعاً خصباً لمن عدم الذوق، والطبع، والعروض، واللغة: مفرداتها ودلالاتها ونحوها وصرفها، وكذلك لمن عدم المعارف والثقافات المختلفة، فراح يصفّ كلمات وحروفاً تحت مسمى قصيدة النثر، وهذا – بحق- ظلمٌ وخيمٌ وقع على قصيدة النثر التي نضحت بالشعور والوجدان لحظة انطلاقتها، ثم أخذت تفقد من قيمتها، حتى لم نعد نرى فيها مما يتصل بالشعر شيئاً.

فالشعرُ لغويًّا مشتقٌ من الفعل شعر، بمعنى حسّ، وبهذه العودة للمعنى اللغوي، نجد العلاقةَ وثيقةً وغيرَ قابلة للانفصال ما بين الشِّعر والشعور، وبالتالي فالثاني منبع الأول ومصبه، ولولا الشعور لما كان الشعر، ولولاه أيضاً لما تذوقنا الشعر كذلك، فالشعر أولا وأخيرا تعبير عن مشاعر النفس وأحاسيسها، منها وإليها، وإلا فما معنى أن نكتب ما لا يفهمه من حولنا؟ ولمن نكتب إذاً؟ بالطبع نكتب للمحيط الذي لا مجال للانفصال عنه.
واستنادا لهذا المعتقد يمكن الانطلاق في إشكالية تحديد المصطلح، فقد اشترط النقاد العرب القدماء في الشعر أن يكون موزوناً ومقفى، وهذا أول ما يبعد الشعر عن تعريفه الحقيقي، لأن هذا الشرط يوجب اعتبار الشعر صناعة، لأن التعبير الصادق عن المشاعر الصادقة يتطلب العفوية، ولكن إذا تأكد وجودُ العاطفة، فلا ضير أن يُعمل المرء عقله ويُنمّق عبارته ويُمَوسِقها، لأن أذن السامع دائماً أسرع في الإصغاء للكلام الموزون المقفى من غيره، وهذا ما يساعد قائل الشعر في استمالة المستمعين، فينفذ إلى قلب السامع قبل عقله، لأن الموسيقى أسرع في اختراق الحواس والجوارح من المعنى أو فكرة النص المعبر عنها بالرموز المُمَوْسَقَة، إلا أنه في كثير من الأحيان فإن الموضوع المستشعر هو الذي يحدد الشكل أو الوسيلة للإشعار، ولذلك فكثيرا ما يخرج الشعر عن الوزن والقافية، ومع ذلك يبقى مستمداً من المشاعر ويخاطبها.

ومن هنا يمكن لي أن أطلق التعريف اللاحق رغم كل ما فيه مما قد يبدو تجاوزاً لمنطق التعريف المتعارف عليه بين النقاد القدماء والمحدثين، فأقول: إن الشعر هو تلك الرموز الصوتية أو الكتابية التي يستجيب لها السامع أو القارئ، ويتأثر بها وينفعل، وتصله بواسطتها الفكرة التي يُراد التعبير عنها.
وللتوضيح؛ فإنني أقصد بالرموز الصوتية الكلام المحكي "الملقى على مسامع الآخرين"، والرموز الكتابية هي "كل ما يخط على الورق وغيره"، فأحياناً يكون لعلامات الترقيم معنًى معينٌ في القصيدة التي لا يتحقق كمالها إلا إذا قُرِئت قراءة، كما يكون للرسومات وبعض الأشكال وقع على متأملها، ما يجعله يقرأها بمعنى معين يحرك مشاعر خاصة.

وعلى هذا الأساس يمكن تكثيف التعريف في الجملة التالية: "الشعر هو كل تعبير صوتي أو كتابي يلقى تأثراً"، وهو بذلك لا يقتصر على الشعر العمودي الذي لا مجال لإنكار أفضلية قسم كبير منه على باقي ألوان الكتابات، فهناك بعض الشعراء العرب الذين ألزموا أنفسهم بالوزن والقافية في عصر سادت فيه هذه التقييدات والتعقيدات، فوجدناهم بعد فترة يتفوهون شعراً خالصاً دون أن يكونوا قاصدين الوزن والقافية، ولكنه يخرج بذاك الشكل من غير تكلف حائزاً الوزن والقافية اللذين يساعدان المعنى في النفاذ إلى قلب السامع وعقله معاً.

فالشعر العمودي - في جزء كبير منه- ركن أساسي من أركان الشعر العربي، ولكن لا ننكر أيضاً صدق الشعر الحر "شعر التفعيلة" - في بعضه لا كله- وقصيدة النثر كذلك، وكل ما له صلة بالشعور والإشعار وما يكون ناتجاً عن ذي حسٍّ إبداعي مرهف وبُعْدٍ تعبيري صادق.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى