السبت ١٣ شباط (فبراير) ٢٠٢١
بقلم رشيد سكري

الشرق الفنان... والغرب الحالم

ما معنى أن تكون لك نظرة ٌ فنية؟

في هذا السؤال إحراج كبير للذين لا يولون اهتماما كبيرا لصناعة الفن بصفة عامة. عادة ما كنا ننتصر إلى ذوق رديء، وعادة ما كنا ننظر إلى المنحط، نغما وإيقاعا، نظرة إعجاب وهيام. وفي سبيل ذلك، تدحرجت هذه الكرة الثلجية كثيرا في المنحدر، لتشمل كل مناحي الحياة القريبة منا والبعيدة. فلم نعد بمقدورنا أن نميز بين كلام و كلام، أو بين نغم ونغم، بل أصبحنا ضعافا أمام العاطفة والوجدان، باعتبارهما رافدين أسنيين لصناعة الفن وتذوقه.

الفن الرفيع يتحسسه القلب قبل العقل. وهذا ما دأبت عليه، في منتصف القرن الماضي، الموسيقى العربية. فحيثما اجتمع الثالوث الشاعر والملحن والمغني، اجتمعت سمفونية الوجود؛ لتعزف لحنا خالدا طروبا. فمع محمد الموجي ورياض السنباطي وعبد الحليم حافظ، مثلا، كان إيقاع الحياة مشاءً نغما وجمالا، رافق أجيالا متعطشة للفن الرفيع والراقي على امتداد الوطن العربي، إلى درجة أننا كنا نضع صورة العندليب الأسمر على ظهر غلاف دفاترنا بالقسم الابتدائي. إن العمل الفني الرائد، بهذا المستوى، يسمو فوق الأذواق جميعها ؛ ليخلق لذاته إطارا من الإمتاع والمؤانسة.

أثناء قيامي بمراقبة واجبات منزلية، بخصوص تعلم اللغة الفرنسية، الخاضعة لبعدها الشفهي التواصلي، كانت بودكساتها تغزو مواقع إلكترونية عديدة؛ إن قراءة ًوتعبيرا. بيـْد أن القائمين، على هذا المشروع اللغوي الضخم، كانت لهم مقاربة جديدة ذات بعد فني؛ فتعلم اللغة، وتحبيبها إلى الناطقين وغير الناطقين بها، لا يستقيم عوده إلا عبر مسالك ومعارج فنية ـ أدبية. فلا يتركون الفرصة تمر إلا و يعرضون، في هذه النصوص، بعدا جماليا فنيا مرتبطا بالأحداث والزمان والمكان.

فتقديم فن العيش، واستغلال وقت الفراغ لا يتم التعبير عنه، في هذه البودكسات، إلا في قالب فني مستساغ، يسهل هضمه واستيعابه. كالحديث، مثلا، عن متحف عرض التحف الفنية النادرة، أو بسط حوار حول رواية حققت نجاحا كبيرا، أو وصف تقنيات فن السباحة والتصوير والرسم والنحت والرقص. وبذلك، يتم تحبيب هذا المكون اللغوي ـ التواصلي عبر مسوغات فنية ؛ لأن الإنسان فنان بطبعه.

وفي غمار ما هو مسموح به، نستطيع أن ننظر إلى دواخلنا؛ بهدف العثور على الأسباب والمسببات، التي تخلق هذا التميز بين ما هو فني و غير فني. في سبيل ذلك، تغدو الإسقاطات الذاتية على التجارب الشخصية منعطفا خطيرا في توسيع رسالة الفن إلى العالم. ومن هذا المنطلق نظر الدكتور زكي نجيب محمود إلى الوجود الخارجي محفزا ضروريا، لتشغيل على أوسع نقاط، الملكات الفنية التي يزخر بها الإنسان الفنان. فأيا كانت هذه الرسائل، التي يحملها العالم الخارجي، فإن المرء باستطاعته أن يسقط عليها تجاربه الشخصية، غير بعيد عن تلك النظرة القريبة من ذاته؛ وعبرها يضمن المرور السلس من الحالة الفنية إلى الحالة العلمية. وهذا ما ينطبق على مقاربة الأديب للظواهر والقضايا التي تصادفه، وهو في صالونه الأدبي.

فالوردة، مثلا، تقبل سمتين اثنين؛ إما أن ننظر إليها نظرة الفنان بإحساساتنا ومشاعرنا، وما تحدثه من تغيرات على شعورنا، وكيف وظفنا الوردة في تدفقات مشاعرنا الصادقة تجاه الآخرين. وإما أن ننظر إليها نظرة العالم المجرد من الإحساس والمشاعر؛ فنبحث في تكوينها الجيني، وتفاعلاتها الضوئية والخلوية، وما يعتمل بداخلها من طاقات حرارية، تضمن بها النمو تحت أشعة الشمس ودفئها. وفي هذا الصدد ميز الدكتور زكي نجيب محمود بين الفن والعلم من خلال تعريف شامل للرسالة التي يوقعها الفنان بفنه، حيث يغدو هذا الأخير نظرة داخلية وذاتية مباشرة.

ومن هذا المنطلق المترامي الأطراف، الذي يخلق علاقة متوترة بين الفن والعلم، انبثقت رؤية الإنسان الجديدة للوجود و الكون. وفي ذلك حدد زكي نجيب محمود في كتابه"الشرق الفنان"روافد الأصول الفنية في الشرق العربي، باعتباره مصدر إلهام في الإبداع والذوق الجمالي والروحي. غير أن هذا الشعور والإحساس الفني يخبو ضوؤه، وينكسر عند صخرة الغرب الحالم، الذي يخضع موازين قواه على محك العقلانية.

فكيف يستطيع هذا الشرقي العيش في زوابعَ فنية تذهب به كل مذهب؟ وماذا جنى من تشبثه الجامد بفلسفات وجودية ذات أبعاد فنية؟

انطلاقا من العلاقة المتوترة، التي تربط العالم بالفنان استطاع الغرب أن ينحت طريقا يتم بموجبه القضاء على تلك النظرة الجمالية للكون عند الشرقي، عن طريق إغراق الشرق في متاهات وشراكات سوسيواقتصادية بغية الهيمنة السياسية. من هذه الزاوية ينطفئ وهج الرؤية الفنية، وتصبح مجرد رؤيا ينقشع سرابها في سحَر. فبالرغم من الانتصار القوي الذي حققه الشرقي في بسط مفاتن الحياة وملذاتها، وجعل منها حياة يتنفسها و يحياها، إلا أنه أدرك مع متواليات زمنية أن ما يتهدده أكبر بكثير مما يتصور. خصوصا مع أعداء الفاشست العائدون ؛ ليصفعوا الفجر الوليد، حسب"أغنية انتصار"لعبد الوهاب البياتي. ومما لا شك فيه أن زوايا النظر و البارمترات تختلف باختلاف حواس الغربي الحالم، الذي تحولت نظرته للشرقي من الإعجاب إلى الازدراء، بفعل الحملات العسكرية، التي شنها الغرب على المشرق العربي.

وبالموازاة مع ذلك، لم تخل الرواية العربية من هذا التفاعل بين الشرق والغرب، بل استطاعت أن تحفز القارئ العربي إلى اكتشاف عوالم هذه المقاربة غير المتكافئة بين الشرقي الفنان والغربي الحالم. إن ما سطره لورنس العرب، في يومياته عن حياته بالمشرق العربي، عقب التحاقه بالصفوف الداعمة للحرب ضد المد العثماني، كان وثيقة استدلت بها الرواية العربية في بناء معماريتها الفنية. وفي سبيل ذلك، جاءت رواية"سباق المسافات الطويلة"لعبد الرحمان منيف لتملأ الحفر، التي تركها التأريخ العربي لهذه الانعطافة التاريخية الحاسمة للشعوب العربية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى