الخميس ٩ حزيران (يونيو) ٢٠٢٢
بقلم رامز محيي الدين علي

الشّرقُ في فكرِ فيكتور هوغو أدبا وفكرا وعقيدةً

اهتمَّ الأدباءُ الغربيُّون بالشّرقِ، وكان لهذا الاهتمامِ ثمَّةَ دوافعُ زمانيّةٌ وأخْرى مكانيَّةٌ، وهذا ما نجدُه بوضوحٍ عندَ الشّعراءِ الرّومانسيّينَ، ومن هؤلاءِ شاعرُنا وكاتبُنا فيكتور هوغو، وقد عبّرَ الدُّكتور محمّد غُنَيمي هلال عن هذِه العواملِ، إذْ يرى أنَّ من أهمِّ الأسبابِ الّتي دفعَت بالكتّابِ الرّومانتيكيَّينَ الغربيّين إلى الاهتمامِ بالشَّرقِ هو شعورُهم بالاغترابِ الزّمانيِّ والمكانيِّ عن البيئةِ المحيطةِ بهم، وذلكَ بقولِه: "يتمثَّلُ الاغترابُ الزّمنيُّ في تجاوزِ خيالِ الرّومانتيكيِّ لحاضرِه الزَّمنيِّ إلى مستقبلٍ آملٍ أو بائسٍ، أو إلى ماضٍ تاريخيٍّ يَنشدُ فيه ضالّتَه.. أمّا الاغترابُ المكانيُّ فيتمثَّلُ في شعورِ الرّومانتيكيِّ بحاجتِه إلى الفرارِ من بيئتِه، فيختارُ لنفسِه بيئةً أخْرى يَحْيا فيها بروحِه، ويُحلِّقُ في أجوائِها بخيالِه، ويجدُ فيما يصوِّرُه من فسيحِ رحابِها متنفَّساً له، وعوضاً عمّا ضاقَ من بيئتِه الّتي يحْيا فيها، والّتي لم يَعُدْ له قِبلٌ باحتمالِها"

وحينَما يهاجرُ الأديبُ بفكرِه وخيالِه وروحِه إلى عالمٍ آخرَ غيرِ موطنِه فإنّه ينشدُ عالماً مثاليَّاً يصوِّرُه بكلِّ ما أُوتي من فكرٍ وخيالٍ ومشاعرَ دونَ أن يتقيَّدَ بالصُّورِ الواقعيَّةِ، وإنّما نراهُ يصوّرُ معالمَ الجمالِ في عالمٍ مثاليٍّ يرنُو إليه ويتطلَّعُ إلى العيشِ فيهِ؛ لعلَّهُ يحرِّرُه من الواقعِ المريرِ الّذي يحياهُ، وهذا ديدنُ الأدباءِ الرّومانسيّين، إمّا في الهروبِ إلى الطَّبيعةِ أو الهيامِ بالخيالِ المجنّحِ الّذي يفتحُ أمامَه عالماً من الجمالِ والمثاليّةِ يفتقدُه الأديبُ في بيئتَه ومحيطِه.

ولكنّ هذا العالمَ المثاليَّ الّذي رسمَه الأديبُ الرّومانسيُّ بخيالِه في عالمٍ آخرَ غيرِ عالمِه، كمَا نرى في عالمِ الشّرقِ السَّاحرِ عندَ فيكتور هوغو، ليسَ إلّا موطناً مثاليّاً لروحِه الّتي تهفُو إلى الجمالِ والمثالِ، كما يَرى ستاندال: "الوطنُ الحقُّ هو ذلكَ الّذي تلتَقي فيه بكثيرٍ ممَّنْ يُشبهُونكَ". ويقولُ جيراردي نرفال: "لكلِّ فنّانٍ وطنٌ مثاليٌّ غالباً ما يكونُ بعيداً من وطنِه الأصليِّ؛ ترتاحُ إليهِ موهبتُه الفنّيَّةُ، إذ تجدُ فيه جوّاً مواتياً تطيرُ إليهِ مسرعةً منذُ تُحسُّ أنّها حرّةٌ؛ وفيهِ تتفتّحُ وتحملُ أجملَ زهورِها".

ويقسّمُ الدّكتورُ محمّدُ غنيمي هلال ولعَ الكتّابِ الغربيّين بالشّرقِ إلى نوعينِ:

أوّلُهما ولعٌ فكريٌّ تَجلّى بوضوحٍ خلالَ القرنينِ السّابعَ عشرَ والثّامنَ عشرَ؛ لأنَّ الأدباءَ الرّومانسيّين كانُوا يتطلَّعُون إلى "حركةِ استطلاعٍ وكشفٍ واستيحاءٍ للأفكارِ الّتي يتّخذُونها مِهْمازاً لقومِهم فيمَا يخُصُّ التّسامحَ وحرّيّةَ الفكرِ".

وثانيهِما ولعٌ روحيٌّ بالطّبيعةِ السّاحرةِ في جمالِ صورِها وروعةِ موادِّها، وقد تَبدَّى ذلكَ جليّاً خلالَ القرنِ الثّامنَ عشرَ، فقدْ اتّجهَ ولعُ الكتّابِ الغربيّينَ بالشّرقِ إلى الطّبيعةِ الجميلةِ والمناظرِ السّاحرةِ والشّمسِ المشرقةِ، وهذا ما عبّرَ عنهُ فريدريشْ شليجل بقولِه: "يجبُ عليْنا أن نبحثَ في الشّرقِ عن أسْمى الموادِّ والصُّورِ الرّومانتيكيَّةِ"

وقد افتُتِنَ خيالُ الرّومانسيّينَ بجمالِ الشّرقِ ورأَوا فيهِ جنّةً منشودةً تفيضُ بالرَّوحِ والرّيحانِ. فها هو فيكتور هوغو يرى الشَّرقَ من خلالِ حكاياتِ (ألفِ ليلةٍ وليلةٍ) عالماً ساحراً مشرقاً، فهو جنّةُ الدُّنيا بربيعِه الدّائمِ المفْعمِ بورودِه النَّديّةِ وخضرتِه المشْرقةِ، وأبراجِه القرمزيَّةِ ومنازلِه الذَّهبيّةِ العامرةِ بالدّفءِ والخيرِ، ونخيلِه الشّامخِ، وعيونِ مائِه المتدفِّقةِ، وطيورِه الهائمةِ فوقَ المنائرِ.

ولم يقتصِرْ خيالُ هوغو على تصويرِ معالمِ جنّةِ الشّرقِ دون أنْ نَرى في روحِه هياماً إلى العيشِ في ربوعِه، فهو يودُّ أن يجلسَ هناكَ في اللّيلِ وعينُه تتأمَّلُ البحرَ بأعماقِه السَّحيقةِ وأمواجِه الفضّيَّةِ الّتي تترقرقُ تحتَ أنوارِ القمرِ، ويَرى هوغو أنَّ اللهَ ﷻ قد وهبَ أرضَ الشّرقِ: "زهوراً أكثرَ من سِواها، وملأَ سماءَه نجوماً أغزرَ، وبثَّ في بحارِه لآلئَ أوفرَ"

ويتَّجهُ خيالُ فكتور هوغو إلى إسطَنْبولَ؛ ليرسمَ لها صورةً تُباهي باريسَ جمالاً وفِتنةً من خلالِ وصفِ بحرِها وخليجِها ومياهِها وسمائِها ونجومِها، فتبدُو إسطنبولُ الضَّاحكةُ "وقد تنقّبَ جبينُها بالدُّجْنةِ راقدةً فوقَ شطِّ الخليجِ الّذي يغمرُها بموجِه، وبينَ أضواءِ السَّماءِ وانعكاسِها في الموجِ، كأنّها فوق أرضٍ ذاتِ نجومٍ.. فإذا رأيتَ قِبابَها الزُّرقَ كأنَّما صبغَتْها السَّماءُ بلونِها، وآلافُ أهلَّتِها تبدُو كأنّها تستمِدُّ أشعّةَ قمرِ اللّيلِ، تحسبُ أنّها المدينةُ الّتي شيَّدَتْ قصورَها الصّامتةَ في الهواءِ أرواحُ اللَّيلِ. وتُميّزُ العينُ أبراجَها بزوايَاها المرسومةِ، ومنازلَها ذاتِ السُّطوحِ المستويةِ، وسهامَ مساجدِها.."

وكذلك تتَّجهُ عينُ هوغو إلى مصرَ في ديوانِه (أغاني وقصائدُ مختلفةٌ) الّذي أصدرَه عامَ 1822م، إذْ يصفُ في إحدى قصائدِه مصرَ، فهي شقراءُ فاتنةُ تمتازُ بجمالِها السَّاحرِ، وسنابلِها الذَّهبيَّةِ وحقولِها الّتي تمتدُّ عبرَ السُّهولِ، وبردِها وحرِّها اللّذينِ يتنافسانِ لإحكامِ الألمِ في طبيعتِها، لكنّها تستقبلُهما بالابتسامةِ:

مصرُ أيَّتُها الشَّقراءُ الفاتِنة
ما أجملَ سنابلَ قمحِكِ الذَّهبيَّة
وحقولَكِ البهيَّة
تمتدُّ كأنّها وسائدُ ثمِينة
سهلٌ تلوَ سهلٍ
يقتتلُ عليكِ من الشَّمالِ بردٌ قارسٌ
ومن الجنوبِ رملٌ جائرٌ ساخنٌ
وكلّما اقترَبا نحوَكِ وأحكَما أضراسَهما ليُؤلماكِ
ابتسمْتِ يا مصرُ الشَّقراءُ

وتبدو ملامحُ تأثُّرِ هوغو بالشّرقِ جليَّةً بعدَ قراءتِه التَّوراةَ والإنجيلَ، والقرآنَ الكريمَ وألفَ ليلةٍ وليلةٍ في ترجمتِهما الفرنسيَّةِ، وتاريخَ الإسلامِ وحياةَ الرّسولِ (ﷺ)، فتأثّرَ بهذهِ المصادرِ الشّرقيّةِ الّتي بدَا أثرُها واضحاً في ديوانِه (الشّرقيّات) وملحمتِه الشّعريّةِ (أسطورةُ القرونِ).

أمّا ديوانُه (الشّرقيّاتُ) فيضمُّ اثنتينِ وعشرينَ قصيدةً، منها (السُّلطانةُ المفضّلةُ) و(نورُ الصَّهباءِ) و (وداعُ الفاتنةِ العربيَّةِ) و(من ربوعِ الأندلسِ) و(كناريسُ) و (نوارُ) و (رؤوسُ السَّراي). ومنها (ضوءُ القمرِ) الّتي ترجمَها الأستاذُ الكبيرُ أحمدُ حسن الزّيّات في مجلّةِ الرّسالةِ، يقولُ هوغو في قصيدتِه (ضوءُ القمر):

كانَ البدرُ مشرقَ الجبينِ يتنقَّلُ على ذُرا الأمواجِ
وقد فتحَتِ النّافذةُ ذراعَيها لخطراتِ النَّسيمِ
فجعلَتِ الملكةَ ترنُو إلى البحرِ وهو يتكَسَّرُ
ويُطرّزُ مطارفَ جزائرِه السَّوداءِ بنُقوشِ أمواجِه المفَضَّضة
فهوَى العودُ من يدِها وهو يرنُّ
فأصغَتْ فسمِعَتْ صوتاً أبحَّ يردِّدُه الصَّدى:
أتُراهَا سفينةٌ تركيَّةٌ قادمةٌ من مياهِ الدَّردَنيلِ
تضربُ جزرَ اليونانِ بسيوفِ الحقيقةِ

والجديرُ بالذّكرِ أنَّ الحقبةَ الّتي تلَتِ الثّورةَ الفرنسيَّةَ في ظلِّ حكْمِ مجموعةٍ من السّياسيّينَ والحكّامِ والملوكِ، أمثالِ نابليونَ بونابرت () بكلِّ توجُّهاتِه الاستِعماريّةِ وحملاتِهِ إلى الشَّرقِ، كان لها دورٌ كبيرٌ في صياغةِ معالمَ رئيسةٍ من الأدبِ الفرنسيِّ عند جميعِ الأدباءِ، ولا سيَما هوغو الّذي نجدُه تارةً يمجِّدُ نابليونَ الأوّلَ ويتودَّدُ إليهِ، وتارةً أخْرى يعشقُ الشَّرقَ ويتغنَّى بجمالِه ومعالمِه، ويهتمُّ بكلِّ موروثاتِه الحضاريَّةِ والتّاريخيّةِ والأدبيّة. وكذلكَ كان معظمُ الأدباءِ في تلكَ الحقبةِ الزّمنيّةِ إلى ما بعدَ سقوطِ نابليونَ، وحتّى بداياتِ القرنِ العشرين".
ومنذُ بدايةِ القرنِ الـتّاسعَ عشرَ تحوّلَ الشّرقُ إلى مصدرِ شغفٍ وإلهامٍ ودراسةٍ لكبارِ الكتَّابِ والفنّانينَ الأوروبييّنَ، منهمُ الكاتبُ الفرنسيُّ فيكتور هوغو (1802-1885)، وذلكَ في ديوانِه "الشّرقيّات" (1829) الّذي اعترفَ في مقدّمتِه بأنّ "الشّرقَ، إمّا كصورةٍ أو كفكرةٍ، باتَ للعقولِ والمخيّلاتِ مشغلاً عامّاً خضعَ مؤلِّفُ هذا الكتابِ إليهِ". وفي غَمْرةِ استِحضارِ الشَّرقِ في كتاباتِ الغربيّينَ في مطلعِ القرنِ التّاسعَ عشرَ نهضَ الأدبُ الغربيُّ، واكتسبَ قدراتٍ جديدةً من خلالِ جوانبَ عديدةٍ:

أولُّها البراعةُ في مزجِ الصُّورِ الأدبيّةِ بشتّى الألوانِ الشّرقيّةِ المتنوّعةِ الّتي لم يكنْ يألفُها من قبلُ، كما نجدُ في ديوانِ الشّرقيّاتِ لهوغو الّذي مزجَ في صورِه بينَ ألوانٍ عديدةٍ حادّةٍ لم يكن يأنسُ إليها الغربيُّ، فمنْ ذلكَ مجاورتُه بينَ الألوانِ النّيّرةِ والمعتِمةِ. فالسُّحبُ في نارِ السَّماءِ حمراءُ وسوداءُ تنتَشِي العينُ بها، واللّيالي ملتهِبةٌ بالقبابِ الزّرقاءِ مثلَ السّماءِ الّتي تلوِّنُها بالمآذنِ البيضاءِ والفوانيسِ المشتعِلةِ على الأمواجِ، وغيرِها منَ الصُّورِ الّتي استحضرَها هوغو من ليالي الشّرقِ على البحرِ المتوسّطِ، فيها صخبُ الألوانِ وعربدةُ الصُّورِ ممّا أثارَ ضجّةَ النُّقّادِ حولَها، ومع ذلكَ فقدْ تركَت أثرَها على أشعارِ كلٍّ من غوتيه، ولوكونت دو ليل، ورامبو وغيرِهم.
وثانيها القدرةُ على المزجِ بينَ الكلماتِ الشّرقيّةِ المتنوِّعةِ الّتي استمدَّها هوغو في ديوانِه (الشّرقيّات) من معاجمِ الشّرقِ، فهو يعجُّ بالكلماتِ الغريبةِ ذاتِ الأصواتِ الحادّةِ، استقَاها هوغو من العربيّةِ والفارسيّةِ والتُّركيّةِ واليونانيَّةِ الحديثةِ. ولم يكنِ القارئُ الفرنسيُّ قد ألِفَ مثلَها في الشّعرِ الفرنسيِّ، وهذا ما عرَّضَ هوغو لنقدٍ شديدٍ من اللُّغويّينَ، لكنَّ هوغو دافعَ عن رأيهِ بضرورةِ تخصيبِ اللُّغةِ الفرنسيّةِ بمفرداتِ اللُّغاتِ الأخْرى، بعدَ أن أُصيبَتِ اللُّغةُ الفرنسيّةُ بالجمودِ في نقائِها المزعومِ، فباتَت مهدَّدةً بالجُمودِ.

وثالثُها المقدرةُ على تجديدِ نظامِ الصُّورةِ الشِّعريّةِ. فما يميّزُ شعرَ هوغو، والأدبَ الرّومانسيَّ بشكلٍ عامّ، هو تلكَ النّزعةُ المنهجيّةُ إلى الارتقاءِ بالفكرِ من خلالِ الصّورِ المبتكرةِ. ومن هُنا نَرى أنّ الأدبَ الشّرقيَّ قد منحَ هوغو طرقاً جديدةً للتّعبيرِ، وقدرةً على خلقِ صورٍ شعريّةٍ مبتكرةٍ، من خلالِ الموروثِ الدّينيِّ بتدبيجِ صورِه بمزاميرِ التَّوراةِ، أو الموروثِ الدُّنيويِّ، كالأناشيدِ البطوليّةِ، والمرثيَّاتِ الحالمةِ، وأغاني الجُنودِ وغيرِها.

ممّا تقدَّمَ نَرى أنَّ الشّرقَ وهبَ هوغو مساحةً واسعةُ من الحرّيّةِ الشّعريّةِ الّتي عبّر عنها في مقدّمةِ ديوانِه (الشَّرقيّات) بقولِه: "حينَ ننظرُ إلى الأشياءِ من علوٍّ، نجدُ أنَّ لا مواضيعَ جيّدةٌ أو سيّئةٌ في الشّعرِ، بل شعراءُ جيّدونَ أو سيّئونَ. كلُّ شيءٍ يَصلحُ لأنْ يكونَ موضوعاً. كلُّ شيءٍ قابلٌ للانخراطِ داخلَ الفنِّ، ولهُ الحقُّ في المثُولِ داخلَ الشّعرِ. لا علاقةَ للفنِّ بالأصفادِ والكِمَاماتِ. يقولُ لكَ: اذهبْ! ويُفلتُكَ في حديقةِ الشّعرِ العظيمةِ، حيثُ لا فاكهةٌ ممنوعةٌ. المكانُ والزّمانُ مُلْكُ الشّاعرِ. فلْيَذهبْ إذاً إلى حيثُ يشاءُ، وليَفْعلْ ما يُعجِبُه".

الشّرقُ في أسطورةِ القرونِ

حينَما تولّى نابليونُ الثّالثُ الحكمَ في فرنسا عامَ 1851م، بانقلابِه على النِّظامِ الجمهوريِّ ليقودَ الدَّولةَ نحوَ الدّكتاتوريَّةِ، كان هوغو في مقدِّمةِ الجماهيرِ الّتي أعلنَتِ العِصيانَ ونزولَها إلى الشّارعِ لمقاومتِه، وقدْ تعرّضَ هوغو لمحاولةِ اغتيالٍ، لكنَّ عشيقتَه (جوليِيت درويه) تمكَّنَت من إنقاذِه، ومهَّدَت لهُ طريقَ الهروبِ خارجَ فرنسا، ليبدأَ هوغو حياتَه في المنْفى الّتي استمرَّتْ من عام 1855م إلى عام 1870م، وخلالَ هذهِ الحقبةِ الطّويلةِ من عمرِه في المنْفى كتبَ أجملَ كتاباتِه وأشعارِه ومؤلّفاته، ومنها ملحمتُه الشِّعريّةُ الخالدةُ (أسطورةُ القُرونِ)، وهي مجموعةٌ كبيرةٌ من القصائدِ، قالَ عنها الأديبُ الفرنسيُّ الكبيرُ بودليرُ "إنّها الملحمةُ الوحيدةُ والحقيقيَّةُ في تاريخِ فرنسا". وقد بدأَها هوغو بقولِه:

وحينَما أكتبُ وأنا أفكِّرُ في شُرفَتي
أرى الأمواجَ تُولَدُ وتموتُ، ثمّ تولَدُ لتَموتَ
وأرى الطُّيورَ البِيضَ تسبحُ في الهَواءِ
والسُّفُنُ تنشرُ أشرِعتَها للرّيحِ
كأنّها عن بعْدٍ، وجوهٌ كبيرةٌ تتنزَّهُ على البحرِ

وتُعدُّ أسطورةُ القرونِ ملحمةً شعريَّةً مطوَّلةً تسردُ سيَرَ الأبطالِ، وقدْ أحيَا فيها ما اندثرَ من عصورِ الإنسانيَّةِ الأولى معتمِداً على الرِّواياتِ التّاريخيَّةِ، فيصفُ في القصيدةِ الأولى منها الأرضَ في عصورِها الأولى مبتسِمةً سعيدةً تُخرجُ من أحشائِها ما أودعَه اللهُ فيها من أزهارٍ وأثمارٍ.

فقد تناولَ هوغو تاريخَ البشريّةِ منذُ آدمَ وحوَّاءَ، ووصفَ المرأةَ الأولى وجمالَ بشرتِها ورشاقتَها، وأعلَى صوتَ الضَّميرِ الّذي أنّبَ قابيلَ بعد أنْ قتلَ أخاهُ هابيلَ، ثمَّ راحَ يغوصُ إلى سيرةِ المسيحِ عليهِ السَّلامُ، ليقفَ بعدَها في رحابِ سيرةِ النَّبيِّ محمَّدٍ وصحابتِه الكرامِ، كما ذهبَ يعرّجُ على الزّعماءِ والقادةِ والأباطرةِ الرّومانِ، وبعضِ سلاطينِ الدّولةِ العثمانيّةِ أمثالِ السُّلطانِ مرادٍ ومحمَّدٍ الفاتحِ، وبعضِ سلاطينِ المماليكِ كالظّاهرِ بيبرسَ.
ويخصِّصُ هوغو عدّةَ قصائدَ للحديثِ عن دينِ الإسلامِ ورسولِه الكريمِ، ويُطْري على صحابتِه الكرامِ، وتُعدُّ هذه القصائدُ من أجملِ ما كتبَه أديبٌ غربيٌّ عنِ الرّسولِ الكريمِ (ﷺ)، إذْ يتناولُ خصالَه الجليلةَ وصفاتِه وأعمالَه، فيُثني على تعاليمِ الدّينِ الإسلاميِّ. وأبرزُها: قصيدةُ (العامُ التَّاسعُ للهجرةِ)، وقصيدةُ (آيةٌ من القرآنِ)، وقصيدةُ (شجرةُ الأرْزِ) في مدحِ الخليفةِ عمرَ بنِ الخطّابِ رضيَ اللهُ عنهُ.

ويُقال في بعضِ الحواراتِ الشَّهيرةِ الّتي تناقلَتْها الصُّحفُ الفرنسيّةُ، إنَّ هوغو اعتنقَ الإسلامَ قبلَ وفاتِه بثلاثِ سنواتٍ، واختارَ لنفسِه لقبَ (أبو بكْر) مُستندينَ في ذلكَ على ما حملَتْه قصائدُه من روحانيّاتِ ورموزِ الدّينِ الإسلاميِّ، ممّا أثارَ كثيراً من الرّيبةِ والجدلِ حولَ عقيدتِه، ولا سيَما أنَّ مواقفَه منَ الكنيسةِ لم تكنْ إيجابيّةً؛ فحينَما تُوفّي ولداهُ (تشارلز وفرانْسوا فيكتور) أصرَّ على دفنِهما دونَ صليبٍ أو كاهنٍ، وأوصَى بذلكَ في وفاتِه وجنازتِه. ومعَ ذلكَ فقدْ كان هوغو يؤمنُ بالحياةِ بعدَ الموتِ، وكانَ ملتزماً بصَلاتِه المسيحيَّةِ، مقتنعاً بأنَّ صلاةَ المرءِ تَعرفُ طريقَها أفضلَ منهُ.

لم يكنْ هوغو مهتمّاً بماهيةِ الدّينِ وطرقِ عبادتِه، قدرَ اهتمامِه بالدّينِ كجوهَرٍ إيمانيٍّ راسخٍ على مرِّ العصورِ يحملُ جوانبَ إنسانيّةً مُهمَّةً، وقد عُرِف عنهُ تناقضُ مواقفِه من الأديانِ وعدمُ الإفصاحِ الصّريحِ عنها، وهذا ما أثارَ حولَه موجةً من الغُموضِ والإبهامِ.

ومن هُنا نجدُ تشابهاً كبيراً بينَ هوغو وتولستوي، فالأوّلُ اهتمَّ بالإسلامِ وأعلامِه، وأثارَ ضجَّةً حولَ معتقَدِه، والثّاني أفردَ كتاباً كاملاً للرّسولِ الكريمِ (ﷺ)، سمّاهُ (حكمُ النّبيّ محمّدٍ)، وكان بينَه وبينَ مُفتي الدّيارِ المصريّةِ الشَّيخِ محمَّد عبْدَه مراسلاتٌ عديدةٌ تشيرُ بوضوحٍ إلى حبِّه وإعجابِه بالإسلامِ، وكانتْ وصيّتُه بعدمِ الصَّلاةِ على جنازتِه في كنيسةٍ ودفنِه منفرِداً دليلاً على تأثُّرهِ الكبيرِ بالإسلامِ، وقيلَ إنّه اعتنقَ الإسلامَ قبلَ وفاتِه، لكنَّ زوجتَه كتمَتْ سرَّ إسلامِه. فثمَّةَ تشابهٌ كبيرٌ بينَ الأديبينِ هوغو وتولستوي في إعجابِهما بالإسلامِ وفكرِه ورسولِه ورموزِه، وإثارةِ ضجّةٍ كُبرى حولَ إسلامِهما.

قصيدةُ (العامُ التّاسعُ للهجرة)

في قصيدةِ العامِ التّاسعِ للهجرةِ، وهي منْ ترجمةِ الشَّاعرِ المغربيِّ عبدِ الكريمِ الوزّانيِّ ()، يتحدّثُ هوغو عن صفاتِ الرّسول (ﷺ) وخصالِه، وقد أحسَّ بدنوِّ أجلِه، فهو كريمُ النَّفسِ، سمحُ الخلُقِ، يطلبُ العفوَ والسَّماحَ من جميعِ العابرينَ ويحيّيهم بتَحيَّتِهم، وقدْ بدَت آثارُ السّنينَ على وجهِه ولحْيتِه الّتي خضّبَت سوادَها بالشَّيبِ، ووقفَ يتأمَّلُ النُّوقَ وهي تَروي ظمأَها، ويتذكَّرُ رحلاتِه معَ القوافلِ، وقد انتشَتْ نفسُه وكأنّه يرَى الحبَّ والنّعيمَ في جنّاتِ عدْنٍ:

كمَن خالجَهُ الإحساسُ بدنوّ الموتِ منهُ
فلمْ يُنْحِ أبداً باللاّئِمةِ على أحدٍ مهْما كانَ
مشَى وهوَ يردُّ على تحيّةِ العابرينَ بمثلِها
ويوماً عنْ يومٍ خطَّ الشَّيبُ سوادَ شَعرِ لحْيتِه
توقّفَ وهوَ يَرى النُّوقَ تُطفِئُ غلَّتَها في الماءِ
كمَن يتذكّرُ ماضيَهُ إبّانَ رحلاتِه صحبةَ القوافلِ
بدَا وكأنّهُ يَرى زمنَ الحبِّ في جنّاتِ عدْنٍ

ويصفُ هوغو الرّسولَ الكريمَ في أيّامِ شبابِه الخَوالي، ويتحدَّثُ عن صفاتِه الجسديَّةِ وخصالِه الخلُقيَّةِ، فيُبرزُ ملامحَ وجهِه، فهوَ عالي الجبينِ، وخدَّاهُ ملائكيَّانِ، وحاجباهُ غيرُ كثيفينِ، وعيناهُ عميقَتانِ، وعنقُهُ مثلَ محْبقةِ الزُّهورِ الفضّيّةِ. أمّا صفاتُه الخلُقيَّةُ، فهوَ حكيمٌ عارفٌ مثلَ نوحٍ العارفِ بسرِّ الطّوفانِ، وقاضٍ عادلٌ يحكمُ بالعدلِ بينَ النّاسِ، وأمامَ هيبتِه العظيمةِ يُقرُّ المذنبُ بذنبِه، ويطمئِنُّ المتَضرِّرُ إلى حقِّهِ، تراهُ صامتاً يُصْغي أكثرَ ممّا يتكلّمُ ويكونُ آخرَ المتكلّمينَ، ويفيضُ على لسانِه ذكرُ اللهِ:

وفي العُهودِ السَّالفةِ الّتي لا تُنْسى
كانَ عاليَ الجبينِ، خدّاهُ ملائكيّانِ
حاجباهُ غيرُ كثيفينِ وعيناهُ عميقتانِ
عنقُهُ أشبهُ شيءٍ بمحبقةِ زهورٍ فضيّةٍ
سَمْتُ نُوحٍ ذلكَ العارفُ بسرّ الطُّوفانِ
حاكمٌ إذا احتكَمَ إليهِ رجلانِ فإنّهُ بهيْبتِه
يتركُ المُدانَ معترِفاً والمتضرِّرَ مطمئنّاً
يُصْغي بصمتٍ ولا يتكلّمُ إلاّ آخرَ المتكلّمينَ
لا يَجْري على لسانِه دائماً غيرُ ذكرِ اللهِ

ويتحدّثُ هوغو عن أفعالِ الرّسولِ الكريمِ وأعمالِه وحياتِه المعيشيَّةِ البسيطةِ المتواضعةِ، فهوَ قليلُ الشَّغفِ إلى الطَّعامِ، يجوعُ حتّى يشدَّ الحزامَ على بطنِه؛ كي يخفِّفَ من آلامِه، ويحلبُ نعاجَه بيديهِ، مجلسُه الأرضُ، ويرتّقُ ثيابَه بنفسِه، كثيرُ الصّومِ في غيرِ أيّامِ رمضانَ، ممّا أنهكَ قواهُ فتغيّرتْ ملامحُ شبابِه:

قليلُ الميلِ إلى الطّعامِ. يشدُّ الحزامَ على بطنِه
يسهرُ بنفسِه على حلْبِ نعاجِه
يجلسُ على الأرضِ ويُرتّقُ ثيّابَه
كثيرُ الصَّومِ خارجَ الأيّامِ الرّمضانيّة
لهَذا ضعُفَت قوّتُه حتّى كأنّهُ غيرُ شابٍّ.

وينتقِلُ هوغو إلى وصفِ مرضِ النّبيِّ الكريمِ بالحُمّى، وقد بلغَ من العمرِ ثلاثةً وستّينَ عاماً، وأدركَ قربَ أجلِه، فراحَ يتلو القرآنَ، ثمَّ سلَّمَ الرّايةَ لخليفتِه أبي بكرٍ، وأوصاهُ بمتابعةِ رسالتِه في نشرِ عبادةِ التَّوحيدِ:

داهمَتْهُ حمَّى وهوَ ذو ثلاثةٍ وستّينَ عاماً
قرأَ القرآنَ وبيدِه كتبُه
ثمّ أسلمَ البيْرقَ إلى ابنِ السَّيِّدِ
قائلاً لهُ: أنا قريبٌ من فجْريَ الأخيرِ
ليسَ هناكَ من إلهٍ إلاّ اللهُ فجاهِدْ من أجلِه

ثمَّ يتحدّثُ هوغو عن إتمامِ الرّسولِ (ﷺ) رسالةَ الإسلامِ الّتي جاءَت متمِّمةً لرسالةِ المسيحِ عيسَى - عليهِ السَّلام- الّذي وُلدَ دونَ أبٍ من العذراءِ مريمَ الّتي يفوحُ منها عطرٌ الزُّهورِ، وكان طفلاً حميدَ السّيرةِ، فأشرقَ بنورِ رسالتِه كمَا يشرقُ نورُ الفجرِ من رحمِ الشّمسِ، فجاءَ محمَّدٌ لإتمامِ هذا النُّورِ:

أنجزْتُ ما بقيَ غيرَ كاملٍ من نورِ عيسَى
أنا القوّةُ وطفلاً كانَ عيسَى صاحبَ السُّلوكِ الحُلْوِ
كان الفجرُ للشّمسِ رديفاً
سبقَني عيسَى ولم يكُنِ السَّببَ
بل كانَ ابنَ عذراءَ يفوحُ منها عطرُ زهرةٍ

ويؤكّدُ هوغو ما قالَه النّبيُّ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ عن نفسِه بأنهُ بشرٌ كغيرهِ مخلوقٌ منَ الطّينِ، وحياتُه مليئةٌ بالأسَى من ضنْكِ الذُّنوبِ، ونهايتُه نهايةُ كلٍّ مخلوقٍ في ظلامِ النَّعشِ، وجسدُه إلى انحلالٍ تأكلُه دودةُ الترابِ:

احفظُوا ما أقولُ جيّداً، أنا لستُ إلاّ مخلوقاً حيّاً
ما أنا إلاّ طميٌ متكوّنٌ من سوابقَ مسْودّةٍ
لقدْ عانيْتُ من فرطِ الذُّنوبِ كلَّ أنواعِ الضَّنى
ليسَ لإهابي من ميزةٍ غيرُ طريقٍ لا دليلَ لهَا
وجسَدي بالشّرِّ ملوّثٌ..
وأنا في ظلامِ النَّعشِ وحيدٌ
كلُّ خطأ تتولّدُ عنه دُودةُ ترابٍ

وتطولُ القصيدةُ في الحديثِ عنِ النّبيِّ وأعمالِه وصفاتِه وأخلاقِه، ولهَذا آثرتُ الاكتفاءَ بمَا قدَّمتُه؛ ليكونَ دليلاً وبرهاناً على إعجابِ هوغو بالإسلامِ ورسولِه وأصحابِه، وعلى سَعةِ اطّلاعِ هوغو على تاريخِ الدّينِ الإسلاميِّ الحنيفِ وأعلامِه البارزينَ، وعلى موقفِه الإنسانيِّ العظيمِ المتحرّرِ من كلِّ تعصُّبٍ أعْمى يرشقُ الإسلامَ بالتُّهمِ الباطلةِ، ويزيِّفُ حقائقَه السَّمحةَ في السُّموِّ بالإنسانِ والارتقاءِ بسلوكِه وأخلاقِه بما يضمنُ حرّيّتَه وحرّيّةَ الآخرينَ، وينشُدُ التَّسامحَ والمحبَّةَ والسّلامَ لجميعِ النّاسِ من حولِه.

هذا وقدْ نظمَ الشَّاعرُ المغربيُّ الكبيرُ عبدُ الكريمِ الوزّانيّ أبياتَ قصيدةِ هوغو (العامُ التّاسعُ للهجرة) بمعَانيها، فأضْفى علَيها من إبداعِ النَّظمِ ما جعلَها أعمقَ أثراً وأشدَّ وقعاً في النَّفسِ بجمالِ أبياتِها وروعةِ معانيْها، وقدْ نظمَها بعنوانِ (في لحظةِ التَّوديعِ)، وأكتفِي هُنا بمقتطفاتٍ من أجملِ أبياتِها:

كأنَّما في لحظةِ التَّوديعِ
ضاءَتْ له الذِّكرى كما الشُّموعِ
لا يَنْهَرُ الناسَ مَهيبٌ يا لَها
مِن هيبةٍ تُمزَجُ بالخضوعِ
يَمشي وإنْ حَيَّاهُ داعٍ رَدَّها
تحيّةً تُرْضِي هوَى السَّميعِ
وكلُّ يومٍ ينتهي يَؤُودُه
وعُمرهُ مازالَ في الرَّبيعِ
مُستذْكراً كيفَ رَعَى أغْنَامَهُ
مُسْتمتعاً بنغمةِ القَطيعِ
مُسْتوقفاً دابَّتَهُ كيْمَا يَرَى
ومُعْجَباً بالإبلِ الشُّروعِ
بَدا لهُ كأنَّما الماضِي أتَى
من سالِفِ الأزْمِنَةِ الهجُوعِ
كأنَّما جِنانُ عدنٍ أُخْرِجَتْ
وعصرُ حُبٍّ رائعُ الرُّجوعِ
هامتُه كانتْ هناكَ في العُلَا
وخَدُّهُ كالشَّمسِ في الطُّلوعِ
لو أنَّ ناساً جالسُوهُ قاضياً
رأيتَهُ يُصْغي إلى الجَميعِ
يُنْكرُ هذا ضاحِكًا على الّذي
أثْبَتَهُ البادئُ بالموضوعِ
وحينمَا يَعِي الكلامَ هادئاً
يَشْرَعُ في حديثهِ المطبوعِ
دوماً تراهُ ذاكراً وإنّهُ
لَيَحْلُبُ الأغنامَ في النُّجوعِ
ويكتفِي من الغِذاءِ بالّذي
يجعَلُهُ يَقْوَى على الرُّجوعِ
وربَّما حجارةٌ يحزِمُها
ببطنهِ من وَخَزَاتِ الجُوعِ
على الثَّرى يجلسُ والثيابُ قدْ
يَخِيطُها بخُلْقِهِ الرَّفيعِ
وفوقَ صومِ النَّاسِ كان صومُه
وَهْوَ لَيس ناهِضَ الضُّلوعِ
ثلاثةٌ من بعد سِتِّينَ انْقضَتْ
جاءَتْهُ حُمَّى الموتِ والتَّوديعِ
يُكرِّرُ القرآنَ مثلما انْتَهى
إليه مَحْفوظاً من اليُنْبُوعِ
يُسَلِّمُ اللواءَ للَّذي يَلِي
ناجاهُ: "خَفَّتْ آخرُ الشُّموع"
ارْفَعْ شِعارَ الله: لا شريكَ لهْ
وجَاهِدَنْ منْ دُونمَا خُضوعِ
وفوقَ جفنهِ الظِّلالُ شابَهَا
تَعْبُ عُقَابٍ في ثَرَى الصَّقيعِ
واضْطَرَّ هذا الطيرُ هِجْرَانَ الهَوَا
وكانَ رَبَّ الجَوِّ في الرُّبوعِ
أتى إلى المسجدِ في مِيقاتِهِ
يُسْنِدُهُ عَلِيُّ في الجُموعِ
والنَّاسُ يَتْبَعُونَ آثارَ الخُطا
والرَّايةُ الغَرَّاءُ في سُطوعِ
وهاهُنا -والوجْهُ منهُ شاحِبٌ
 مُلْتَفِتاً- يَنْصَحُ للجميعِ
يا أيُّها النَّاسُ النَّهارُ يَنْطَفِي
ونحنُ نَنْسَاقُ إلى الصُّدوعِ
نحنُ الغبارُ والغُبارُ يَنْجَلي
نحنُ الدُّجى الفانِي معَ الطُّلوعِ
اللهُ وحدَه الكبيرُ مُسْتَوٍ
 جَلَّ- على كُرْسِيِّهِ الرَّفيعِ...
وفي الصَّباحِ نادَى يا صِدِّيقُ قُمْ
صَلِّ بهمْ فقدْ وَهَتْ ضلُوعِي
وبينمَا عائشةٌ منْ خَلْفِهِمْ
كان أبو بكرٍ مع الرُّكوعِ
وفي تمامِ كلِّ سورةٍ بَدَتْ
نَبْرَتُهُ تَضْعُفُ في خشوعِ
والنَّاسُ في أحزانِهمْ قدْ أَجْهَشُوا
منَ البُكاءِ المُرِّ بالدُّموعِ
وقامَ عندَ البابِ مَلكُ المَوتِ في
المساءِ يَرْنو للهُدى المَتْبوعِ
وحينَها أَضَا النَّبِيُّ مثلَمَا
أضاءَ يومَ المولدِ البديعِ
قالَ لهُ: اللهُ العظيمُ طالِبٌ
لُقْيَاكَ عندَ عرشِهِ المَرْفوعِ
قالَ: نَعَمْ. ورعْشَةٌ طافَتْ بهِ
في جسْمهِ المُتْعَبِ والضُّلوعِ
وعندمَا أرْسَلَ نَفْساً كانَ قدْ
ماتَ النَّبِيُّ رحمةُ الجَميعِ.
قصيدةُ (آيةٌ من القرآنِ)

ومنَ القصائدِ الّتي كتبَها فيكتور هوغو في ملحمتِه عن الإسلامِ قصيدتُه الّتي سمّاها (آيةٌ من القرآنِ)، وأبياتُها مقتبسةٌ من سورةِ الزَّلزلةِ: ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا (1) وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا (2) وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا (3) يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا (5) يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ (6) فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ (7) وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ (8) ﴾، ويقولُ فيها:

سوفَ تُزلزَلُ الأرضُ زلزالاً شديداً
وسيقولُ النّاسُ يومئذٍ مالَها؟
وسيخرجُ النّاسُ من الظلِّ ومن قلبِ الأرضِ أفواجاً
صفراً سيَأتي الأمواتُ ليُرَوا أعمالَهم..
قصيدةُ (شجرةُ الأرْز)

وقد خصّصَ هوغو في ملحمتِه قصيدةً للخليفةِ عمرَ بنِ الخطّابِ، وجاءَت بعنوان: (شجرةُ الأرْز) لقَّبَ فيها الفاروقَ بشيخِ الإسلامِ، وأفاضَ في مدحِه، وكانتْ بمثابةِ ردٍّ على الخطاباتِ المعاديةِ للإسلامِ من تيّاراتِ (الإسلاموفوبيا) () الّتي انتشرَت في فرنسا وأوروبّا بعدَ اغتيالِ القُنصلينِ الفرنسيِّ والبريطانيِّ في الخامسَ عشرَ من شهرِ يونيُو عام 1858 في مدينةِ جِدّة في المملكةِ العربيّةِ السّعوديّةِ خلالَ مذبحةٍ راحَ ضحيَّتَها ثلاثةٌ وعشرونَ نفَراً.

فقد ألْقى الرّأيُ العامُّ في ذلكَ الوقتِ باللّومِ على المسلمينَ في هذهِ الجريمةِ المأساويّةِ، حتّى باتَ يُنظرُ إلى الإسلامِ في أوروبّا على أنّهُ مصدرُ تعصُّبٍ ودافعٌ لهؤلاءِ الإرهابيّينَ، وفي مقابلِ هذهِ التّيَّاراتِ ظهرتْ أصواتٌ مناهضةٌ راحَت تحتجُّ على هَذا الخطابِ المعادي للإسلامِ، فكان قلمُ هوغُو واحداً من هؤلاءِ.

وقد تعاملَ الشَّاعرُ في هذهِ القصيدةِ مع الإسلامِ من خلالِ منظورٍ إنسانيٍّ عالميٍّ؛ للتّأكيدِ على أنّ الإسلامَ لا يتَعارضُ معَ المسيحيَّةِ. فعَمدَ هوغو في هذهِ القصيدةِ إلى بناءِ حوارينِ صوفيّينِ بينَ القدّيسِ يوحنّا الإنجيليِّ والخليفةِ عُمرَ بنِ الخطّابِ، وبينَ مدينةِ جدَّة ذاتِ البُعدِ الرّمزيّ للإسلامِ والمُسلمين وبينَ اليونانِ الّتي ترمزُ إلى مهدِ الحضارةِ الأوروبيَّة.

وخلاصةُ القولِ: إنَّ الشّاعرَ الفرنسيَّ الكبيرَ فيكتور هوغو قدْ أُولعَ بالشَّرقِ، فوصفَ جمالَه من خلالِ التّحليقِ في خيالِه، دونَ أنْ تَرى عيناهُ ربوعَ الشّرقِ، وتأثَّر في أدبِه أسلوباً ومنهجاً وصوراً شعريّةً ومفرداتٍ معجميَّةً بأدبِ الشّرقِ، كمَا تأثّرَ بالشّرقِ ديناً وفكراً ومعتَقداً دفعَه إلى نظمِ أجملِ إبداعاتِه الشِّعريّةِ الّتي رأيْناها فيمَا قدَّمناهُ، وفي هذا جهدٌ متواضعٌ أسعفَتْني فيهِ مُطالعَاتي وقراءاتي في الكُتبِ، وفي المواقعِ الإلكترونيَّةِ الّتي وجدْتُ فيها الكثيرَ من اللَّغَطِ والتَّخبُّطِ، فجاءَت دراسَتي أكثرَ وضوحاً وشموليَّةً، ولا سيَما أنَّها تقومُ على المقارنةِ بينَ أديبينِ كبيرينِ هوغو وتولستوي الّذي سأُفردُ له بحثاً آخرَ يتناولُ مواقفَه من الشّرقِ وتأثُّرَه بهِ؛ لأصلَ من هذهِ الدّراسةِ إلى القواسمِ المشتركةِ بينَ الأديبينِ.

واللهُ وليُّ التّوفيقِ


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى