الثلاثاء ٢٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٠
بقلم سمية العبيدي

الغرفة الغامضة

لا يمكن أن تسمى غرفة مهما تساهلنا في التسمية والتوصيف غير ان ذلك ما أطلقه أحفادها على هذا الركن الذي تمكنت اخيرا وبعد عصر وحصر للذهن أن تتوصل اليه لتمنح نفسها ساعة من هدوء وتأمل وتركيز كانت هذه الزاوية بعيدة شيئا ما عن معترك الحياة في ذلك البيت حيث يتحلى أفراده بميزة الصوت المرتفع مضافا اليها حب الترنم بأناشيد الطفولة وأُغنيات الصبا وهي ميزة ابتدعها الجد ورافقته الجدة نفسها فيها بدأت مع أول حفيد لكنها نسيت أن تنتهي منها وتتجاوزها بل رفض مبتدعوها أن تنتهي حرصا أن يأخذ كل حفيد نصيبه الموفور من الأهازيج والأغنيات فلا ظلم لأحد على حساب الآخر. بعد أن عرفت ما تريد ظلت الزاوية تشكل اغراء لعينيها وأملا بإنقاذ شيئا من النهار من براثن الفوضى التي تضرب أطنابها عبر تخوم البيت وفضاءاته، لذا راجعت ركام مخلفات البناء في سطح الدار وأنزلت منه ما تستطيع حمله كلما تمكنت من صعود سلم المنزل أخذت تثبت جانبين ايضاً للزاوية البعيدة متحاشية أن يعرف أحد ما ترمي اليه كان السقف الذي توصلت اليه يرتفع عن مستوى رأسها "بشبرين" تقريبا فقط واخيرا استطاعت ان تحصل على باب توصده بقفل رتبت الزاوية من الداخل تخلصت من الثقوب ومنحت المكان شكل سكن آدمي حتى لا تأكلها الحشرات وتقرضها الجرذان. نقلت كل كتبها ومخطوطاتها ومطبوعاتها و أوارقها المبعثرة والمحشورة في عدة أماكن ونقلت اخيرا حاسبتها، ومع إن ابعاد الغرفة!! - بدأت هي أيضا تدعوها كذلك - لا تتجاوز مترا في متر وربع الا إنها استطاعت أن تحشر نتاج ما يزيد عن نصف قرن فيها وايضا أن تبقي مكانا يتسع لعظامها التي نخرتها الايام وما تبقى من لحمها ودمها وشعرت بالراحة فهذا المكان المجتزَأ من المنزل لمَّ تبعثرها وانفراط شملها عن ملايين الحروف التي زرعتها ولم تثمر طوال نصف قرن ونيف.

أخذت تأوي اليها كلما استطاعت، فتراجع أوراقها قراءة وتمحيصا فأما حرقا وإما حفظا في حافظات كتبت عليها فحواها بقلم غليظ - عادت تعرف أين أقلامها وأين أوراقها - بدأت نشاطا جديدا لترتيب أوراقها وأمورها غير إن فضول الأطفال تحول اليها والى الغرفة الغامضة كما أخذوا يسمونها حتى إن أحدهم تجرأ فكتب على جدارها ذلك بخط غليظ ملون، حين رأت ذلك ابتسمت ولم تعاتب أحدا. صار هذا عالمها الخاص الذي لا ينازعها ملكيته أحد. على إنها في عشق قديم لازب مع النوافذ لم تكن لديها نافذة في هذه الزاوية لكنها اقنعت نفسها بانها عادت تمتلك نافذة ذهنية تطل على العالم منها تعوضها عن حرمان غرفتها من نافذة اما حرصها على الأناقة والجمال فقد ألجأها الى صنع ستارة صغيرة من رقيق القماش وجميله وضعتها على الجانب المطل على الحديقة الصغيرة توهم نفسها بأنها تملك نافذة لركنها هذا حتى إنها أزمعت على رسم نافذة على الحائط لكنها تراجعت عن استغراقها في الرومانسية كذبا، ولله الحمد لم ير أحد زاويتها من الداخل والا لكان سخر منها الشياطين الاعزاء الذين أنجبهم أبنها الوحيد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى