الاثنين ٢١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٠
بقلم عصام شرتح

المحفزات الشعرية في قصائد الغزل عند وهيب عجمي

إن لكل تجربة شعرية مثيراتها النصية، و محفزاتها الشعرية التي تحقق الاستثارة و الفاعلية والتأثير لاسيما إذا أدركنا أن الشعرية كتلة فواعل نصية متآلفة تحقق قيمتها الاستعلائية من خلال فنية التشكيلات اللغوية ومثيراتها النصية البليغة، فكم من التجارب الشعرية ما أثارتنا إلا بلغتها الإيحائية المستعصية ورؤاها العميقة التي تتطلب التفكر والتدبر في مغرياتها التشكيلية الانزياحية الخلاقة بمبتكراتها النصية، والقارئ للنص الشعري الحداثي يلحظ غنى الفضاء الجمالي الرؤيوي، نظراً لامتلاك الشعراء في عصر الحداثة لكل مقومات الإدهاش الشعري من توظيف الألوان والأساطير والدراما التشكيلية والتصويرية والعبث البانورامي بالأحداث الشعرية ليخلق الشاعر المعاصر لعبة الحياة بمتناقضاتها الكثيرة في نصه الشعري ومتحولاته النسقية الآسرة.
وبتقديرنا: إن لعبة الحداثة الشعرية بتجلياتها المختلفة خلقت النص الإبداعي المثير، وولدت النص الشعري الجمالي الممانع، هذا النص الذي يغامر بفضائه البصري كمغامرة بفضاء اللغوي وتشكيلاته النصية الآسرة التي تتمرد بالقول الجمالي، والفضاء التشكيلي المعماري الذي يضمن للنص قوامه الشعري التفاعلي المؤثر.

وتعد المحفزات الشعرية لعبة النصوص الإبداعية المؤثرة التي تتلاعب بالقارئ من خلال المؤثرات النسقية الانزياحية المتوهجة التي تجعل نسقاً شعرياً يمتاز جمالياً عن نسق شعري آخر، وترقى قيمة جمالية أسلوبية على قيمة جمالية أخرى، لتظهر المحفزات الجمالية من خلال الشكل الجمالي المميز والحساسية النصية المرهفة بتجلياتها ومؤثراتها النسقية الخلاقة بالمتغيرات والرؤى الجمالية.

ومن يطلع على قصائد العجمي الشعرية يلحظ تنوع محفزاتها الشعرية الجمالية من محفز لغوي إلى بصري إلى تشكيلي إلى تصويري إلى عاطفي، أي ثمة تلاعب بالمحفزات الشعرية تبعاً للمثيرات الجمالية التي تفرزها قصائده في توجهاتها النصية ولعبتها الفنية الآسرة, ونذكر من هذه المحفزات مايلي:

1-محفز جمالي صوتي:

لاشك في أن لكل قصيدة محفزاتها الصوتية الخاصة ومثيرها الجمالي الذي تمتاز به، ويميزها عن سواها من القصائد الأخرى؛ إذ " يعد الصوت المادة الأولى لتشكيل الإيقاع اللغوي، نظراً لما يمتلكه كل صوت من صفات تنغيمية تتعلق بأسلوب النطق، ومخارج الحروف؛ولما يمكن أن يطرأ عليه من صفات تنغيمية جديدة يكتسبها من خلال علاقات الجوار التي تسبق الصوت، وتتلوه مباشرة؛ ومن أجل هذا فإن أهمية الصوت لاتقتصر على الناحية التنغيمية الخاصة به، وإنما تتجلى أهميته في مقدرته على التميز عن غيره من الأصوات، فرنة الصوت ليست إلا دعامة للاختلاف."(1).

وتأسيساً على هذا، يمكن القول إن المحفز الجمالي الصوتي لايقل أهمية عن المحفز الجمالي اللغوي في استثارة اللذة الجمالية في تلقي النص الشعري واستثارته الجمالية، لأن القصيدة – في المحصلة-" منظومة لغوية تراعي الناحية الصوتية التي تبثها اصوات الكلمات بما تحدثه من جرس صوتي يثير في النفس كوامنها، بيد أن هذا لاينفي أن الصوت يحمل في جوهره معناه"(2).

وبهذا التصور، فإن خصوصية النص الشعري تكتسب قيمتها النصية من تآلفها وتناغمها مع الأصوات الأخرى في استثارة الشعرية، وخلق متغيرها الجمالي الفاعل، وهذا دليل أن " أصوات الكلمات ليست بالنسبة إلى الشعر تلك المادة المرنة كما يكون الحجر هو المادة المرنة بالنسبة إلى النحت... ولكن كل صوت يشكل كلمة كان قد حمل معنى تلك الكلمة قروناً طويلة حتى لم يعد بالإمكان استعماله في قصيدة دون أن يوحي بذاك المعنى المعين. فلكي تفقد المعنى يجب أن تفقد الكلمة"(3).

ووفق هذا التصور، فإن قيمة المحفز الصوتي تنبع من تفاعله مع الأصوات الأخرى في استثارة الشعرية، وخلق متغيرها الجمالي البليغ، إذ إن الأصوات تتفاعل مع بعضها البعض في استثارة اللذة الجمالية وخلق متغيرها الصوتي المؤثر في إنتاج الدلالات وتوليد الإيحاءات العميقة.

ومن يطلع على البنية الصوتية لقصائد العجمي يلحظ غنى قصائده بالمؤثرات الصوتية التفاعلية الخلاقة التي تشي ببراعة التشكيلات الصوتية المتجانسة واستثارتها الشعرية من العمق.

يقول وهيب عجمي في قصيدته (اعشق):

" اعشق فإنك في حياتك زارعٌ
فالعشقُ في حقلِ الحياةِ نواةُ
والعشقُ روحُ الكائناتِ وقلبها
وبغيرِ عشقٍ لا تكونُ حياةُ
اعشقْ فنورُ العشقِ مصباح الهدى
والعاشقونَ مشاعلٌ وهداة ُ
أوصاكَ ربكَ في الصلاةِ فريضة ً
والعشقُ في عينِ السماءِ صلاة ُ"(4).

لابد من الإشارة بداية إلى أن بلاغة المحفز الصوتي الجمالي في قصائد تظهر من خلال شعرية الارتباطات الصوتية التي تخلق إيقاعها التحولي الانزياحي الخلاق الموحي،كما في قوله:[ مصباح الهدى= روح الكائنات]، والملاحظ أن التآلفات الصوتية الماثلة في قوله:[ نواة-حياة- هداة]، تحقق استثارتها الجمالية من خلال الحنكة الجمالية في توليف القوافي وارتباطها في النسق الشعري الصوتي المتجانس؛ وهذا دليل أن التوليف الصوتي المتجانس يحقق قيمته الجمالية من خلال شعرية الإسنادات الخلاقة التي توحي بالدلالات والمعاني الشعرية.

والملاحظ أن البنية الصوتية المتماسكة التي تثيرها قصائد العجمي تؤكد مهارته الإسنادية وقيمته الجمالية في خلق الاستثارة والتأثير، من خلال المحفزات الصوتية الجمالية، كما في قوله من قصيدته (غادتي) التي يقول فيها:

غادتي الحسناءَ كم عذبتني بعيونٍ أوغلت في المطلقِ
أنت من كانت ومازالت سناً
تُلبسُ الحسنَ لشمسِ المشرقِ
فخذي القلبَ ورُدِّي وردهُ
وعن العينِ تواري واشرقي
وإذا غادرتِ قلبي برهة ً
طاردي ابن ضلوعي واسرقي"(5).

لابد من الإشارة إلى أن الحنكة الجمالية تظهر من خلال فاعلية المحفزات الصوتية التي تبرز مدى تفاعل الأصوات وإيقاعها في قصائده الغزلية، مما يدلل على البنية التشكيلية العلائقية التي تثيرها قصائده في استثارة الأصوات المتجانسة المتآلفة في إيقاعاتها الغزلية الرومانسية المؤثرة، كما في المتجانسات الصوتية في القوافي: [المطلق- المشرق- اشرقي- اسرقي]، وتواشج حركة الكسر مع احتدام المشاعر العاطفية المتوترة: [بعيونٍ- لشمس المشرق- طاردي ابن ضلوعي واسرقي]، فالبنية الصوتية للأصوات الشعرية السابقة تؤكد حنكة الشاعر الجمالية في خلق المتغير الجمالي الخلاق الموحي بالمؤثرات الجمالية.

والملاحظ – كذلك – فاعلية الأصوات من خلال المحفزات الجمالية التي تخلقها قصائد العجمي لتحقق إيقاعاتها الصوتية المتجانسة، كما في قوله من قصيدة( شقراء) مايلي:

"سكنت في نبضاتِ القلبِ والمُقلِ
فكان عيدكِ ألحاناً على الجملِ
عيناكِ موجٌ على شطآن ذاكرتي
ووجهكِ الفجرُ" تكتاكٌ" به حجلي
قامت على أنغامه رقصتْ
وأقبلَ الشعر يشدو همسةَ الأملِ
لا الحورُ تشبهها كلا ولا قمرٌ
لأنها السحرُ فوقَ السهلِ والجبلِ
شقراءُ في عيدها كأس الهوى انسكبت
يحلوُ القصيدُ بها في دوحةِ الغزل(6).

هنا تحقق المحفزات الصوتية في قصائد العجمي قيمتها الصوتية المتجانسة التي تثير القارئ بإيقاعاتها المتواشجة، وكأنها لحمة جمالية انصهارية خلاقة بالدلالات والمعاني الشعرية فكل نسق شعري تحولي مصدره حركة القوافي ومحفزاتها الجمالية وإيقاعاتها الخلاقة،، كما في تناغم القوافي التالية:[ الجمل- حجلي- الأمل – الجبل – الغزل]، فهذه الأنساق تضافرت صوتياً مع حركة الراء المكسورة لتثير الرجرجة الصوتية في الأبيات لخلق المباغتة والتأثير.

وهذا دليل أن الأصوات تشكل إيقاعها التلاحمي المثير لتحقق غايتها الإبداعية الخلاقة، فبلاغة الأصوات في قصائد العجمي تظهر من خلال انسجام الأصوات وتضافرها لتحقق قيمة جمالية عالية في خلق الاستثارة وبلاغة التأثير.

وصفوة القول إن فاعلية المحفزات الجمالية الصوتية – في قصائد العجمي- تتأتى من بلاغة الأصوات وحراكها الجمالي، والانتقال من محفز صوتي إلى آخر، مما يثير اللذة التشكيلية في القصيدة لتصل درجة من الفاعلية واللذة الجمالية في قصائد العجمي على المستويات كلها.

2—محفز جمالي لغوي

إن المحفز الجمالي اللغوي هو الذي يرفع درجة الشعرية لاسيما إذا كان المحفز الجمالي اللغوي تشكيلي يقوم على علاقة المفاعلة الدلالية التي تترك النص في حراك جمالي على مستوى العلائق والمؤثرات اللغوية، فالشاعر المبدع هو الذي يجعل المحفزات الشعرية في قصائده محفزات تشكيلية جمالية لخلق الاستثارة والمباغتة النصية، ولا قيمة للشعرية إن فقدت عنصر المباغتة، والإدهاش الجمالي، تقول خلود ترمانيني:" إن لغة الشعر تنشأ بين الشاعر وبقية المدركات التي تكون عالمه الشعري، ذلك أن اللغة الموجودة خارج الشعر تكون في حالة فوضى لا يعثر فيها الإنسان على نفسه. ولكنها حين تدخل في إطار الشعر يصنفها الشاعر وينظمها مخلصاً إياها من الفوضى، ليحقق وجوده من خلال التغيير الفعال لآلية وجودها في العملية الإبداعية(7).

وهذا يعني أن شعرية القصيدة تكتسبها من مقدرتها اللغوية وطاقاتها الانزياحية البليغة في الانتقال من محفز لغوي جمالي إلى آخر، ومن مثير تشكيلي تضافري أو تفاعلي إلى مثير لغوي آخر، وفق متغيرات جمالية أسلوبية ترتقي فاعلية الرؤية التشكيلية ومثيرها الفني العميق.

ومن يدقق في قصائد العجمي الشعرية يلحظ حياكتها الجمالية البليغة ومثيرها الفني الجمالي، الذي ترقى فيه مستويات من الاستثارة واللذة الجمالية، أي إن محفزاتها اللغوية شاعرية في إسناداتها وتشكيلاتها الانزياحية الخلاقة، كما في قوله:

"في بحري اغتسلي ليغدو ملحُهُ
عسلَ الشفاهِ لايقبلُ التأويلا
خمرُ الدوالي ما أطاح بصحوتي
لكن كأسكِ يرفعُ المفعولا
طرزتُ حرفي بالبلاغة متقناً
ألبسته لحبيبتي منديلا
شمسُ المحاسنِ من جبينكِ أشرقت
وأحب فيك قوامك المصقولا"(8).

لابد من الإشارة إلى أن المحفزات اللغوية- في قصائد العجمي- تتأسس على فاعلية المثيرات التشكيلية التي تخلق إيقاعها النصي كما في التشكيلات اللغوية التالية:
[شمس المحاسن – خمر الدوالي- عسل الشفاه- قوامك المصقولا]،وهذا دليل أن الشعرية تشكل قيمة جمالية في استثارة الدلالات الجديدة، وخلق مؤشرها الجمالي، وتبعاً لهذا تحقق قصائد العجمي فاعليتها التشكيلية الخلاقة التي تثير القارئ وتخلق المتعة الجمالية.

والواقع أن المحفزات اللغوية – في قصائد العجمي- متنوعة، تبعاً لمتغيرات أسلوبية بليغة تستدعي الاستثارة في التشكيلات اللغوية المثيرة، كما في قول وهيب عجمي في قصيدته (عانقيني) مايلي:

"قومي إليَّ وعانقي مشتاقا
يسعى إليك متيماً توَّاقا
من قلبهِ سكبَ الحروفَ لوردةٍ
فغدا القصيدُ كثغرها براقا
والكوكبان تألقا في صدرها
وتعادلا فتقاسما الترياقا
من قدها الممشوقِ كلُّ نخيلةٍ
أخذت مداها والجنى والساقا
وتمايلَ السعفُ الرصينُ كشعرها
يهوي على أعطافها رقراقا"(9).

هنا، يثيرنا الشاعر بالمحفزات اللغوية الجمالية التي ترتكز عليها الأبيات السابقة في استثارة رؤيتها الجمالية، كما في التشكيلات التالية:[ من قلبه سكب الحروف لوردةٍ- والكوكبان تألقا في صدرها- من قدها الممشوق كل نخيلةٍ- وتمايل السعف الرصين كشعرها]، فالقارئ هنا يتلذذ بالمحفزات اللغوية الخلاقة التي تستثير الرؤى الشعرية، وتحقق قيمة جمالية استثارية عالية، فكل نسق شعري يثير صورة،وكل صورة تثير رؤية جمالية مفتوحة ترتقي درجات من الاستثارة واللذة الجمالية في تلقيها.

والواقع أن المحفزات الجمالية متنوعة في قصائد العجمي، تبعاً لمحفزات جمالية ترتقي درجات من الاستثارة واللذة في تأسيس إيقاعاتها الجمالية المتحولة، كما في قوله في قصيدته (جمر الشوق):

"على جبينك نجمُ الحسنِ منفردُ
وفي شفاهكِ جمرُ الشوقِ متقدُ
عيناكِ عصفورتا غنجٍ عشيقهما
فصلُ الربيعُ وفيهِ اللوزُ منعقدُ
وقدُّكِ الأهيفُ المصقولُ من شُهبٍ
لهُ ملائكة ُ العشاقِ قد سجدوا"(10).

إن القارئ هنا يتلذذ بالمحفزات التشكيلية التي تخلق إيقاعها الجمالي من خلال بلاغة الصور الشعرية المتحركة التي تشي بها: [على جبينك نجم الحسن منفرد- وفي شفاهك جمرُ الشوق متقد]، إن الشاعر هنا خلق مؤثراته اللغوية البليغة التي تستدعي المزيد من التأويلات النصية المفتوحة بتجلياتها ورؤاها الشعرية، وهذا دليل أن المحفزات اللغوية في قصائد العجمي تتحول مما هو لغوي إلى ماهو شعري عبر فاعلية المحفزات الجمالية ومثيراتها النصية الخلاقة بالرؤى والدلالات الجديدة.

وصفوة القول: إن بلاغة المحفزات اللغوية – في قصائد العجمي- تتأتى من بلاغة الأنساق الشعرية وما تثيره في النسق الشعري من مؤثرات ودلالات جديدة، عبر شعرية الإسنادات والمفارقات التشكيلية التي تخلق إيقاعها الجمالي ومتغيرها الإبداعي الخلاق المنتج للشعرية وتحدياتها الجديدة.

3- محفز جمالي تصويري:

لاشك في أن لكل قصيدة محفزاتها التصويرية الجمالية التي تبرز ألقها التصويري من خلال فاعلية الصورة، لأن " الصورة وسيلة لإذابة مختلف العناصر والمكونات المتناقضة والمتباينة والمتشابهة، وجعلها في كل واحد أو بؤرة واحدة تلمع كالبرق الخاطف.

وبصياغة أخرى نقول: إن التجربة الشعرية للأنا الشاعرة التي تتعدد مصادرها وعواملها ومستوياتها وموادها تبحث لها عن منفذ واحد يأتلفها ويذيبها ويركبها ويصوغها في مقولة أو علاقة مكثفة يبرزها للعيان، وليس هذا المنقذ بأكثر من الصورة"(11).

ولهذا يمكن القول :إن الانتقال من مثير جمالي تحفيزي إلى مثير جمالي تحفيزي آخر، ولهذا يقول الناقد جابر عصفور:" إن الصورة هي الوسيط الأساسي الذي يستكشف به الشاعر تجربته، ويتفهمها كما يمنحها المعنى والنظام، وليس ثمة ثنائية بين معنى وصورة، أو مجاز وحقيقة، أو رغبة في إقناع منطقي وإمتاع شكلي، فالشاعر الأصيل يتوسل بالصورة ليعبر بها عن حالات لايمكن له أن يتفهمها ويجسدها بدون الصورة، وبهذا الفهم لاتصبح الصورة شيئاً ثانوياً يمكن الاستغناء عنه، أو حذفه، وإنما تصبح وسيلة حتمية لإدراك نوع متميز من الحقائق تعجز اللغة العادية عن إدراكه أو توصيله"(12).

وهذا يعني أن المحفزات التصويرية ترفع درجة شعرية القصيدة عندما تكون هذه المحفزات شاعرية في استثارتها ولذتها الجمالية، ومن هنا فإن الانتقال من محفز جمالي تصويري إلى آخر يثير اللذة الجمالية في القصيدة، ويبعث فيها الدينامية الحركية التي تنقل القصيدة من سكونها اللفظي إلى فاعليتها الإيحائية.

ومن يطلع على قصائد وهيب عجمي يدرك أن البنية التشكيلية العلائقية في قصائده بنى تحولية استشرافية عميقة بالانتقال من محفز جمالي تصويري إلى آخر، مما يعني أن الشعرية فاعلية لغوية مؤثرة تبرز إيقاعها الجمالي التحولي الاستشرافي البليغ، كما في قوله من قصيدته (مملكة الهوى) التي يقول فيها:

"دعيني في هواكِ أذوبُ عشقا
فما قلبي بحضن العشقِ يشقى
يموتُ الناسُ في الدنيا ولكن
رسولُ العشقِ في الأحياءِ يبقى
فقيسٌ خالدٌ في حبِّ ليلى
وليلى في جنون القيس ترقى"(13).

لابد من الإشارة بداية إلى أن المحفز الجمالي التصويري يرتكز على فاعلية الرؤيا التشكيلية في قصائد العجمي لدرجة أن المحفز التصويري الحسي يستدعي المحفز التصويري الحسي الآخر، ليخلق رؤية جمالية تثير اللذة الجمالية في تلقي النص الشعري وخلق مثيره الجمالي ،لأن التلاعب بالمحفزات النصية يخلق قيمة جمالية عالية تؤكد أن العجمي شاعر الصورة العزلية المتوترة وحراكها الإبداعي المتزن، على شاكلة الصورة المتوترة التالية:[ فما قلبي بحضن العشق يشقى]، فهذه الصورة عززت فاعلية المحفزات الجمالية في استثارة الصور المؤثرة وإنتاج بلاغتها من خلال الطيف الجمالي الإيحائي الذي تمتلكه لاستثارة الشعرية.

والواقع أن المحفزات التصويرية في قصائد العجمي تخلق إيقاعها الجمالي عبر بلاغة الصور واستثارتها الجمالية، كما في قوله

"جبينك للضيا وجهُ المرايا
وفي خديكِ أقمارٌ وشهبُ
لحبك بالوفا عبدتُ دربي
وما عندي لغير الحبِ دربُ
ونهرُ الحبِّ يجري في ضلوعي
وأنتِ النهرُ عندي والمصبُ
خذيني في حنانكِ واغمريني
ليعشقَ قلبكِ الولهانَ قلبُ"(14).

إن القارئ هنا يتلذذ بالصور ليخلق درجة من الفاعلية الانزياحية على مستوى الأنساق التصويرية، وكأن الصورة تستدعي الصورة والرؤية تستدعي الرؤيا لتحقق القصيدة إيقاعها التصويري الانزلاقي الآسر، وكأن كل صورة تؤكد وحدتها وترابطها النصي، مع الصور الآخر، مثيرة إيقاعها الانزياحي البلاغي المؤثر، وهذا دليل أن فاعلية الأنساق الشعرية تبرز بإيقاعاتها التشكيلية وصورها العاطفية الغزلية المفتوحة، كما في الصور التالية:[ جبينك للضيا وجهُ المرايا/ ليعشق قلبك الولهان قلب]،وهذا دليل غنى الرؤية الشعرية في قصائد العجمي لتحقق هذا التراكم الإبداعي الخلاق في نسق الصورة لتؤكد تناغمها مع الموقف العاطفي الغزلي الذي ارتكزت عليه.

والواقع أن المحفزات التصويرية – في قصائد العجمي- جمالية أو مغمسة بالجمال،لأنها تحقق قيمتها الجمالية وغايتها الإبداعية الخلاقة، كما في قصيدته (إشراقة):

"لا خيرَ في الإصباحِ مالم تشرقي
وتبددي فحمَ الظلامِ المطبق
يبستْ عيوني إن تركتْ مدارها
واسودَّ وجهُ الكونِ مالم تبرقي
أنتِ الجمالُ أصولُهُ وفروعُهُ
والزهرُ أنتِ في الربيعِ المورقِ
في يوم مولدكِ الكواكبُ شعشعتْ
والأرضُ أحيتْ عيدها بالمطلقِ
ما جئتِ إلا للوهيبِ وشعره
لولاك ما كانت حياتي صدقي
ولكي يعمُّ سلامُ ربي في الدُّنى
بعثَ الكريمُ حبيبتي للمشرقِ"(15).

هنا، تثيرنا المحفزات التصويرية – في الأبيات الشعرية السابقة – من خلال بكارة إسناداتها وإيحاءاتها التشكيلية، وكأن العجمي يبني الصورة المؤثرة التي تخلق إيقاعها الجمالي، من خلال هذا التلاحم والتضافر التصويري بين الأبيات، إذ إن كل صورة تقود الصورة الأخرى، وتحقق فاعليتها الجمالية، وهكذا تتأكد شعرية المحفزات التصويرية – في قصائد العجمي – من خلال حنكة الشاعر التشكيلية وقدرته على التوليف الجمالي البليغ بين الصور لترتقي الأبيات درجات من الاستثارة واللذة الجمالية في التلقي الجمالي الآسر على مستوى المحفزات النصية التي تثيرها القصيدة على المستوى الجمالي أو الفني.

وصفوة القول:إن بلاغة المحفزات التصويرية – في قصائد العجمي- تتأكد من خلال بلاغة الرؤى والدلالات الشعرية، وهذا دليل أن غنى الشعرية من غنى مؤشرات النص اللغوية النشطة وما تثيره في النسق الشعري من صور وتشكيلات جمالية خلاقة بالمعاني والدلالات الجديدة.

4-محفز جمالي تشكيلي:

الشعر فاعلية تشكيلية، وهذه الفاعلية التشكيلية تحدد فنية القصيدة، ودرجة شعرية الشاعر، والوعي الجمالي الإبداعي في التشكيل، وكم من التجارب الشعرية لا تميزها إلا حنكة الشاعر التشكيلية ومهارته الإبداعية في توليف الجمل، وخلق متغيرها الجمالي، أي إن الإبداع الشعري إبداع تشكيلي ومهارة لغوية في تشكيل الأنساق المبتكرة التي تؤكد فرادة الشاعر الإبداعية، وتؤكد في الآن ذاته درجته الشعرية والقيمة الإبداعية التي حققها، ولهذا يعد المحفز الجمالي التشكيلي المحفز الجمالي الأهم في تأكيد شعرية الشاعر ومهارته الإبداعية، ومستوى الحساسية الجمالية التي توصل إليها،يقول محمد لطفي اليوسفي :" الكتابة بالصور هي القانون المحوري الذي تنبني عليه القصيدة المعاصرة بأسرها. لأن الشعر يتنزل في دائرة الرؤيا، ويكاد يتوحد في الحلم. والصورة هي الشكل الذي يستجيب للرؤى. ذلك أن العبارة الخبرية تقف قاصرة ولاتحيط بالرؤيا، فيقوم الشاعر بتفجير العبارة من الداخل. فتأتي الصورة بمثابة الصدى المباشر لذلك الانفجار، انفجار اللفظ العاجز عن استيعاب التجربة المتفردة(16).

والواقع أن المحفز الجمالي التشكيلي هو الذي يرفع سوية القصيدة جمالياً من خلال البنية الجمالية العلائقية المبتكرة، لأن الكلمات والعبارات في الشعر ليست سكونية،بل هي طاقات إيحائية دلالية ممتدة" يقصد بها بعث صور إيحائية، وفي هذه الصور يعيد الشاعر إلى الكلمات قوة معانيها التصويرية الفطرية في اللغة، إذ الأصل في الكلمات في نشأتها الأولى كانت تدل على صور حسية، ثم صارت مجردة من المحسات؛ وهذا معنى ما يقال من أن الكلمات في الأصل كانت هيروغليفية الدلالة، أو تصويرية، والشاعر يحاول أن يتحدث لغة تصويرية في مفرداته وجمله، أي أنه يعيد إلى اللغة دلالتها الهيروغليفية التصويرية الأولى بما يبث في لغته من صور وخيالات"(17).

وهذا يدلنا إلى حقيقة مهمة وهي أن المحفزات الجمالية التشكيلية هي التي تميز النص الإبداعي الخلاق المتوهج مقارنة بسواه، والشاعر الحق هو الذي يؤكد تفرده الإبداعي من خلال جمالية التمظهرات اللغوية وفاعلية التشكيلات الشعرية بتنوعها ورؤاها الخلاقة.

ومن يطلع على فاعلية المحفزات الجمالية التشكيلية – في قصائد العجمي- يلحظ غنى قصائد العجمي بالمحفزات الجمالية التشكيلية العالية التي تخفي درجة من الشعرية والمفاعلة الجمالية، كما في قوله من قصيدته ( لقاؤك جنتي) التي نقتطف منها هذه الأبيات:

"تغنى في جمالك دوحُ شعري
على الأغصانِ أطربني الكنارُ
وعطرُكِ فاحَ في أدبي وفجري
كبستانٍ بهِ وردٌ وغارُ
بمبسمكِ الحلاوة ُ لا تُضاهى
وطيبٌ في شفاهكِ لايُعارُ"(18)

لابد من الإشارة بداية إلى أن شعرية المحفزات التشكيلية – في قصائد العجمي- تتحدد من خلال جمالية التشكيلات التصويرية المراوغة التي تخفي لذة وجمالية عالية في التشكيل، لدرجة أن القارئ يتمتع بالنسق اللغوي الائتلافي الذي يخلق المزاوجات التشكيلية الفنية العالية ذات قيمة عالية في الاستثارة والتأثير، كما في الأنساق التالية: [بمبسمكِ الحلاوة ُ لا تُضاهى وطيبٌ في شفاهكِ لايُعارُ]،وهذا دليل أن قيمة التشكيل الشعري هي التي تحدد شعرية الرؤى والتراكيب، ولايمكن أن يأتي النص الشعري عبثياً ،لأن الشاعر ينظم إيقاعات القصيدة تبعاً لفاعلية الصور ومثيرات الرؤية الشعرية الخلاقة التي ترتكز عليها في استثارة اللذة الجمالية في التركيب.

والملاحظ أن بلاغة المحفزات التشكيلية – في قصائد العجمي- متنوعة، تبعاً لمثيرات عدة أهمها : الانزياح اللغوي، وبلاغة الإسنادات المفاجئة، التي تثيرها في قصائده الرومانسية الغزلية المنفتحة الرؤى والدلالات الجديدة، كما في قوله:

وقوله في قصيدته الموسومة ب (شرفة):
"رُضابكِ خمرتي والكأسُ برقٌ
فهاتي البرقَ هيا امطريني
فما رعدي لغيرِ الحبِّ دوَّى
على خدِّ النوى هطلتْ جفوني
وشعري للعشيقةِ قصرٌ فني
وقد هتفت لعينيها فنوني"(19).

هنا، يباغتنا الشاعر بتشكيلاته اللغوية الآسرة والصور الغزلية المتوهجة بإيحاءاتها ورؤاها الشعرية، مما يؤكد أن الشعرية – عند العجمي- تحولية انزياحية تخلق مثيرها الجمالي تبعاً لحساسية الشاعر ومستوى وعيه الجمالية في التقاط الصور والتشكيلات المؤثرة، كما في التشكيلات التالية:[رضابك خمرتي والكأسُ برق فهاتي البرق هيا امطريني]، ففي هذه الصور تبرز الدلالات وتنتشي من خلال إيقاعها التشكيلي الآسر وبلاغة الأنساق الشعرية في استثارتها جمالياً.

والملاحظ أن فاعلية المحفزات التشكيلية في قصائد العجمي ترتقي من نسق إلى نسق ،ومن صورة إلى أخرى كما في قصيدته (تراتيل مريم) الذي يقول فيها
" لا بدرَ مثلك بالمحاسنِ ينعُمُ
فتربعي عرشَ السنا يامريمُ
وجهٌ صباحُ السحرِ بعضُ سماتهِ
إن غابَ عن وجهِ المحبةِ يُظلِمُ
سبحان من سوَّى سهامَ عيونها
فإذا رمتكَ بنظرةٍ لا تَسلَمُ
في صوتها عزفتْ تراتيلُ الرؤى
وتناغمتْ ألحانُها والمبسَمُ"(20).

إن القارئ هنا يتلذذ بجمالية المحفزات التشكيلية من خلال تضافر الأنساق الشعرية وتحقيق متغيرها الجمالي الآسر، وهنا تبرز فاعلية الأنساق من خلال ما تثيره من تشكيلات نصية مراوغة، كما في الأنساق التالية:[ وجهٌ صباحُ السحر بعض سماته- في صوتها عزفت تراتيل الرؤى- تناغمت ألحانها والمبسم]،وهكذا تتأسس شعرية القصيدة عند العجمي على بلاغة المحفزات التصويرية، لدرجة أن كل محفز تصويري يستدعي المحفز التصويري الآخر، ويحقق قيمة جمالية تستثير الرؤيا الشعرية من الصميم.

وصفوة القول:إن بلاغة المحفزات التشكيلية – في قصائد العجمي- تتأتى من حنكة الشاعر التشكيلية وقدرته على توليف الأنساق الشعرية وخلق مثيراتها التشكيلية الخلاقة بالدلالات والمعاني الشعرية، فكل محفز تشكيلي جمالي يستدعي المحفز الجمالي التشكيلي الآخر، مما يثير الشعرية، ويحقق قيمتها الجمالية الخلاقة.

5- محفز جمالي رؤيوي:

الشعر فاعلية رؤيوية وتشكيلات تصية مراوغة تستثير الرؤية النصية من العمق، والشاعر المبدع هو الذي يستقي مهارته الإبداعية من رؤاه العميقة ،ومدلولاته النصية المنفتحة، لأن المخيلة الإبداعية المتوهجة هي التي ترتقي بفاعلية الرؤيا الشعرية جمالياً. وما نقصده بالمحفز الجمالي الرؤيوي: المحفز الجمالي الذي يرتكز على بلاغة الرؤيا الشعرية في استثارة الشعرية من العمق، والرؤيا الشعرية لا تتكشف جمالياً إلا من خلال شعرية الصورة وعلائقها الجمالية المثيرة، يقول الدكتور محمد حسن عبد الله: "إن مخاطبة الحواس، والتمرد على الدلالة الحرفية، واكتشاف علاقة، وتحرك الخيال بين قطبين، وإدماج الحسي بالمجرد في شكل أو بناء موحد تملأ فيه الثغرة بين القطبين، تمثل أهم ما ينبغي أن يتحقق في الصورة الشعرية، وفي الصور داخل البناء الشعري، والصورة أو الصور تكثيف هادف في الانتشار، وبناء من عناصر اللغة تسعى إلى التوحد، وتوتر في الإدراك الفكري يخلف الانسجام"(21).

ويعد المحفز الجمالي الرؤيوي من مثيرات قصائد العجمي في استثارة الرؤية الشعرية من العمق، هذه الرؤية هي التي تخلق اللذة الجمالية في التشكيل، كما في قوله من قصيدته (أنا الشعر) ما يلي:

" أنا شعرٌ أغني في صباحي
مع الأطيارِ في حضن الدوالي
أنا شعرٌ أحلِّقُ حيثُ أبني
بيوتَ العشقِ في قمم الجبالِ
ولي الألحانُ يعزفها حنيني
على أوتارِ قلبي في الليالي
أنا حبٌّ وعاطفة ٌ وذكرى
ووشوشة ٌ بآذان السؤالِ"(22).

لابد من الإشارة بداية إلى أن المحفز الرؤيوي- في قصائد العجمي – محفز تشكيلي جمالي في بث الرؤية الشعرية لتخلق إيقاعها الجمالي، وهذا ما نلحظه في قوله:[ ولي الألحانُ يعزفها حنيني/ أبني بيوت العشق في قمم الجبال]، وهذا يدلنا على أن الشعرية شعرية استثارة رؤى تصويرية غاية في اللذة والاستثارة الجمالية، والواقع أن الشعرية في قصائد العجمي تحولية استثارية ترقى درجات من اللذة الجمالية في التشكيل، وهكذا فإن محفزات الرؤيا في قصائد العجمي محفزات تشكيلية خلاقة بالرؤى والدلالات الجديدة، وفق مقتضيات ومؤثرات نصية خلاقة.

والواقع أن المحفز الجمالي الرؤيوي- في قصائد العجمي- يرتكز على حساسية الرؤية الشعرية وبلاغة المقتضيات النصية الخلاقة، كما في قوله:(دعيني في هواك) التي يقول فيها مايلي:

"أتيتُ إليكِ أُعلنُ ما بقلبي
وصوتي الرعدُ دوَّى في هتافي
فكوني حرة في الأرض مثلي
وثوري كالصواعق لاتخافي
لغيرك مافرشتُ الأرضَ زهراً
وما ضمختُ بالعطرِ القوافي
وما رقصت طيور الريف تشدو
لملهمةٍ خطت دون انعطاف
وما لمعت بأوراقي المعاني
وما احلولتْ عناقيدُ القطافِ"(23).

هاهنا نلحظ بلاغة المحفزات الرؤيوية في الانتقال من رؤية نصية إلى أخرى، ومن متغير أسلوبي إلى آخر، مما يدل على بلاغة الأنساق التشكيلية الرؤيوية، وما تثيره من دلالات مؤثرة على المستوى الجمالي، كما في قوله:[ لغيرك مافرشت الأرض زهراً/ وما لمعت بأوراقي المعاني/ وما احلولت عناقيد القطاف]، فكل محفز جمالي رؤيوي في الأنساق الأخرى يستثير اللذة الجمالية لتحقيق اللذة الجمالية في التشكيل، ووفق هذا التصور، فإن غنى الشعرية في قصائد العجمي من غنى المبتكرات النصية التي تحقق قيمتها على المستوى النصي.

والملاحظ أن المحفزات الجمالية الرؤيوية – في قصائد العجمي- ذات حنكة تشكيلية بارعة وتحولات نسقية ترفع وتيرة الاستثارة واللذة الجمالية في التشكيل، كما في قوله:

"هيا إلى بحري تعالي موجة
وتعمدي للسابحين وصولا
إني اعتنقتُ الحب في مهدي وقد
أصبحتُ للحبِّ الكبير رسولا
عيناكِ آياتُ الجمال وإنها
من ربنا قد أُنزلتْ تنزيلا
أيقنتُ أنك في الحياة منارتي
لما أضاءت بصدري القنديلا
أحسستُ قلبي للحبيبة دوحة
غرستُ بها فوق الوريد نخيلا"(24).

إن قارئ قصائد العجمي يلحظ حنكتها الجمالية، فكل بيت يستثير جمالياً البيت الآخر، ليحقق قيمة جمالية في الارتقاء من مثير تشكيلي انزياحي إلى آخر، كما في الانتقال من صورة إلى صورة (عيناك آيات الجمال)، و غرست بها فوق الوريد نخيلا)، فهذه الصور تخلق إيقاعها الجمالي، ومن هنا فكل صورة في قصائد العجمي تضمر محفزاً رؤيوياً خلاقاً في إنتاج الشعرية، وهذه سمة القصائد الشبكية التي تنطوي على دلالات كثيرة ومداليل عميقة.

وصفوة القول:إن بلاغة المحفزات الرؤيوية – في قصائد العجمي- دليل مهارة لغوية في الانتقال من مثير نصي إلى آخر، وهذا دليل أن الشعرية – عند العجمي- ذات محفزات رؤيوية متنوعة المصادر والمثيرات والمرجعيات الجمالية.

6—محفز جمالي عاطفي

الشعر فاعلية شعورية، كتلة مشاعر وانفعالات محمومة ورؤى محتدمة، والشاعر يعبر عن هذا الاحتدام بالصور العاطفية التي تبث حراك المشاعر ودراميتها بأقل السبل، وأجلها قرباً إلى المتلقي، وهذا يدلنا على أن الشعر فاعلية شعورية يمس الشعور ويرتبط بالذات الشعرية،إذ" يمتاح الشاعر من إيحاءات الكلمة ما يغني تجربته الشعرية، وينتقي من اللغة المفردات التي تتناغم مع موقفه الوجداني وتموجاته النفسية، ذلك أن لكل كلمة نغمها الخاص المتولد عن تتابع الأصوات والمقاطع، وما يميز الشاعر المبدع عن غيره الاهتداء إلى الكلمة التي يقتضيها السياق، بحيث يقرع الأذن جرسها عند التلفظ بها، فتولد عند المستمع أثراً رناناً يتساوق مع الغرض الذي يقصده الشاعر(25).

وهذا يعني أن الشعر فاعلية شعورية تلامس خلجات الروح لتبث ألق المشاعر والانفعالات والأحاسيس، ولهذا يمكن أن نقول عن الشعر: إنه الشعور المنظم، إذ ينظم الشاعر حركة مشاعره بإيقاعات صوتية تظهر على السطح اللغوي، وفق فواصل وارتباطات صوتية تؤكد فاعلية الموقف الشعري، وفاعلية الموقف العاطفي المرتبط به.
ومن يطلع على قصائد وهيب عجمي يدرك أن النص الشعري عنده كتلة من عواطفه وانفعالاته الغزلية الشعورية الصادقة، وهذا دليل أن المصداقية الشعورية عند وهيب عجمي تظهر في نصه بوضوح، فلاينطق العجمي إلا بلغة المشاعر والأحاسيس المرهفة الصادقة ،كما في قوله من قصيدته (صخرة البحر) مايلي:

"ياليتني موجٌ على شطِّ الهوى
ويكونُ في عينِ الحبيبة مسكني
ياليتني عينٌ بصخرةِ روشةٍ
حتى أُصوِّرها بكل تفنن
لتصير في وجهِ السما عينَ السما
وأصوغُ شعري في الحبيبِ المعلنِ
لم تغوني شمسُ الجمال وسحرها
كلُّ الجمالِ أمام نجمك ينحني"(26).

لابد من الإشارة بداية إلى أن شعرية المحفزات العاطفية في قصائد العجمي ترتكز على الحراك الشعوري العاطفي المتوتر، وهاهنا يعكس الشاعر في صوره حرقة شعورية عاطفية محمومة مليئة بالتمني والرغبات الكثيرة، كما في قوله: [ياليتني موجٌ على شط الهوى- كل الجمال أمام نجمك ينحني]، وهكذا، فإن مثيرات الرؤيا الشعرية في قصائد العجمي مثيرات تشكيلية قمة في الدهشة والرقة والاكتشاف الجمالي العاطفي المؤثر.

والملاحظ أن بلاغة المحفزات الجمالية العاطفية – في قصائد العجمي- ترتكز على متحولات الرؤيا العاطفية ومرتكزاتها الفنية، كما في قوله من قصيدة( دموع العناقيد) مايلي:

"كم يصلحُ في عمقِ السما وجعاً
ليولدَ النجمُ في أقصى أقاصيه
وأجملُ الحبِّ حبٌ غابَ عن جسدٍ
يفتشُ الشوقُ عنهُ لا يُدانيه
أشجى البلابلُ من غابت حبيبتهُ
وراحَ يشدو لظاها في أغانيه
ياشاطئ التيه لاتترك مراكبنا
في مرفأ حُطِّمتْ فيه أمانيهِ"(27َ).

إن القارئ هنا أمام كتلة نصية تعبر عن شعور عاطفي متوتر، يعبر من خلاله عن إحساسه الجمالي ورؤاه العاطفية الغزلية المتوترة:[ ياشاطئ التيه لاتترك مراكبنا في مرفأ حُطِّمتْ فيه أمانيه]، وكأن أمنيات الشاعر أمنيات عاطفية متوترة تتوخى الاقتران الرومانسي العاطفي المثير والرضى عن الذات في عالمها الغزلي الآسر،ولهذا تنفتح القصيدة على تأويلات نصية منفتحة تؤكد أن الشعرية كتلة مثيرات ومؤثرات جمالية خلاقة بما تتضمنه من جماليات وأحاسيس نصية مفتوحة.

والواقع أن المحفزات الجمالية العاطفية في قصائد العجمي- محفزات بؤرية خلاقة منتجة للدلالات والمعاني الجديدة، كما في قصيدته (مملكة الهوى):

"دعيني في هواكِ أذوبُ عشقا
فما قلبي بحضن الشوقِ يشقى
يموتُ الناسُ في الدنيا ولكن
رسولُ العشقِ في الأحياءِ يبقى
أغوصُ كما النوارسُ في اصطيادٍ
وانتشلُ النفائس مستحقا
بدنيا العشقِ ما هدأتْ رياحي
تهبُّ فصولها غربا وشرقا"(28).

إن القارئ هنا يتلذذ بجمالية الصور العاطفية الغزلية المحمومة، وكأني العجمي يرسم بريشة تصويرية الصور بدهشة جمالية وحراك أسلوبي متقد على المستوى الفني أو الجمالي، كما في قوله في الأنساق الشعرية التالية:

[يموتُ الناسُ في الدنيا ولكن
رسولُ العشقِ في الأحياءِ يبقى
أغوصُ كما النوارسُ في اصطيادٍ
وانتشلُ النفائس مستحقا]

إن القارئ هنا يتمتع بالصور المثيرة التي تخفي درجة من الاستثارة واللذة الجمالية في النسق الشعري، مما يدلنا على أن الشعرية في قصائد العجمي متوترة عاطفياً تحقق استثارتها الجمالية من حيث لايحتسب، وهكذا تسمو قصائد العجمي بمختلف محفزاتها النصية، وهذا ما يجعل قصائده كتلة متلاحمة من الرؤى والدلالات النصية الجديدة.

وصفوة القول: إن بلاغة المحفزات الجمالية العاطفية- في قصائد العجمي- تؤكد تفاعل الصور العاطفية المحمومة في نسقها لتحقق غايتها الإبداعية الخلاقة بالمتغيرات النصية، وهذا ما يؤكد فنية قصائده على المستوى الفني.

نتائج أخيرة:

1-إن المحفز الجمالي الصوتي- في قصائد العجمي- محفز بنائي استثنائي يقوم على التوليف الجمالي التام بين الأصوات، مما يجعل الأصوات قمة في التفاعل والانسجام لتحقيق غاية جمالية، إذ إن الأصوات تتفاعل فيما بينها محققة قيمة جمالية على مستوى حركة الصور وإيقاعاتها الصوتية التي تزفها قصائد العجمي بين الكلمات والأنساق الشعرية، أي إن المثيرات التشكيلية مثيرات حركية تدلل على بلاغة الأنساق الصوتية وقيمها التفاعلية الآسرة.

2-إن المحفزات الجمالية اللغوية – في قصائد العجمي – محفزات نصية تقوم على بلاغة الانزياحات والخروقات الأسلوبية النصية المبتكرة، مما يجعل الأنساق الشعرية قمة في الفاعلية والاستثارة والتأثير، وهذا دليل أن كل محفز جمالي لغوي يستثير المحفز اللغوي الآخر، لتسمو الشعرية وترتقي درجات من الاستثارة والفاعلية الجمالية.

3-إن المحفزات الجمالية التصويرية – في قصائد العجمي – محفزات تحولية انزياحية،إذ إن كل محفز تصويري جمالي يقتضي المحفز الجمالي التصويري الآخر، مما يجعل النص كتلة متفاعلة من المحفزات التصويرية المتفاعلة التي تشد بعضها البعض لتحقق غايتها الإبداعية، على مستوى التفاعل النصي بين الصور والأنساق الشعرية، وهذا ما يجعل قصائد العجمي قمة في الاستثارة والفاعلية واللذة الجمالية.

4-إن المحفزات الجمالية التشكيلية – في قصائد العجمي- محفزات نصية تآلفية قمة في التفاعل والاستثارة واللذة الجمالية، إذ إن قيمة الشاعر لا تظهر إلا من خلال فاعلية اللغة الشعرية وفاعلية مردودها الجمالي، ولا غرابة أن نلحظ في قصائد العجمي هذا الكم الوافر من الصور العاطفية الغزلية المتوهجة بدلالاتها لأن العجمي يشكل قصائده بجمالية انسيابية قمة في اللذة والتوفز العاطفي المتوتر.

5-إن المحفزات الجمالية التشكيلية – في قصائد العجمي- محفزات رؤيوية خلاقة بمؤشراتها النصية المفتوحة على مستوى حراك الرؤى والدلالات والمؤثرات الشعرية، فكم من القصائد تتلون إيحاءاتها لتحقق فاعليتها القصوى، وهذا يتوقف على شعرية الشاعر وطريقته في خلق النص الشعري المؤثر برؤاه وتقنياته الفنية المفتوحة.

6- إن المحفز الجمالي العاطفي- في قصائد العجمي – يكاد يطغى عليها، لأن الشاعر يكرس الأنساق التفاعلية التي تحقق اللذة والمتعة في تلقيها، ويعد المحفز الجمالي العاطفي من أكثر المحفزات النصية استثارة وفاعلية جمالية، وهذا لن يتأتى دون فاعلية إيحائية في تكريس الدلالات والمعاني والرؤى الشعرية الخلاقة بمؤثراتها الفنية والدلالية المفتوحة.

7-إن المحفزات الشعرية- في قصائد العجمي- محفزات نسقية انبثاقية تفاعلية الرؤى والدلالات والمعاني والرؤى الشعرية، وهذا يعني أن غنى الدلالات وفاعليتها في النسق الشعري تتأتى من بلاغة الانزياحات التشكيلية الرومانسية الحافلة بالدلالات والمعاني الجديدة التي تفرزها قصائده على المستوى الفني.

8- إن شعرية المحفزات الجمالية – في قصائد العجمي- شاعرية في مردودها وتفاعلها النصي، ولهذا يلحظ القارئ انسجاماً واضحاً بين الصور وتوجهاتها الإبداعية ضمن النسق، وهذا يتبع فاعلية الرؤيا الشعرية وفاعلية منتجها الفني الأساس الذي خلق مثل هذه الصورة الانزياحية البليغة في النسق الشعري.

الحواشي:

(1)ترمانيني،خلود،2004-الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص43.
(2) المرجع نفسه،ص43.
(3)مكليش،أرشيبالد،1963- الشعر والتجربة، تر: سلمى خضراء الجيوسي، دار اليقظة العربية، بيروت، ص27.
(4)عجمي،وهيب،2018- وردة العشق، ص114.
(5) المصدر نفسه، ص112.
(6)المصدر نفسه،ص103.
(7) ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص34.
(8)عجمي،وهيب،2018- وردة العشق، ص36-37.
(9)المصدر نفسه،ص102.
(10) المصدر نفسه،ص61.
(11) اليافي، نعيم،1993-أوهاج الحداثة، ص203.
(12) عصفور، جابر،1992- الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، ص383.
(13) عجمي، وهيب،2018- وردة العشق، ص64.
(14) المصدر نفسه، ص61.
(15) المصدر نفسه،ص85.
(16) اليوسفي، محمد لطفي- تجليات في بنية الشعر العربي المعاصر، ص92-93.
(17)هلال، محمد غنيمي،1963- النقد الأدبي الحديث،ص378.
(18) عجمي، وهيب،2018- وردة العشق، ص22.
(19) المصدر نفسه،ص25.
(20) عجمي، وهيب، 2018- نجوم في سمائي، ص21.
(21) عبد الله، محمد حسن(د.ت)- الصورة والبناء الشعري، دار المعارف، القاهرة، ص166.
(22)عجمي،وهيب،2018- وردة العشق،ص49.
(23) المصدر نفسه،ص52.
(24)المصدر نفسه،ص34-35.
(25) ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص72.
(26) عجمي،،وهيب،2018- وردة العشق، ص54-55.
(27) المصدر نفسه، ص30-31.
(28) المصدر نفسه،ص64-65.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى