الثلاثاء ١٠ آب (أغسطس) ٢٠٢١

المرأة الحمامة

صالح البياتي

لأول مرة يظهر الحمام في حينا، راح يحلق حرا، او يحط على اسطح المنازل، إعتاد أهل الحي على رؤية طيور آخرى، كالببغاء الأبيض*، الذي ينتصب عرفه الأصفرعندما يغضب، والغراب الأسود، الذي يشبه صوته بكاء طفل صغير، هذه وغيرها كنا نراها عادة كل يوم، فهي ليست غريبة عن بيئتها الطبيعة، تطير من شجرة الى أخرى، ولكن الحمام شئ آخر، فهو طير مدجن، يربى عادة في البيوت.

تساؤلوا من اين جاء الحمام الى حينا الجديد.

أقيم الحي حديثا، على مساحة ارض كبيرة، كانت في الأصل مزارع، ومن قبل كانت تغطيها اشجار اليوكالبتوس العالية.

كنت من الأوائل الذين سكنوا الحي، أسمع عن الأفاعي الخطرة، ولكن لم ارها، ربما كانت شائعة مغرضة لتخوفينا، نشرها احد عمال المزارع الذي فقد عمله.

في البداية كان للمكان وجهان، وجه يحمل صورة العمران، الزاحف والمقتحم، والأخر صورة مشوهة لانقاض مزارع، مجموعة صغيرة من أبقار تنتظر البيع، ورجل يتجول، يمتطي ظهر حصان، نسمع وقع حوافرة على أسفلت الشارع الممهد قبل الشروع بالبناء، يوقظنا صباحا، كأنه يتوعد البيوت القليلة المشيدة حديثا، بلعنه الأفاعي السامة، التي ستهاجم الحي عند حلول الصيف، كان منظره طريفا، واستمر على استعراضه اليومي، حتى أختفى فجأة، مع إختفاء الأبقار نهائيا.

في الحقيقة تزامن ظهور الحمام مع إنتقال إمرأة عجوز، جاءت لتقيم في الحي مع إبنها الشاب، حدس البعض ان الأبن ربما هاو لتربية الحمام، ومعلوم ان هذا الطير ذكي، يمتلك في مخه جهازا بدقة إبرة البوصلة، فهل يا ترى ان الأبن قبل إنتقالهما، درب حمامة واحدة لتهتدي للمكان، فقادت السرب اليه.. هذا شئ في الحقيقة محض حدس وتخمين، ولم يجزم به أحد، حتى يظهر ما يؤكده او يدحضه، بادر جاريهما على جانبي بيت العجوز، بالقيام بمهمة التجسس عليهما، لكن بحذر، كيلا يتجاوزا حدود الخصوصية، ولكن مهمتهم فشلت، ولم تصل لنتيجة تذكر، لم يشاهدوا قفصا أو حماما او اي شئ له صلة بالحمام.

في صباح اليوم الأول باكرا، خرجت المرأة العجوز تحمل إناء، افرغته عند اصل شجرة يوكالبتوس، على جانب الرصيف، وعادت لتقف امام باب دارها، هبطت ست حمامات رمادية، من أحد المنزلين، الذي يقع منزل العجوز بينهما، وبدأت تلقط الحب، ثم نزلت مجموعة آخرى، إكتمل العدد عشر حمامات كلهن بلون رمادي، ميزت العجوز واحدة من بينهن، كتمت فرحتها في قلبها، كما لو انه سر لا تحب ان تبوح به لأحد.

ظلت تراقبهن حتى طرن وأختفين عن الأنظار، دون أن يلحظ أحد من الجيران شيئا مما حدث.

بدأ جاريها يتذمران من الأوساخ، عندما يستريح الحمام على قرميد السطوح، فإشتكيا عليها عند بلدية المنطقة، بأن حمامها اتلف لون سياراتهم، وقالوا ان البقع البيضاء التي يخلفها على معدن السيارة، أدت الى تغيير لونها، خاصة وأنها كانت سوداء، وطلبوا منها تعويضا، لكن البلدية نصحت بأن يطالبوا شركة التأمين بذلك، باءت كل محاولاتهم بتحميلها مسؤوية الأضرار بالفشل.

اشتروا صقرا ليقوم بمهمة مهاجمة الحمام، ولكن عندما اطلقوه إنهزم في الجولة الأولى أمام الكوكاتوو*، الببغاءالأبيض، ذو المزاج الحاد، الودود جدا مع الحمام، لا يقترب منهن عندما يلتقطن الحب، لأنه يفضل الإنعزال عندما يتناول طعامه بيده. لم تبق لهم حيلة سوى الشركة العقارية، يطلبوا منها ان تطردهما من البيت، ولكن الأبن كان يدفع بدل الأيجار بإنتظام، كما ان التفتيش الروتيني، للإطاع على نظافة المنزل وسلامته، ينتهي عادة بأن كل شئ على ما يرام. أخيرا أشاعوا ان العجوز تمارس السحر، تتسلل ليلا الى الأجمة أمام البيت، وتتحدث مع الوليبو* بلغة الأبورجني، وكانت هذه التهمة محض هراء، كذبتها حقيقة ان المرأة العجوز تكاد ان تكون نصف عمياء، وأنها لا تفقه شيئا من لغة الأبورجني، لأنها ليست منهم في الأصل.

مرت أيام لم تخرج العجوز لتطعم حمامها، فكان الأبن يقوم بذلك قبل ذهابه للعمل. لم يجرأ احد ان يعترضه، فالشاب كان ذو بنية رياضية قوية، موشوم الكتفين والذراعين.

وفي أحد الأيام، بينما كان سرب الحمام يستريح على أحد السطحين، ينتظر الطعام، وقفت سيارة نقل الموتى امام منزل العجوز، لم يسمع أحد صوت بكاء، دخل أربعة رجال ببدلات سوداء، يحملون التابوت الخشبي المصقول والمدهون جيدا، وضعوا المرأة العجوز فيه، أرتاح ظهرها على القماش الأبيض الوثير، وهي بكامل ملابسها، خرجوا وادخلوه في السيارة، وتحركوا ببطء تبعهم الحمام فوقها بإتساق عجيب مع حركتها، اختفت السيارة وسرب الحمام عن الأنظار.

في اليوم التالي كانت هنالك حمامة بيضاء جديدة ضمن سرب الحمام، تقف مع حمامة تحمل حجلا برجلها، خرج الشاب وأفرغ الأناء كما كانت تفعل امه، عند اصل شجرة اليوكالبتوس، وأخذ ينظر بدهشة للحمامتين، كنت بالصدفة هناك، فسألت الشاب عن الحمامة المحجلة، فقال كانت رجلها مكسورة قبل انتقالنا للحي، فإعتنت والدتي بها حتى شفيت، فوضعت هذا الحجل لتميزها، وهي التي قادت السرب الى هنا، فسألته عن الحمامة البيضاء التي لم يرها أحد من قبل، اجابني، صدقني لا أعلم عنها شئيا، لكن شائعة انتشرت بين أهل الحي، ان الحمامة البيضاء هي روح المرأة العجوز، فتحولت المرأة من ساحرة شريرة الى مقدسة في أعين أهل الحي.

صالح البياتي

الببغاء الأبيض الأسترالي، ويسمى الكوكاتوو، يمتاز بعرفه الأصفر الفسفوري.
الوليبي، فصيلة من الكنغر الأسترالي الرمادي اللون، والأصغر حجما.
الأبورجني، هم سكان استراليا الأصليون، منذ اكثر من ستين الف سنة.

صالح البياتي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى