الثلاثاء ١٦ شباط (فبراير) ٢٠٢١
بقلم نوزاد جعدان جعدان

المنشور الأخير

اليوم يزفونني إلى الدنيا الآخرة وكما يقولون دنيا الحق، أنا الآن في تابوتي الخشبي وقد عبّقوني بالمسك أيضا، لا أعلم ما فائدة المسك لشخص ميت، هل الملائكة تشتم رائحة أجسادنا وتبقى المفاضلة على أنه شخص مناسب أم لا بسببب رائحته إذن لا أريد هذه الجنة التي تكون المفاضلة فيها على أساس الرائحة، ها هم يسيرون بي، في الطريق أربعة أشخاص يحملون نعشي على أكتافهم كم كنت أحتاج أكتافهم حين كنت حيا ولكن لا أحد منهم حملني، والآن وأنا ميت يتهافتون على حملي، هل بسبب الجزاء ربما أم فقط حين يكون المرء ميتا يصبح أحلى في عيون محبيه وتصبح كل العيون تترقب تلك اللحظة.

في تابوتي، هناك هاتف محمول أوصيت به صديقي بأن يضعه خلسة في كفني، فتحتُ الهاتف وتصفحتُ صفحتي على الفيس بوك المكتوب عليها إذكروه بحب وكنت قد أوصيت أخي الكبير أن يحولها هكذا فور رحيلي كم من الخاصيات التي وفرها لنا مارك اللعين، تابعت الصفحة وكم كثيرة هي الكتابات عني، وأغلبهم لم يكن يحبونني أو كان بيننا خلاف عن الشعر الحديث والقديم في إحدى الصفحات مكتوب عني الشاعر الجميل يرحل بصمت، فكرت كثيرا بماذا أجيبه إذا رآني حيا، أي صمت يا حمار !...كنت أحتاج إلى صوت بسيط في ظل صمتي المميت، في صفحة أخرى كتبت عني مقالة نقدية كاملة من ناقد معروف كان يعلّق للنساء حتى لو وضعن صورة قضيبب ذكري ولكنه بعمره لم يضع إعجابا لي أو حتى تعليقا وهذا الديناصور الزاحف عاش أكثر مما يعيشوه السياسيون على الرغم من أن الشعراء والنقاد لا يصلون إلى ما يصل إليه السياسيون بأعمارهم.

هاهم يمشون بجنازتي يا الله كم كنت أتوق لهذه الكلمات وأنا حي هكذا يعني أن يكتب أستاذ النقد في الجامعة عنك ويشير إليك بعصاه التي تؤدب أكثر ما تشجع، ها هو ذا يكتب عن السيمياء في شعري يا سلام مقالة طويلة ومكتنزة ولكن ما الفائدة الآن وأنا ميت وهم أنفسهم من كانوا يحبطونني يوم كنت حيا.

صديق آخر كان يستغل عوزي للمال ويضعني كمقدم للحفلات لا ككاتب وأنا كنت أقبل لأُعين أهلي الذين هم في حالة حرب، إذن هو يكتب افتتاحية عني في الصفحة الرئيسة أي جنون هذا حين نكون موتى نصبح أغلى وأغلى.

لم أكن أدري أنني ثمين إلى هذا الحد مع أني سمين، رأيتهم يتصنعون البكاء ويفتعلونه ولكن على ماذا؟.. على شخص لم يعد له وجود.. أي وجودية حمقاء يحملها هؤلاء الباعة، والطريق تبدو طويلة إلى المقبرة كما أهداف الكابتن ماجد، هي هكذا الزمن نسبي يا صديقي أحيانا تقضي في النوم ساعات طويلة ولا تشعر بها وأحيانا خمس دقائق في سجن أحد الطغاة تبدو سنة أو أكثر.

كيف أصبحت هكذا الحياة ثمينة... لو كان لي أن أعود لأحتفي بكل هذا الاحتفاء بمناسبة موتي، مقالات في الصحف وصوري منشورة في كل صفحات التواصل الاجتماعي، لماذا لا نشعر بقيمة الشيء إلا في موته وكأننا لا نعرف قيمة الحيوانات إلا ونحن نأكلها، نعم حيوانات فحياتي عشتها كحيوان نظرات الازدراء التي ينظرون بها إلي على الرغم من أني لم أفعل شيئا لهم سوى أني مختلف عما يكتبون ولا أجامل أحدا، مدير المركز الثقافي علق صورتي على باب المركز ياه كم كنت أحتاج ذلك حين كنت حيا وإحدى الأحياء في وطني تحمل اسمي الآن على الرغم من أنهم تجاهلونني طوال فترة بقائي في هذا العالم.

الجنازة تسير إلى المأوى الأخير وفوج من النساء يكتبن عني، إحداهن تدعي أني كنت حبيبها وأخرى تسرب رسائلي إليها ولكن أكثر ما أستغربت منه أن تحتفي خديجة بصورتي معها على الرغم من أنها ادعت مرارا أننا لا نملك أية صورة مشتركة.... أشعر بأناملي تتحرك أريد أن أكتب شيئا...الوطن والأصدقاء والأقارب ينعوني حتى أولئك الذي تبروا منا ربما أغرتهم صوري التي وضعها جمهور الفيس بوك على بروفايلهم، إذن أي موت مشتهى هذا، أليس جميلا أن ترى نفسك كبيرا وأنت ميت..

يموت الكاتب وتبقى فقط أصابعه تتحرك.. هذا ما يحدث الآن أصابعي تتحرك هي معجزة ربما أن أكتب منشوري الأخير قبل أن يتسابق الناس حولي ويتهافتون على من يريد رمي التراب أولاً علي... إذن خذوا المنشور الأخير الذي سأكتبه على صفحتي على الفيس بوك والذي يعادل كل النصوص التي كتبتها وأيضا يساوي كل الثواب الذي ستجمعونه من رمي التراب علي" ........... فيكم واحد واحد " .. ومن ثم أطفأت هاتفي وخبأته في الكفن وأغمضت عيني لأفكر بالمنشور القادم .......


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى