الثلاثاء ٧ تموز (يوليو) ٢٠٢٦

اَلتَّداولية في الشعر المغربي

صدر عن منشورات دار الشعر بمراكش، كتاب "التداولية في الشعر المغربي" للناقد والباحث الشاب عبدالرحمن أسحلي، وهو الكتاب المتوج بجائزة دار الشعر بمراكش للنقد الشعري، والموجهة للنقاد والباحثين الشباب (دورة 2025)، ويقع في 96 صفحة وتزين غلافه لوحة للفنان والحروفي لحسن فرساوي. وتشير الناقدة والمترجمة والشاعرة دة. ثريا وقاص، عن لجنة تحكيم الجائزة، "حاول كتاب "التداولية في الشعر المغربي" لعبد الرحمان اسحلي أن يقدم إجابة عن سؤال ظل يتردد في أروقة النقد الحديث: هل تستطيع آليات التداولية، المصممة أصلا لتحليل الحوارات اليومية، أن تفك شيفرات الخطاب الشعري المتشعب؟.".

ويمثل هذا الكتاب ("التداولية في الشعر المغربي) لحظة نضج لافت في الكتابة النقدية المغربية الشابة. فالمؤلف، وهو باحث شاب، لم يكتفِ بالاستيراد النظري للمنهج التداولي بل حاول اختباره في الميدان، على نصوص حية تنبض بالهموم والإيحاءات، مما جعل كتابه نموذجا للتوازن بين النظرية والتطبيق. لطالما اتهم النقد العربي بالعقم النظري من جهة، وبالجمود التطبيقي من جهة أخرى. لكن هذا الكتاب يثبت العكس: فهناك جيل جديد من النقاد المغاربة قادر على استيعاب أحدث المناهج الغربية وفي الوقت نفسه قادر على توظيفها في قراءة النصوص العربية.

أما اختيار الباحث لنموذج التطبيق، والمتمثل في المنجز الشعرية للشاعرة الرائدة مليكة العاصمي، والتي ليست مجرد شاعرة مغربية عادية؛ إنها واحدة من الأصوات النسائية القليلة التي استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الشعري المغربي منذ أواسط ستينيات القرن الماضي ونصوصها تجمع بين الهمّ الذاتي والهمّ الجماعي، بين اللغة الموحية والرؤية الناقدة، مما يجعلها ميدانا خصبا للتحليل التداولي. فالتداولية، كما نعرف، تهتم بالسياق والمقاصد والعلاقات التواصلية، وكل هذه العناصر حاضرة بقوة في شعر العاصمي.

الكتاب مقسم إلى فصلين واضحين: فصل نظري يؤصّل لمفهومي التداولية والشعرية، وفصل تطبيقي يحلل نصوص العاصمي والباحث لم يجعل الفصل النظري منفصلا عن التطبيق بل جعله مؤسسا له وممهّدا لآلياته وعندما ينتقل إلى التطبيق، لا ينسى أن يستحضر المفاهيم التي شرحها سابقا ويخلق بالتالي وحدة عضوية جميلة.

أما إشكاليته الأساسية "إمكانية تطبيق التداولية على الشعر رغم طبيعته التخييلية" فليست سهلة ولا هامشية بل إن الباحث قد اختار سؤالا جوهريا يمس أسس المنهج التداولي ثم إن هذه الاشكالية رغم أهميتها لم تحظَ بالدراسة الكافية في المكتبة النقدية العربية وهذا لوحده كاف لجعل هذا الكتاب إضافة حقيقية.

وقد أثبتت الدراسة أن القراءة التداولية تحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى شريك فاعل في إنتاج المعنى من خلال تفعيل آليات التأويل استنادا إلى القرائن والإشارات والافتراضات المسبقة التي يزرعها النص، وهذه النتيجة تنسجم مع توجهات نظرية التلقي، وتؤكد أن المعنى ليس في النص فقط بل يتشكل في تفاعل النص مع قارئه. كما كشفت الدراسة عن أبعاد جديدة في تجربة العاصمي، خاصة في قدرتها على توظيف الاستعارة كأداة نقدية واحتجاجية وفي تعاملها مع قضايا الذات والمجتمع من موقع رافض وناقد، وهذا يكشف أن شعر العاصمي أعمق مما قد يبدو للوهلة الأولى وأنه يستحق دراسات متخصصة أخرى.

لقد أسهمت جائزتي "أحسن قصيدة" و"النقد الشعري"، ومنذ دورتها الأولى، في الكشف على مشتل خصب من الأصوات الإبداعية والنقدية الجديدة، ومنها، من أمسى اليوم، يصيغ لصوته الشعري والنقدي تجربة متفردة في المشهد الثقافي المغربي والعربي، في تأكيد لهذا الرهان الكبير والذي أشرت عليه دار الشعر بمراكش، ومنذ تأسيسها عام 2017، هذا الاختيار الاستراتيجي في الرهان على الطاقات الجديدة، وهو ما يعطي لأفق الشعر والإبداع والنقد المغربي عموما، مرجعيات متعددة تغذي روح مغامرة الكتابة وصياغة الأسئلة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى