السبت ١٤ آذار (مارس) ٢٠٢٠

تجـذر الهــوية وقلــق التجــريب

محمد حسن عبدالله


سرديات صبحي فحماوي نموذجاً

أولاً : الكاتب، والهوية، والتجريب:

أ- الكاتب؛

صبحي فحماوي.. كاتب أديب ولد في فلسطين، ويعيش راهناً في الأردن، ويحمل جنسيتها، مارس فن الكتابة، موظِّفاً ثقافته العلمية ومتجاوزاً معطياتها الثابتة، حصل على بكالوريوس هندسة زراعية من جامعة الإسكندرية، وعلى دبلوم الدراسات العليا في هندسة الحدائق من جامعة لوس أنجلوس– أمريكا عام 1983. وقد أضاف "فحماوي" إلى خبرته العلمية، خبرة عملية، وسلوكية، استمدها من شغفه بالرحلة والسفر إلى جهات العالم، وتنمية علاقاته من خلال معارض الحدائق ومهرجانات الأزهار العالمية، التي يحرص على حضورها، فضلا عن عضويته بعدد من الجماعات والأندية الثقافية في أنحاء الوطن العربي، مما اكسبه (شبكة) من المعارف والأصدقاء، الذين يمكن أن نجد أصداء حضورهم في حياته وتجربته المعاشة في رواياته التي نُعنى بها.

صدرت له سبعة إبداعات في المسرح، وثمان مجموعات قصصية ، ومقالات صحفية كثيرة جداً، ولكن صورته الأدبية استقرت عبر إحدى عشرة رواية تعاقبت على النسق التالي:

رواية (عذبة) دار الفارابي – بيروت – 2005.
رواية (حرمتان ومحرم ) دار الهلال - بمصر– 2007.
رواية (الحب في زمن العولمة) دار الهلال - بمصر – 2008.
رواية (قصة عشق كنعانية) دار الفارابي – بيروت – 2009.
رواية (الإسكندرية 2050) دار الفارابي – بيروت – 2010.
رواية (الأرملة السوداء) دار الهلال – بمصر – 2011.
رواية (على باب الهوى) دار الفارابي – بيروت – 2013.
رواية ( سروال بلقيس) مكتبة كل شيء - حيفا – 2014.
رواية (صديقتي اليهودية) المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – 2015.
رواية (قاع البلد) مكتبة كل شيء – حيفا – 2017.
رواية (اخناتون ونيفرتيتي الكنعانية) الأهلية للطباعة والنشر –بيروت-2020.

وبتأمل تاريخ صدور الطبعات الأولى المشار إليها ندرك مدى نشاط الكاتب، وإيثاره للشكل الروائي، وهذا الإيثار سيبدو بوضوح أكثر حين نتأمل مكونات كل رواية، والعلاقة بين شخصياتها، والقضية التي تشغلهم، أو تشغل الشخصية الرئيسية فيها. هنا سنجد "الهوية" بمثابة المرتكز أو الهدف الذي تسعى مكونات التشكيل الفني إلى جلائه، وإقناع المتلقي به، أو دعوته إليه . وهنا ملاحظة إضافية؛ فقد بدأ نشاطه في النشر بالاعتماد على بيروت، وهي إحدى العواصم الثقافية المهمة عربياً، غير أنه ما لبث أن اتجه إلى القاهرة، ثم (قفز) إلى حيفا، فكأنما كان الفحماوي يحوم حول الحمى، ويختبر إمكاناته الأدبية في مخاطبة بني وطنه الفلسطيني في صميم موقعهم. وبذلك أعطى إيحاءً مهماً بالنسبة للقضية التي نحن بصددها – قضية الهوية- التي تحركت في عدد من الدوائر المتماسة أحياناً، والمتداخلة أحيانا أخرى، كما سنرى في دراستنا التحليلية لهذه القضية .. قضية الهوية، وهي وجه آخر لقضية الانتماء. وقد صدرت عدة دراسات حاولت تعقب إبداعات فحماوي الروائية خاصة، بما يؤكد أن فن الرواية هو الأقوى حضوراً وتأثيراً في جملة ما كتب(1).

(ب) الهُوية..

يختصر "المعجم الوسيط" تعريف هذا المصطلح فلسفياً في قوله:"الهوية: حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره. وتضيف الفلسفة لهذا المصطلح دلالتين على قدر من الاختلاف غالباً، والتداخل أحياناً، حسب المنهج وسياق الطرح. الدلالة الأولى فلسفية، وعن هذه الهوية الفلسفية يقول حسن حنفي : "الهوية موضوع فلسفي بالأصالة، عالجه الفلاسفة المثاليون والوجوديون على حد سواء، المثاليون ميتافيزيقياً، وحولوه إلى قانون "الهُوية". والوجوديون نفسياً منعاً لانقسام الذات على نفسها، ومن ثم إنكار الوجود الإنساني. وقد يصبح عند بعض الفلاسفة القانون الأول في الفكر وفي الوجود ... ويتداخل مفهوم الهوية مع مفهوم الماهية، فالهوية لغوياً أن يكون الشيء هو هو، وليس غيره، وهو قائم على التطابق أو الاتساق في المنطق . والماهية أن يكون الشيء "ما هو" بزيادة حرف الصلة "ما" على الضمير المنفصل "هو" . والمعنى واحد، قد يجعل البعض الماهية أكثر عمقاً من الهُوية"(2)

وقد يأخذ معنى الهوية طابعاً شخصياً ذاتياً محدداً ومباشراً، كما نجد في هذه العبارة:
"الهوية أو الهوية الشخصية هي إحساس الفرد بذاته والذي يحدده مجموعة من السمات الجسمانية والنفسية، وأخرى مستمدة من التفاعل مع الآخرين، ولا تتشابه تلك السمات تشابها تاما أو مطلقا مع سمات أي شخص آخر، وكذلك مجموع الانتماءات(الانتماء العرقي على سبيل المثال) و الأدوار الاجتماعية. وينطوي مفهوم الهوية على معنى الاستمرارية، كشعور الإنسان انه ذات الشخص الذي كان عليه بالأمس رغم التغيرات الجسمانية التي طرأت عليه، و هو الشعور المستمد من إدراك الشخص أن أحاسيسه و صورته و ذكرياته و أهدافه و توقعاته و معتقداته ملك لذاته وحدها(3).

لا نستطيع أن نستبعد هذا المعنى الفسلفي لمصطلح"الهوية"، وبخاصة أننا سنجد له انعكاسات في بعض الروايات التي نُعنى بها، فالهوية إحدى وجهات البحث في الماهية، كما أنها ستجد لها مجالا رحيباً في ملامح هي من أهم خصوصيات بطل الرواية عند فحماوي، وبخاصة حين ترتبط الشخصية بقضية الحرية، وبقضية الاغتراب، وبتوجيه اللاشعور في البحث عن مخرج لحالات الحصار التي يستشعرها (أبطال) روايات فحماوي.

(ج) التجريبية:

التجريب في العلم – كما يقول المعجم الوسيط : اختبار منظم لظاهرة أو ظواهر، يُرد ملاحظتها ملاحظة دقيقة ومنهجية، للكشف عن نتيجة ما، أو تحقيق غرض معين.

وهناك دلالات أخرى لا تنتمي إلى ما نحن بصدده. وفي تأسيس المنهج التجريبي تذكر أسماء الفلاسفة : أوجست كونت، وجون ستيوارت ميل، وهيبوليت تين، وجميعهم من فلاسفة ونقاد القرن التاسع عشر.

وتحرص دائرة المعارف البريطانية على تأكيد العلاقة المؤكدة بين منهج التجريب، ونشأة الأفكار، فكأنما هما: السبب والمسبب، دون أن تتخلى عن البعد الفلسفي في طرح مفهوم التجريب، ونص عبارتها :" التجريبية من منظور الفلسفة مذهب يرى أن الأفكار َمنَشُؤها التجربة، وان الأفكار جميعها تتعلق بأشياء يمكننا أن نخبرها أو قابلة للتطبيق على ما نخبره، كل المعتقدات أو الفرضيات المنطقية التي يقبلها العقل لا يمكن معرفتها أو تعليلها إلا بالتجربة. و يتفق هذا المفهوم العام مع الأصل اليوناني للكلمة empeiria بمعنى خبرة أو تجربة.

وتكون الأفكار "استدلالية" إن كانت قابلة للتطبيق بناء على خبرة، أو "بدهية" إن كان يمكن تطبيقها بمعزل عن الخبرة، وكذلك المعتقدات والفرضيات، قد تكون "استدلالية" إذا أمكن معرفتها بناء على خبرة أو بالدليل التجريبى أو "بدهية" إن لم تستند إلى خبرة. و طبقا لهذا التصور فجميع الأفكار أو المعتقدات و الفرضيات التي يقبلها العقل "استدلالية" و ليست "بدهية"(4).

وخلاصة مقولتهم: أن المعرفة المثمرة هي معرفة الحقائق وحدها، وأن العلوم التجريبية هي التي تمدنا بالمعارف اليقينية، وأن الفكر الإنساني لا يستطيع أن يعتصم من الخطأ – في الفلسفة وفي العلوم – إلا بعكوفه الدائم على التجربة، وبتخليه عن كل أفكاره الذاتية السابقة، وأن الأشياء في ذاتها لا يمكن إدراكها، لأن الفكر لا يستطيع إدراك شيء منها سوى العلاقات، ثم القوانين التي تخضع لها العلاقات(5) غير أن محمد غنيمي هلال يضيف استدراكاً مهماً سيكون مطلوبا في قراءتنا لأعمال فحماوي الروائية بصفة خاصة، إذ يضيف:" لم تقتصر القصة الواقعية والطبيعية على الوقوف عند حدود الوقائع الطبيعية، وتحاشي الأحداث العجيبة، وغير المألوفة. بل أضافت إلى اهتمامها بالطبقات الدنيا والمتوسطة خاصة أخرى، هي كشف جوانب السوء والشر في النفس الإنسانية، فصورت المجتمعات والنفوس المترفة فريسة للفساد، وللغرائز الحيوانية .."(6)

وفي ختام هذا العرض الموجز الكاشف عن أبعاد الكلمات الموجهة لمحتوى هذه الدراسة عن روايات صبحي فحماوي؛ ننبه إلى ملاحظة مستمدة من قراءتنا لمسارات الإبداع الأدبي، واختلاف مدارسه، وأساليبه: فقد لاحظنا وجود نوع من التلازم بين (القلق) عند الفرد أو عند الجماعة، وطرح موضوع الهوية على مائدة البحث العلمي، أو اتخاذها (الهوية) ركيزة لتفسير سلوكيات بعض شخصيات الرواية (البطل غالبا أو دائماً في روايات فحماوي) فإذا كان المعنى السائد والمستقر (ثقافياً) أن الهوية موضوعها (الانتماء) وأنها بتمامها حين يحمل الفرد أو تحمل الجماعة ملامحها الأساسية، وقضاياها التاريخية، وتواجه متغيرات الزمن متمسكة بهذه الملامح وتلك السلوكيات، فإن الأمم المستقرة التي لا تواجه تحديات تهدد كيانها، أو تهجن خصوصيتها، لا تجد ضرورة في طرح هذا الموضوع بمستواه الأدبي، أو الفلسفي خارج قاعات البحث . أما فنون الرواية (والمسرح كذلك) فإنها لا تعطي الهوية الوطنية اهتماماً خاصاً، يمكن أن نتلمس هذا في روايات مثل: تشارلز ديكينز، الذي شغلته قضايا التطور الاجتماعي إلى العصر الصناعي، وما ترتب عليه من الصراع الطبقي ..إلخ. وإذا قرأنا مسرح شكسبير لن نجد فيه أثراً يعرض أو يناقش خصوصيات مجتمعه الإنجليزي، بدعوى أنها مستهدفة ومضيق عليها من مجتمعات أخرى.

أما في إبداعنا العربي الحديث، ربما في مجال الرواية خاصة، سنجد اتجاهات مختلفة في توصيف الهوية، وربطها بأهداف الشخصية أو الشخصيات في رواية بعينها، وفي كتاب "الواقعية في الرواية العربية" عرضت للرواية التاريخية في مصر خاصة، ورصدت اتجاهين متباعدين في محاولة اكتشاف الهوية المصرية ، من خلال الماضي أو تحفيز الاتجاه إليها من خلال الراهن. فبين كُتاب الرواية (التاريخية) من عني بإبراز طبائع العصر الفرعوني، وتمجيدها بعدّها الجذر الحقيقي والصريح (النقي) للمصريين, ومن كُتاب الرواية التاريخية من اتجه إلى التاريخ العربي، ممجداً أحداثه وشخصياته وبطولاته ليكشف عن جذور المجتمع المصري وطبائعه، كما يراه(7) . ومن الملاحظ أن موضوع الفرعونية والعربية كان مطروحاً بقوة في الثلث الثاني من القرن الماضي، حين كانت مصر على مفترق طريق التقدم والصحوة السياسية. أما الآن – في القرن الحادي والعشرين- وإلى هذا العام الذي نعيش، فإن موضوع الهوية لم يعد مطروحاً بين كُتاب مصر ، حتى وإن حاك في بعض الصدور . وهذا ما يقدم لنا دليلاً على أحد دوافع الروائي صبحي فحماوي في الاهتمام بموضوع الهوية، وهذا المنحى التجريبي الذي مارسه في مختلف رواياته، فكما سنرى أن هذه الروايات جميعاً تنتهي إلى محاولة اكتشاف أفق لفلسطين، ولأبناء فلسطين العرب في داخل وطنهم المحتل، وفي دول الشتات التي يعانون ممارسة الحياة فيها دون أن يتخلوا، أو يتغافلوا عن ذكر وطنهم، والانتماء إليه.

وقبل أن نبدأ الرصد والتحليل لتجليات الهوية في روايات فحماوي، نضيف ملاحظتين: الملاحظة الأولى: أننا لن نعرض لروايات فحماوي بترتيب صدورها، لأن طرح الهوية والبحث فيها أو عنها، لم يأخذ شكلاً أو تقسيماً معداً سلفاً، بمعنى أنه لم يفكر فيه بطريقة تجريدية (فيما نتصور) وإنما كان عنصر الحكاية (أو القصة في داخل الرواية) وما تستدعي أو تقوم عليه من شخصيات هو الذي يجلب معه تجليات الهوية، المحكومة بسياق السرد، وطبائع الشخصيات.

الملاحظة الثانية: أن تعدد المستويات، أو الاتجاهات في طرح "الهوية" لا يعني أن الكاتب اختلط عليه الأمر، أو تراجع عن بعض مقولاته، فقد رصد الظاهرة على كافة مستوياتها – زمناً وواقعاً- فهذا التعدد يدخل في نطاق استكمال وسائل الدفاع في القضية الشاغلة للكاتب . ومن دأب الدفاع البحث في الأدلة، والغوص وراء الغامض، وتساند البراهين، واستيعاب الأزمنة.

ثانيا : "الهوية" في مركز الرؤية من الجهات الأربع:

كما عرفنا سابقاً، فإن صبحي فحماوي أنتج حتى الآن إحدى عشرة رواية، تستقل كل منها بنسق التشكيل، وخصوصية الشخصيات، واختلاف المكان، وسياق الزمن وملامحه، ولا يعني هذا خلو هذه الروايات من تكرار بعض المعاني أو المعالم، فهذا متوقع بفعل تسلط بعض الثوابت على فكر الكاتب، وتمازجها بتجربته المباشرة، وحنينه الثابت إليها، ويقينه بقيمتها الرمزية، كما سنرى في مكان آخر (8).

وكما هو مقرر في كلاسيكيات فن الرواية، فإن العناصر الأساسية المكونة لهيكل البناء الفني، تهيمن عليها أربعة : الشخصية، والزمان، والمكان، والحدث، وقد استخدم الكاتب هذه العناصر، محققاً الوفاء للفن الروائي بإشباع أركانه المؤسسة، ومحققاً الجِدة، والابتكار في كل عمل على حدة، فاكتسب شخصيته وإيقاعه (وفلسفته) المميزة، في حين احتفظ كل عمل بنصيبه من طرح الهوية، كما يتراءى للكاتب من منظور الزاوية التي يطل منها على الموضوع الفلسطيني، وهو الشاغل الأساسي، بل الوحيد، والعنصر المشترك بين هذه الروايات الإحدى عشرة. ومن الممكن أن نجد الكاتب (فحماوي) ماثلا في بعض هذه الروايات بملامحه، وطبائعه التي نعرفها، ومن الممكن أن نجد تعديلاً في الصورة، وبخاصة حين تؤدي أدواراً مختلفة، ولكننا غالباً سنلقي بانتباهنا إلى (الآخر) المقابل أو النقيض أو المختلف عن شخصية الراوي/فحماوي الذي نعرفه.

أما هذه الاتجاهات الأربعة التي أطللنا من زواياها على الركيزة (الهوية) فقد صنعها عنصرا الزمان والمكان خاصة، والحدث تابعاً للعنصرين السابقين. ويمكن أن نقول - باختصار- إن عنصر الزمن تحرك بين الماضي السحيق، وتجلياته، والزمن الآتي واحتمالاته. وبالنسبة للمكان؛ اختلفت المواقع محكومة بفعل الزمن ما بين داخل فلسطين، وعلى مشارفها، فهذه أقسام أربعة باستطاعتها أن تتيح رؤية أكثر وضوحاً لمعنى الهوية (الفلسطينية) ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، كما تتراءى للكاتب وتجلت في رواياته (أو بعضها) – كما سنرى في الجزء الثاني من الدراسة.

محمد حسن عبدالله

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى