«تنصيص الذاكرة» للجبوري
بينما تتبوأ الرواية مكانة رياديّة في تمثيل التحوّلات الاجتماعية والنفسية والسياسية مقارنةً بالأجناس الأدبية الأخرى، فإن الذاكرة تُعد أداةً ومستودعاً لحفظ رواسب التجربة وتراكم الخبرة لدى الفرد والجماعة، إذ تمنح الحاضر عمقه التاريخي وتوفّر للمستقبل مادّته التصويرية، والحال كذلك فإن "الذاكرة" تأتي، في رواية «الطوفان الثاني» لفاتح عبدالسلام، لتشغل الحيز السردي الأوسع من هذه الرواية، وتكون النواة السرديّة التي يتولّد منها خطاب النص وتلتقي عندها الدلالات الزمنيّة والمكانيّة معًا.
تلك هي المرجعية التي ينطلق الباحث العراقي عبد العزيز سعدي الجبوري، في كتابه الجديد "تنصيص الذاكرة/ رواية «الطوفان الثاني» لفاتح عبد السلام نموذجًا"، عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026).
وبعد استقراء البنية السردية لرواية «الطوفان الثاني» واستجلاء مساراتها الدلاليّة، يقدم المؤلف "تمهيدًا" للكتاب من محورين، تناولَ الأوّل: الذاكرة مفهوماً وتأصيلاً مستقصياً جذوره المعجمية ومن ثمّ تحولاته الاصطلاحية، وصولاً إلى بيان طرق مقاربتها في العلوم الإنسانية المتعدّدة، بينما تناولَ المحور الثاني: عرض السيرة الإبداعية للروائي العراقي «فاتح عبدالسلام» متوقّفاً عند تجربته الروائية ومسيرته الفكرية.
جاء الفصل الأول تحت عنوان «الذاكرة التاريخية» ليكشف آلية استحضار الماضي وتداعياته بوصفه حقلاً تراكمياً تمتزج فيه الحقائق مع الخيال، وقد اشتمل هذا الفصل على مبحثين، جاء الأوّل بعنوان «ذاكرة الحرب» ليتقصّى تمثّلات الأحداث الكبرى، وبيان أثرها على الوعي الجمعي للمجتمعات، وتضمّن هذا المبحث مقاربة حربين شكّلتا جزءاً غير قليل من المتن السردي لهذه الرواية، الأولى هي «الحرب العالمية الثانية»، والثانية هي «الحرب العراقية الإيرانية»، حيث جسّدت هاتان الحربان صور المآسي الكبيرة، واستنزاف الطاقات البشرية آنذاك، أمّا المبحث الثاني فقد جاء بعنوان «ذاكرة الاحتلال» ليركّز على مرحلتين متعاقبتين أصابتا المجتمع العراقي، الأولى هي مرحلة «الحصار الاقتصادي على العراق»، والثانية هي «الاحتلال الأمريكي على العراق»، ليبرهن هذا الفصل كيف أنّ رواية «الطوفان الثاني» قد جعلت من «الذاكرة» أداةً جمالية ودلالية معاً، لتكشف عن بنية العنف السائدة في موضوعي المبحثين.
أما الفصل الثاني، فقد جاء بعنوان «ذاكرة الموروث الشعبي الروائي» بوصفه خزاناً رمزياً لثقافة وقيمة الموروث الشعبي العراقي، فتوزّع هذا الفصل على أربعة مباحث مترابطة، جاء الأوّل بعنوان «المعتقدات الشعبية» ليتّبعَ هذا المبحث حضور الطقوس والشعائر المقدّسة في متن الرواية، أما الثاني فبعنوان «العادات والتقاليد» ليركّز على منظومة الأعراف الاجتماعية، محلّلاً دورها في تنظيم التفاعلات بين الأجيال، وقد جاء المبحث الثالث بعنوان «العلاقات الاجتماعية» ليدرس شبكة التفاعل التي تربط الشخصيات -من الأسرة، والجيرة، والصداقة-، موضّحاً كيف يُعيد السرد إنتاج هذه العلاقات في ظلّ صدمات الحرب، في حين جاء المبحث الرابع تحت عنوان «المهن الشعبية» ليتناولَ المهن التي قاربتها الرواية، مثل: «الخياطة»، و«حفر القبور»، و«غسل الموتى»، كاشفاً عن هدف الرواية من توظيف هذه المهن في تجسيد ذاكرة الحصار والحروب التي أدّت إلى تآكل البنى الاجتماعية.
جاء الفصل الثالث بعنوان «ذاكرة الزمكان الروائي» ليجعلَ من الزمان والمكان وعاءً لصيرورة «الذاكرة»، وقد تفرّع هذا الفصل إلى مبحثين متداخلين، يتكامل فيهما البعد الزمني والمكاني، فكانَ الأوّل بعنوان «المفارقة الزمنية، الاسترجاع نموذجاً»، ليركّزَ على أنماط الاسترجاع في الرواية، وهي: «الخارجي، والداخلي، والمزجي»، مظهرةً أنّ إدراك الحاضر لا يتحقّق إلا عبر فهم الماضي واستدعائه بوصفه قوّة تفسيرية، في حين جاء المبحث الثاني بعنوان «ذاكرة المكان الروائي الوصفي» ليشمل ثلاثة أنماط من الوصف المكاني وهي: «الوصف التصنيفي في مقابل الوصف التعبيري، والبسيط في مقابل المركب، والذاتي في مقابل الموضوعي»، ليتّضح عبر هذه التفرّعات إمكانية هذه الرواية في جعل المكان ذاكرة حيّة، تنطق بخراب الحرب وتجربة المنفى، وغيرها من الصور السردية التي وظّفتها هذه الرواية.
ويخلص المؤلّف إلى أنّ الذاكرة في رواية «الطوفان الثاني» شكّلت المحرّك المركزي للسرد، إذ نجحت في احتواء الأحداث وتوليد دلالاتها السياسية والاجتماعية، عبر شخصيات تعيش حاضرها بوعيٍ مثقل بالماضي. وقد برز هذا التفاعل بوضوح في شخصيتي «كمال» و«سالي»، حيث تحوّلت الذاكرة إلى بؤرة حيّة تستعيد الوطن والطفولة والمكان، وتمنح السرد طاقته الحيوية وعمقه الإنساني.
كما كشفت الرواية عن تباين جمالي بين أنماط الذاكرة؛ فذاكرة «سالي» جاءت ذاتيةً عاطفيةً مشدودة إلى الألم العائلي، بينما اتخذت ذاكرة «كمال» و«إدريس» طابعًا جمعيًّا يوثّق المعاناة التاريخية. وفي موازاة ذلك، حضرت الذاكرة الشعبية بوصفها خزّان الهوية، عاكسةً المعتقدات والعادات والعلاقات والمهن، بما يكشف تحوّلات المجتمع العراقي بين التماسك والتآكل تحت ضغط التحولات السياسية.
أما على مستوى البناء الفني، فقد تجلّت جدلية الزمان والمكان في «ذاكرة الزمكان» بوصفها صراعًا دائمًا بين المنفى والانتماء، عزّزته تقنيات الاسترجاع والوصف المكاني. وقد أسهم تنوّع مستويات الوصف والزمن في تعميق التجربة السردية، لتغدو الرواية نصًا غنيًا بالتقانات، يعيد تشكيل الماضي بوصفه ذاكرة نابضة لا تكفّ عن إعادة كتابة ذاتها.
