الأحد ٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٠

ثرثرة عن حقول الشَّاي في مرتفعات ريزا

خالد بريه

في الطريقِ إلى مدينةِ ريزا، غمرني شعورٌ بالحنين، بدت لي المدينة كأنها تعرفني، ثمة إحساس بعمقِ الصلة بيننا، كنتُ كلما يممتُ إلى الموطنِ الأول، تتزاحمُ المشاعر في داخلي، كمن قدمَ من مكانٍ بعيدٍ يتعهدُ مراتعَ الصِّبا والنشأة الأولى!

في مرتفعات ريزا وجبالها الشاهقة تمَّ اللقاء المنتظَر بين عاشِقين، في منتصفِ الحقول الممتدة كانَ العناقُ الخالد، كنت أمتعُ ناظري في هيبةِ المكان، المكان الذي احتضنَ ماء الحياة العذب، ثم نثره بكلِّ كرمٍ إلى باقي الدنيا!

في حقول الشَّاي المغروسة في شواهقِ مرتفعات ريزا، رأيتني ممتنًا للحظة التي قذفت بي إلى هذه المرابِع، رأيتُ بأم قلبي مبتدأ الجمال كيفَ يتشكلُ ويظهرُ إلى الحياة، ليكون أنيسًا لكلِّ من وقعَ في شراكِ العشقِ الكبير! رأيتُ الحقول كأنها تحييني، تحدثني، فمتى دلَّ الشيء على معنى في قرارةِ نفسك، فقد أخبرَ عنه وإن كان صامتًا!

في الكوخ العتيق المطل على حقولِ الشاي في ريزا، كانت المرة الأولى التي أشربُ فيها الشاي، وكأنني مريدٌ مطْرقٌ في حضرةِ مولاه، كانت خواطر متداخلة، متدافعة، تأخذني إلى حيوات موغلةٍ في البعد، ومعان تقفُ قبالة روحي، خلقت من الدهشة الأولى!
بدوتُ كأني أشربُ الشَّاي لأول مرة في حياتي، كان المذاق مختلفًا، تشابهت الأسماء وحدها، أما المضمونُ فمغاير للمعهود في الذهن والكَيْف! الشاي في أعلى مرتفعات ريزا، أشبه بمن يشربُش خمرًا في الجنة، لا كخمرِ الدنيا، وإن اتحدا في الاسم، لكنَّ البونَ بينهما واسعٌ وعظيم!

لوهلةٍ تذكرتُ أنَّ قدومي إلى "حقول الشاي"، والدهشة الأولى التي اعترتني، يشبه إلى حدٍّ كبير، قدوم "موحِّد" جديد من ديارٍ نائيةٍ إلى مهوى الأرواح في مكَّةَ والمدينة، فهناك مهبط الوحي، وهنا مهبط الإلهام!
كنتُ أنظر بشغفٍ إلى كلِّ مكانٍ تمتدُّ إليه العين، كما ينظرونَ بشغفٍ إلى البيتِ الأول، المكان الأول، الأرض التي شهدت قصة الانبعاث الكبير.. وكذلك كنتُ، أوزع ناظري في "مكانِ النشأة الأولى"، لمن منحنا شيئًا من الجمالِ نأنسُ به من وحشة الأيام، ونحتسيه كواجبٍ مقدس لا مفرَّ من الانفكاك عنه!

تركتُ نفسي تتوه في الحقولِ الممتدة، رأيتُ روحي تحلقُ بخفةٍ لترتوي من مادةِ البقاء، البقاء على قيدِ الضياء. كان الهواء يومها برائحةِ الشاي، وكذا السَّماء بدت لي وكأنها ورقة شاي تغطي الحقول النائمة كحارسٍ أمين، كل شيء في تلك البقعة استقى حظًّا من سِحر الحقول، ولا يشقىٰ الجليسُ بجليسه!

الكوخ الذي شربتُ فيه الشاي في مرتفعاتِ ريزا، كان ممثلًا لكل البهاء الظاهر في ذلكم المكان، أحضرت إلينا الشاي فتاة ترى في عينيها لمعانه المذهِّب، أو هكذا بدت لي! كانت عابرة كالبرق، لكنَّ وجهها يشرقُ أبدًا في الذَّاكرة!

رفيقي في طريق العبور إلى ريزا، تمنى لو كان شاعرًا ليخلد تلكَ اللحظات، ليتسنى له إيقاف الزمن عن الحركة. لكني لمحتُ قصيدةً تسري في عينيه وابتسامة شفتيه، وذلك أضعف الإيمان في التعبير عن ضجيجِ الحب الذي يأمل في الخروجِ من عمقِ المعنى!

في مراتٍ عديدة، أشعر أني شديد النزوع لأن أمضي الحياة بحقيبةٍ على الظهر، تاركًا ما ورائي يهترئ كما يشاء. أشذِّبُ حقول الشاي العظيم، وأحوطها كما تحوطني، ومن مساربها الضيقة يتراءى لي ضوء القمر منسكبًا على الجدول والطريق، ثم أمضي وحيدًا أشربُ الشاي، مأخوذًا بضوءِ القمر ولذةِ الشَّراب!

سلامٌ على الشاي، وعلى كل جميل يحبُّ الشاي، وعلى كل لحظة يوضع فيها الشاي ويُرفع، وكل يوم يمضي بلا شاي لا يعوَّلُ عليه!

بعد قدحِ الشَّاي الرابع أو الخامس، ومالتِ الشمس للمغيب، خُيل إلي أنَّ رفيقي يأخذني من تلابيبي للعودةِ وتوديع المكان قبيل هبوط الظلام.. مضيتُ، فكأني سمعتُ الحقول من خلفي تتحدثُ بنغمةِ بكاء.

خالد بريه

مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى