السبت ٢٥ حزيران (يونيو) ٢٠٢٢
بقلم هيثم نافل والي

حامض حلو

لم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على الكمال

أبو الطيب المتنبي

يؤمن طارق بشكل كبير بأنه هو بالذات عليه أن يكون التغير الذي يطلبه في العالم! من هنا تبدأ الحكاية؛ عندما قرر أن يجرب شرب الكحول لأول مرة في حياته. كيف تم إقناع نفسه بذلك؟ لا أحد يعرف ولا أقرب الناس إليه صديق عمره باسم. وعندما روى له ما حدث بعد شربه، وما حسه وما عاناه لم يصدق باسم أذنه! فهو يعرف طارق كما يعرف راحة يديه ومع ذلك جلس على رصيف الشارع دون وعي وبدأ يضحك ببلاهة غير متوقعة رغم الرعب الذي شعر يتسربل من تحت جلده بأسى على ما فعله صديقه بنفسه بقوة كادت تصل حد الإكراه!..

هكذا بدأ يسرد طارق رحلته مع أول كأس يشربه وصديقه يستمع إليه كالمسحور وفي عينيه حزن لا يضاهيه إلا البؤس على حال صاحبه الذي يعتبره أغلى ما في حياته:

قررت في لحظة مجنونه أن أكون العاقل الوحيد في العالم! أقصد، أن أعي وأفهم وأعيش الواقع الذي لا نعرفه إلا في أحلامنا، وعندما توصلت إلى تلك القناعة مع نفسي دخلت أول خمارة أمامي صدمتني كحجر عثرت به فدخلت وطلبت ما كنت قد صممت عليه وأنا أشعر بأني فجأة أصبحت لزجاً مثل الزيت! لا أعرف كيف أصف لك ما أحسسته وقتها؛ وجدت نفسي بعد الكأس الأول مصدوماً، أعني، لم يحدث لي أي شيء مما توقعته. بقيت مذهولاً أعاني الدهشة وكأني أمشي في بطن حوت! وما قرأت عنه وحاولت أن أجمعه من معلومات حول الشخص المبتدئ الذي يجرب شرب الكحول لأول مرة كان مغايراً تماماً لما حصل لي.. كنت طبيعياً جداً وكأني شربت شاياً أسود.. لكن، وحاول أن يمط كلمته الأخيرة لتبدو أكثر طولاً ليصلب انتباه صديقه باسم لما هو آتٍ، قال:

 ركز معي واسمع ما سأرويه لك جيداً:

بعد أن أكثرت من الشرب( مقاطعاً نفسه ) لا تسألني عن عدد الكؤوس التي شربتها لأني أجهل عددها، ثم أكمل حديثه الناري مباغتاً دون أن يلتقط أنفاسه وبدنه يهتز كطائرة أصابتها السحب بالسعال، وصوته متحشرجاً كحنفية ماء تقرقر وتنقط وكأن ثعبان يصلّ بداخلها:

نهضت من مكاني كالملدوغ، تذكرت بأن هناك دعوة عمل مهمة علي حضورها في آخر المساء؛ ارتعب داخلي، جف حلقي، خفت، نعم، شعرت بالخوف من المواجهة، ولكني كنت في حالة غير طبيعية، أعني، أشعر بأني عاقل جداً، وممن حولي هم المجانين، شعرت بالزهو، بالانتصار، وهذا الخليط المتناقض هزني، تراقصت معدتي، شعرت بحرقة تلهب داخلي، تموجت أحشائي مثل شفاه زنجية وهي تضحك! وفي ذات الوقت كنت أشعر بأني منتفخ بالفرح! بل أحسست ولأول مرة بأني رجل مريض بالحياة! كيف وصلني ذلك لا تفسير منطقي عندي. غمرتني سعادة كتلك التي تترنم بها سيرافين* وبعد أن عدت إلى الشارع وعيت كشخص انتهى للتو من تمثيل دور الزوجة المطلقة في فلم صامت! لم أكن أعرف كيف أتصرف وأنا على هذا الحال الغريب الجديد ودعوة رئيس عملي تنتظرني، لمت نفسي على تهاوني، وربما رعوتني، حاولت الاتصال بك وقتها خجلت من نفسي ومن مواجهتك، قررت من غير وعي بأن أذهب لأقرب صيدلي أشرح له مأساتي وما ينتظرني كي أخفف ما أعاني منه وأحضر دعوة زملاء العمل دون أن يصيبني مكروه أو إحراج، ثم عدلت عن الفكرة، وجدتها لا تقل غباءً مما فعلته بنفسي، وأنا مازلت في طريقي متوجهاً إلى قاعة الاجتماع..

دخلت بحذر واحتراس، لم أجامل أحدهم، بقيت طوال الوقت ساكتاً حاضراً دون مشاركة تحسب لي، انتهى الاجتماع على خير وأعطيت ساقي للريح قافلاً إلى بيتي لا أنوي غير النوم بغية لقاءك فيما بعد لأحدثك عما عشته والتجربة التي مررت بها، كانت أقل ما أصفها، بأنها خالية من الذوق، نحفت كالكذبة لفعلتي التي لم أجن منها غير القلق والألم والحلم المنسي غير اللذيذ..

* سيرافين: مخلوقات ملائكية ذات ثلاث أزواج من الأجنحة تحوم حول عرش الله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى