الاثنين ١٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦
بقلم حسن الشيخ

راعية الغنم

رأتهما يحدقان بها بكره بريء وقد أسندا ظهريهما على صخرة ناتئة في كف الصحراء المتجعد. أخذت عصاها الطويلة، وتوكأت عليها حتى نهضت، وهي تتمتم بشيء غير واضح، كأنه دعاء مقدس كي يحميها من شرورهما. الصحراء تمتد وتتسع بحدود تنبئ بالوحشة والضجر. بينما اعشوشب المرعى المقفر فجأة.. وأفرد جناحيه إلى فضاء أعلى دون سقف. تحركت أضواء القمر النهاري بين جوانحها.. فأضحت تصطاخ إلى عاصفة هوجاء في داخلها، وتلهث بأنفاس حيرى، سريعة، لافحة، ودبت في أطرافها رعشة خفيفة.

هشّت الأغنام المتناثرة على كف الصحراء، بينما راح جمل من بعيد يشم الأرض الندية ببقايا المطر، وسمعت الأعشاب تهمهم للرمل بحكاياتها الطويلة وأيادي الغروب الحمراء، تدنو شيئاً فشيئاً تظلل قطيعها الصغير، ثم ارتمت باسترخاء لذيذ في الجهة الأخرى من السفح.

الولدان الصغيران ما زالا يحدقان بها من بعيد.

كانا يبدوان كشابين، كعمودين من الضياء، نادتهما لكنهما لم يجيباها.. ظلا صامتين. حاولت الابتعاد عنهما.. راح أحدهما يقضم الأعشاب البرية بشراهة مخيفة. واشتغل الآخر بالتطلع إلى القمر.. الذي استقر عند أول الأفق.

الصعود.. والهبوط من هذا الجبل.. رحلة شتاء تدمي قدميها الحافيتين. وتأكل من أيامها التي دخلت دهليزاً طويلاً مظلماً دون نهاية. من هنا تختفي القرية، ويتمطى الحزن في أعماقها.. راقصاً رقصة غجرية صاخبة. لا بد لها الآن من الهبوط إلى القرية. وستعاود الصعود في الغد القريب.. هكذا ببلادة متناهية.

داهمها النعاس، فأسندت ظهرها تحت ظل شجرة البلوط الوحيدة في هذا المرعى، لا تزال متيقظة.. وإن كان النعاس يطرق أجفانها ببطء ودعة.

تقدم الشابان.. حتى وقفا على رأسها. لم يتكلما.. لكنها تدرك أنها في اليقظة دنوا منها. كطفلين ظمئين منذ أيام عديدة. حاولت إبعادهما.. لكنها لم تستطع.

وشيئاً فشيئاً.. جلست على كف الصحراء وتمددت.. اغرورقت عيناها بدمعتين ساخنتين، لم تكن متأكدة هذه المرة.. من أنهما دمعتا فرح قادم، أم حزن دفين. إلا أنها واثقة من أنها دموع من أجفان تحجرت.. كيف تسربت الدموع من هذا الغدير الناضب. تحرك شيء في أعماقها.. نما بعنف.. وأطل كالبحر من بعيد.. كموجه الصاخب.. ثم بدأ يرتفع بهدوء، ارتفع حتى صافح القمر وتوحد معه، بينما صمت عميق يخيم على المكان.

قهقهت (طفلان.. إنهما طفلاي اللذان فقدتهما). لكنها لم تتذكر فيما إذا كان ذلك حلماً أم حقيقة.

عدّت أغنامها.. أغنام العمدة.

إنها مسؤولة عن رعيها.. منذ الصباح حتى مغيب الشمس، في المراعي الغنية بالعشب وبالماء.

كم عددها.. لا بد من عدها قبل العودة وبعد العودة. فقد إحداها يعني ضياعها هي.
إنها بدوية. والصحراء كف قرأت أسراره منذ زمن بعيد. لذلك فهي خازنة الأسرار المجهولة. خفايا البدويات الراعيات في المرعى، وخفايا بيت العمدة الكبير، وطلاسم القرية الصغيرة عند سفح الجبل.

سألها المسافر بلهجة أنهكها الترحال:

  أين الطريق المؤدي إلى كهف النور؟

قالت بعد تردد وصمت قصير:

  إن الذاهب إلى هناك يا ولدي لا يرجع.. اجلس واسمع لحكايتي.
 
ترجل المسافر من على دابته، وجلس على صخرة صغيرة قبالتها.. ولم يتكلم.

 اسمع.. كان في السفح الآخر شاب وسيم، عرف ابنة العمدة.. وأراد أن يتزوجها. فاشترط العمدة بيضاً ملوناً بألوان قزح من كهف النور مهراً لابنته الوحيدة. فسافر الشاب إلى هناك.. لكنه لم يعد منذ سنوات بعيدة.

 هل هو ابنك؟

 إنه ابن الصحراء.. كان يومها يمكن أن يكون زوجي.. إلا أنه صار ابني فيما بعد.

 لمن هذه الأغنام؟

 إنها أغنام العمدة.. أنظر إلى هذين الشابين.. هل تراهما؟

 أي شابين.. أنا لا أرى شيئاً.

تركها ورحل.. بينما ظلت واجمة. نادته من بعيد قف.. قف قليلاً.. واسمع.
توقف. والتفت منصتاً إليها فقالت:

  في ذلك الكهف قاعة كبيرة.. مستطيلة الأبعاد. ستدخل إليها من بابها الشرقي، وستشاهد آلاف الناس، الآلاف ممن يرتدون الثياب البيضاء. فلا تحادث أحداً منهم.. وإن فعلت فإنهم لن يجيبوك لأنهم صامتون.. لا تخف فلن تجد لهؤلاء أفواهاً وأسناناً وألسنة. سينظرون إليك بتعجب مريب لأنك دخلت مملكتهم، قاعتهم.. المضاءة بقناديل دون سلاسل تعلق منها. وفي أركان كهفهم هذا.. هناك أركان مظلمة، شديدة الظلمة.. فسر إلى هناك بحذر، ستجد تماثيل منحوتة. رؤوسها حيوانات فاغرة أفواهها، وفي أسفل منها ترقد فتيات صغيرات، جميلات كالأقمار الطوالع.. إسأل إحداهن عن مبتغاك وستدلك عليه.. خذه وانصرف خارجاً.

إحذر يا ولدي أن تلمس شيئاً هناك.. واحذر أن تلتفت عندما تهم بالخروج من كهف النور هذا.

فتحت عيناها.. تثاءبت فلم تجد المسافر. سألت نفسها (هل مر أحد من هنا. أم أن النعاس غلب علي.) لم تكن واثقة. إلا أنها لمحت شبحاً من بعيد لرجل يعتلي دابته. وقفت مذعورة.. فالوقت بدا متأخراً، ولا بد من العودة للقرية.. فهي ليست سوى راعية غنم اعتصرتها الأيام والهموم. تذكرت عزيزها الغائب.. والليالي الباردة حينما كان يتناول فنجان القهوة، متدفئاً بالنار الكسولة. كان يرتجف لا برداً بل خوفاً.. أو بهما معاً.. لكنها تهدئه، وتقويه.. سيحضر مهر الحبيبة الغالية.. لكنه سار من هنا يوماً ما ولم يرجع. قالت له (إن حبيبتك عشاقها كثيرون.. وطالبوا يديها كثيرون أيضاً).
قال مبتسماً:

 إنها ستزف إلينا جميعاً إنها أمنا. فدعيني أرحل لإحضار مهرها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى