الثلاثاء ٢١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٠
بقلم جميل السلحوت

رواية «أصل وفصل» والبحث عن اسباب الهزيمة

تفتتح الأديبة سحر خليفة روايتها"أصل وفصل بمقولة باسكال" لا تقولوا لم أقل شيئا جديدا، أسلوب ترتيب العناصر هو الجديد" فما هو الجديد الذي أتت به أديبتنا في روايتها هذه؟

فأديبتنا التي ركزت في رواياتها السابقة على الواقع الاجتماعي، واقع معاناة شعبنا تحت الاحتلال، ومعاناة ونضالات المرأة في مجتمعها الذكوري، تعود بنا في روايتها هذه الى أسباب الهزيمة، فالهزيمة والاحتلال ليسا قدرا ربانيا، بل هي نتائج لمقدمات أدّت الى ما نحن عليه، وفي عودتها الى الأصل كأني بها تسخر من الذين يتغنون بأمجاد الماضي، ونسوا الحاضر والمستقبل، تغنوا بأمجاد وبطولات كان لها دور في التاريخ، لكنها اندثرت في التاريخ نفسه بما أعقبها من هزائم وويلات، فالأصل كما جاء في الرواية يعود الى قحطان، المشتق اسمه من القحط والجدب والجوع والحرمان، لكن الجد قحطان"صار من العليّة والأعيان، كان يعتصر الفلاحين، ويذيق البدو من مرّ الأهوال، فأسماه الناس الشيخ قاحط"ص23 وهذه إشارة كبيرة الى دور الاقطاعيين في سلب الناس أرزاقهم، وتجويعهم واذلالهم، وتطاول الاقطاعيون في البنيان، وباعوا أنفسهم للشيطان في سبيل الحصول على المال، وكانوا العصا التي استعملها الغزاة في قمع الشعب، وسهلوا الطريق للمهاجرين اليهود بطرق شتى منها بيع الأرض والعقارات.

فكانت لنا "ممالك" تنافست فيما بينها وتنافس من يزعمون انتسابهم الى الأصول العريقة على خدمة الأعداء، فكان ما كان من هزائم لم يَنْدَ لها جبين العربان.
أما الفصل فقد كان الخلل الاجتماعي على الساحة الفلسطينية واضح جدا في الرواية، فسحر خليفة لم تكتب لنا تأريخا لمرحلة ما قبل النكبة، لكنها استفادت من التأريخ الشفوي، والتاريخ الأدبي، والتأريخ الذي كتب لاحقا عن تلك المرحلة، مرحلة زمن الرواية الذي امتد من فترة نهاية الحرب الكونية الأولى الى نهايات عقد الثلاثينات من القرن العشرين.

فالجد الأكبر الذي يتحمل المسؤولية عن رهط من العائلة كان لصا يلبس ثياب الورع والتقوى، فخان الأمانة، وسرق أموال الأرملة وأطفالها...وألقيت مسؤولية اعالة الأيتام على عاتق والدتهم زكية التي عملت خياطة، وعلى عاتق الابن الأكبر"وحيد" الذي ترك المدرسة للمساعدة في إعالة اخوته، وعندما عاد الخال أخو زكية من السعودية بعد وفاة زوجته السعودية التي ساعدته في عمل ثروة كبيرة، عاد للسكن في حيفا حيث اشتغل في التجارة، واشترى اسطولا تجاريا استعمل لتهريب المهاجرين اليهود، وتهريب الأسلحة لهم، وزوج ابنه رشاد من وداد ابنة شقيقته، كما زوج ابنته رشا من وحيد ابن شقيقته ايضا، كان زواجا غير متكافئ، فرشاد نشأ نشأة غير سوية، نشأ على الملذات ومعاقرة الخمور، وتعاطي المخدرات ومصاحبة المومسات في الحانات، وشقيقته رشا فتاة ساذجة لثغاء لا تملك من المقومات سوى ما يشتريه لها والدها من الجواهر، وليسكن الجميع في حيفا مع الخال الثري، لكنهم لم يلبثوا أن عادوا الى نابلس مدينة التقاليد المحافظة، لذا فقد فشلت الزيجتان-زواج رشاد من وحيدة التي تركته بعدما رأت انجذابه لليهودية آستر، واهماله لها في "صولاته" في الحانات، فعادت وحيدة"حاملا الى بيت أمها، وزواج وحيد من رشا بعدما رأى فساد تجارة خاله، ورأى تهريب المهاجرين اليهود، وتهريب الأسلحة لهم على سفن خاله وصهرة-، فانضم الى المقاومة بقيادة الشيخ القسام...في حين أن شقيقه أمين واصل تعليمه وعمل في الصحافة، ونتيجة لتعليمه فقد كان لا يأخذ الأمور على علاتها، بل كان يناقش ويحتد، ويستطيع تمييز الصواب والخطأ، لذا فانه عارض زواج شقيقته وداد من رشاد ابن خاله، وزواج شقيقه وحيد من رشا ابنة خاله ايضا.

ومما جاء في الرواية أن ثورة القسام اعتمدت على الجهد الفردي للشيخ القسام وللشباب الذي استطاع تجنيدهم، وعبأهم بالعقيدة ومفهوم الجهاد والشهادة، لكن ثورة القسام انتهت باستشهاده، وما رافق ذلك من زيادة القمع والقتل التي مارسها البريطانيون واليهود، مما دفع الشعب الى اعلان الاضراب الشهير عام 1936 والذي اشتركت فيه مختلف فئات الشعب، وتعطلت فيه الحياة العامة، مما زاد نسبة الفقر، غير أن التنافس بين القيادات والأحزاب التي لم تكن مصالحها مع الاضراب، سهلت على الأنظمة العربية توجيه ندائها لانهاء الاضراب اعتمادا على نوايا "الصديقة" بريطانيا، مما أدى الى اجهاض الاضراب الذي وصل درجة العصيان المدني.

أما علية القوم في القدس، فقد كان شغلهم الشاغل هو المنافسة على تحقيق نفوذ عائلي، وتذيل كثيرون منهم للحاكم البريطاني، وسعوا الى الحصول على مكاسب شخصية، فكانوا يسهرون ويرقصون ويسكرون مع الحاكم البريطاني، حتى أن رئيس البلدية ترك زوجته واتخذ بريطانية عشيقة له، في حين أن النساء هن من تظاهرن احتجاجا على الهجرات اليهودية، وكان دور بارز للبريطانية"ليزا" التي كانت تجيد اللغة العربية، وتتعاطف مع الشعب الفلسطيني، وتسعى الى النهوض بالمرأة الفلسطينية من خلال حثها على التعليم، وحثها على ممارسة العمل، وحتى تَعلُّم مهنة تعتاش منها، لذا فان وداد عندما هربت من حيفا، من زوجها رشاد المنحرف، عادت الى القدس...الى ليزا وطلبت منها أن تبقى عندها، دون أخذ ما يترتب على ذلك من أمور لا تحمد عقباها....أما الشيخ القسام فكان يجمع الشباب، ويعبئهم بروح المقاومة، ويدربهم على السلاح،

وينمي فيهم روح ثقافة الشهادة.

لقد كان الفقر والجهل هما السائدان، والاقطاع كان متحالفا مع رأس المال اليهودي والحاكم البريطاني، وكان الاقطاعيون يستغلون الفلاحين ويذلونهم، والمرأة كانت مهمشة كليا ،بل لم يكن لها أيّ اعتبار، مع أنها قد يكون لها دور لا يمكن تجاهله، مثل عمل زكية في الخياطة لإعالة أطفالها الأيتام، وتعلم وداد مهنة التمريض، لكن هذا الدور كان مسكوتا عنه، وكان الصراع داخليا، فالناس مشتتون، ومن كانوا من المفترض أن يتخذوا دور القيادة الرائدة، كانوا يبحثون عن مصالحهم الشخصية، ويتذيلون للحاكم البريطاني الذي كان يعمل على تنفيذ وعد بلفور، واقامة وطن قومي لليهود، في حين أن اليهود كانوا يعرفون ماذا يريدون، ويخططون بشكل مدروس وممنهج، ويرفضون أيّ تعايش أو حياة مشتركة بين اليهود والفلسطينيين، فالمليونير اليهودي خضوري أقام كلية"خضوري" في طولكرم للعرب، وكلية زراعية لليهود في كريات طابور، من أجل النهوض بالزراعة وتطويرها وتنميتها، بينما رفض بن غوريون ووايزمن أقامة كلية تمريض مشتركة ممولة من اليهودية الأمريكية"روزا".

وكان الشباب اليهودي يتعلم في المدارس والجامعات، ويتعلم فنون الرياضة والجودو والكراتيه والسباحة، بينما كان الجهل والأمية من نصيب الشباب العربي، وكانت البنات اليهوديات يعشن في مساواة مع الشباب اليهودي، في كافة مجالات الحياة، بما فيها السباحة في البحر، والتدرب على السلاح وغيره، بينماكانت المرأة الفلسطينية محرومة من كل شيء.

وقد لفت الانتباه"الزيبق" ذلك الشاب الجامح المتمرد، غير المنضبط ، والذي قاتل في احراش يعبد في المعركة التي استشهد فيها الشيخ القسام، وأصيب فيها وحيد بجراح، واستطاعا الانسحاب من المعركة غير المتكافئة، فهل رمزت الكاتبة بـ"الزيبق" الى "أبي جلدة" ذلك البطل الشعبي، الذي اتخذ من واد الحرامية في الطريق ما بين القدس ونابلس مسرحا لتنفيذ عملياته، واستطاع وزميله"العرميط" أن يلحقا بالانجليز خسائر فادحة؟ لكن الشعب تعامل معهما كقطاع طرق.

اللغة والأسلوب:

استعملت الكاتبة لغة انسيابية بسيطة، طعمتها باللهجة المحكية، لتخدم السرد المعروف في الفن الروائي والحكائي والقصصي في روايتها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى