الثلاثاء ٩ شباط (فبراير) ٢٠٢١
الدهشة الجمالية في ديوان
بقلم عصام شرتح

«سيعود من بلد بعيد» لمحمد الشحات

الشعر فن والشاعر الحقيقي فنان باللغة والصورة والتشكيل والإيقاع، ولاتأتي فنية الشعرية إلا باجتماع تلك العناصر التي تحقق قيمتها في الانتقال من رؤية إلى رؤية، ومن دلالة إلى دلالة، ومن فكر إبداعي تنشيطي استبطاني للرؤى والدلالات والمعاني السطحية، ولهذا فن الشعر يعد الفن المراوغ دائماً بأساليبه ورؤاه ومؤثراته النصية الخلاقة بالدلالات والمعاني الشعرية الني تثبت إيقاعها ومصدرها الجمالي.

ومن أجل هذا فإن تلقي الشعر كفن فإن من مستوجبات استثارته تحقيق الدهشة الجمالية في تلقي هذا الفن بمتغيراته الجمالية وبناه الخلاقة، ومن هنا، فإن الوعي الجمالي الإبداعي التشكيلي وعي خلاق بالدلالات والمعاني الجديدة.

تعد الدهشة الجمالية مثار الفن أو مثار التفاعل الجمالي في تلقي النص الشعري، لاسيما إذا أدركنا أن مصدر الجماليات يعود إلى حسن الصياغة والتوليف والتركيب الشعري، فالقيمة في الشعر تتأسس على مغريات التشكيل الجمالي في تلقي النص الشعري، وهذا يعني أن مهارة الشاعر الإبداعية تتوقف على حياكة الأنساق الشعرية، وتحميلها من الدلالات مالم تحتمل، ووفق هذا التصور، فغن غنى الشعرية يتأسس على حراك الرؤى والدلالات الجديدة، ولا غنى للشعرية عن مظاهر استثارة الفن الجمالي في تلقي النص الشعري.

والواقع أن شعرية النسق أو الصورة تتأتى من حراك البنى الشعرية التي تنقل القارئ من أسلوب البسيط إلى أسلوب التلقي الجمالي الخلاق، وهذا يدلنا على أن الفكر الجمالي المبدع يحتاج إلى حساسية واعية في استغراق الدلالات والبنى الشعرية، ومن هنا يمكن القول: إن الدهشة الجمالية تستطيع أن تحرك القارئ إلى تلقي النص الشعري بخصوصية إبداعية نشطة تؤكد أن الشاعر المبدع قادر بشكل لافت على تحريك القارئ بالأسلوب الجمالي الذي يحرك الشعرية.

وبتقديرنا: إن مصدر الحساسية الجمالية هو مصدر خصوبة الدلالات، ومحفزاتها النصية، و بمقدار بلاغة الشاعر في توليف الأنساق الشعرية في قصائده يسهم في تحقيق الدهشة الجمالية في تلقي النص الشعري، ومن هذا المنطلق، فإن الحياكة الجمالية، والدهشة الإبداعية هي التي تثير النص الشعري، وترفع درجة شعريته ،وقيمته الفنية.

ومن يطلع على البنية التركيبية لقصائد ديوان (سيعود من بعيد) لمحمد الشحات يلحظ أن البنية السردية الوصفية الشائقة من مؤثراتها الفنية التي تجمع كل مثيرات الرشاقة والخفة في الانتقال من صورة إلى صورة، ومن رؤية إلى رؤية، مما يدلل على أن الكفاءة الشعرية كفاءة عاطفيية شعورية تعتمد حراك المشاعر والدلالات ولهفة الكلمات الانسيابية في وصف الحالة الاغترابية الحزينة بعلاقته بأسرته، وولده في بلاد الغربة، فهي مدونة شعرية في كشف حنينه ولهفته لوالده في بلاد الاغتراب، إذ يسترجع زمناً طفولياً عاشه ولده وتربى في أحضانه ردحاً من الزمن، صور لنا الشاعر المواقف الطفولية بلهفة وحنين لاسترجاع الأزمنة والذكريات الماضية والتشبث بها، وكأن الشاعر يصور تاريخه العاطفي الوجداني من خلال استحضاره لشخصية والده في النص وإحساس الأبوة الذي يرافق الصور باستثارة ورؤية جمالية،كما في قوله:

" وإذا ما أمسيتَ
تدبُّ بأطرافك
كي تأخذ كلَّ الدفء
وتخرجني من سلطان النوم
لتغفو وتغط طويلاً
فأظلُّ أحاولُ أن أغفو
فأراكَ وقد فزت بكل الأحلام
فأحاولُ أن أبحث عما سقط
وحين يجيءُ الصبحُ
تهمُّ
كأنكَ ممتلئ صحواً"(1).

إن القارئ يتحثث اللذة الجمالية الوصفية في الانتقال من نسق لغوي إلى آخر، مما يدلل على شعرية فاعلة في استثارة الدلالات والمعاني الشعرية، فالانتقال من صورة وصفية اغترابية إلى صورة وصفية اغترابية يظهر بداعة ورشاقة هذه الانتقالات التصويرية الآسرة، فالقيمة الجمالية بين الأنساق تستحوذ على قيمها من خلال هذه الرشاقة الأسلوبية التي تدلل على بلاغة الكشف النصي الشعوري وسلاسة الانتقال من شعور عاطفي إلى آخر، ليشتغل الشاعر ديوانه على فاعلية الكشف الشعوري الاغترابي عن الذات والحنين إلى الوطن واللهفة في التعامل مع المواضيع التي تخص الاسرة من علاقة الآباء بالأبناء وكشف الحنو العاطفي واللهفة في بث الحالة الشعورية بكل حرقتها واغترابها وأساها العميق.

والواقع أن التشكيلات اللغوية التي تثيرها قصائد الشحات تجمع بين التشكيلات البسيطة التي تتوخى أعلى مستويات الوضوح في مدلولها والتشكيلات الاستعارية التي تحقق إيقاعها من خلال التناغم الجمالي الآسر على مستوى الدلالات والرؤى الشعرية. وهذا يعني أن الفكر الجمالي – عند الشحات- فكر تأملي استبطاني إيحائي شاعري الرؤية والمحفزات النصية، تبعاً للمثير الجمالي في تشكيلها وتحليقها بالقارئ ليحقق الاستثارة واللذة الجمالية.

ومن يتأمل في قصائد الديوان على المستوى الفني أو الجمالي يلحظ أن الشاعر يتخفف من لغة الصور المتراكمة ليستعيض عنها بلغة الكشف السردي الشعوري المحتدم، فتتلاقى الصور العاطفية مع فاعلية السرد الوصفي ليصور الحالة الشعورية بكل رهافتها وعمقها ، كما في قوله:

ورأيتُ عيوناً تسكننُ حولك
أفراخً حمامٍ تأكلُ من كفيك
وتمر بيدكَ عليها
فتعزُّ وتنطلقُ بعيداً
تبحثُ كحمامةٍ نوح
تبحثُ عن أرضٍ تسكنها
وتعود لتخبركَ بطلعِ الأرض"(2).

إن القارئ يلحظ الخفة والرشاقة في الانتقال من صورة إلى صورة، ومن مشهد شعري إلى مشهد شعري مؤثر يترك أثره في مخيلة القارئ أكبر فترة ممكنة من الزمن، وهذا يعني أن انتقالات الشاعر الأسلوبية من مقوم أسلوبي إلى آخر، يجعل النص الشعري قمة في الاستعلاء والاستثارة الجمالية، وهذا يعني أن بلاغة الانتقال من صورة مرهفة إلى صورة مرهفة تجعل تحولات الشعرية قمة في الاستثارة والبلاغة والشعرية، وهذا يؤكد أن التحولات الأسلوبية في القصيدة تحولات بيئية استرجاعية تجعل من النص قيمة جمالية استثارية مباغتة؛ تحرك الشعرية من العمق، من عمق التحولات الإسنادية وحراكها الرؤيوي العميق,
والملاحظ أن تحولات الشعرية في قصائد ديوان (سيعود من زمن بعيد) تحولات استرجاعية بنائية تسترجع الأزمنة الماضية لتحرك الدراما الشعورية المأزومة بالصور الاغترابية التي تبث ألق الحالة وتوقها المؤثر، إذ إن الانتقال من صورة سردية إلى صورة وصفية ، وبالعكس يجعل النص الشعري قمة في المكاشفة والاستثارة والشعرية، كما في قوله:

آه،
واختبأتُ
لكي أداري غيرتي
وتركت ملمسها
على أطراف كفي
ورميتها بعيونِ شوقٍ
آه،
ما أقسى مدارات اشتياقي
كلما لامستُ وجهكِ
وانفطرتُ محبة
ونزعتُ من نبراتِ حنجرتي
حبالَ الصوتِ
كيما لا أحيطك خلسة
بمزاهر الكلمات"(3)

إن القارئ يلحظ المتعة الجمالية في الانتقال من صورة إلى صورة، لإبراز مشاعره الاغترابية التي تحقق قيمتها الجمالية، فما أجمل هذه الالتفاته أو الشذرة التصويرية التي تعكس حركتها الاغترابية المؤثرة:[ ونزعت من نبرات حنجرتي/ حبال الصوت]، فهذا الانزياح التشكيلي يخلق إيقاعها الجمالي من خلال الانزياحات الجمالية الخلاقة التي تشكل الكلمة والكلمة، والجملة والجملة، مما يجعل الشعرية متوهجة في إيحاءاتها، فالانتقال الجمالي الآسر، من صورة إلى صورة، والتحول الخلاق من لقطة تصويرية إلى لقطة تصويرية أخرى تجعل االشعرية في قصائد هذا الديوان حافلة بالصور الاغترابية الشعورية المأزومة التي تنقل القارئ إلى عاطفة الأبوة الحنونة والعلاقة الإيجابية بين الآباء والأبناء، ليخلق جواً جمالياً يستثير الشعرية من العمق.
واللافت أن تحولات الشعرية في قصائد ديوان (سيعود من زمن بعيد) تتأسس على فاعلية الصور العاطفية المشبوبة بالشوق والحنين والغربة المريرة، كما في الانتقالات التصويرية المفاجئة من صورة إلى صورة، كما في قوله:

"كيفَ رسمتِ بعينيكِ ملايين الأشياء
ونفخت بطين الأرض
فصنعتُ قناديلاً
وبيوتاً
وزرعتُ زهوراً وسنابل"(4).

هنا، نلحظ فاعلية الصور بالأسئلة التحفيزية التي تباغت القارئ بالصور المثيرة التي تحرك الشعرية من العمق، فالقارئ هنا يلحظ الدهشة الجمالية في الإسناد من خلال بلاغة الأنساق التصويرية التي تحرك الشعرية بقوة متحولها الجمالي من صورة إلى صورة، كما في الأنساق التالية:[ فصنعتُ قناديلاً وبيوتاً وزرعتُ زهوراً وسنابل]، وهكذا يؤسس الشاعر مغريات هذه الصور على بث الحالة الاغترابية بأسى شعوري عميق ومثيراتها التشكيلية التي تخلق إيقاعها الجمالي ومتحولها الشعوري المثير.

وهكذا، تتأسس المثيرات النصية الجمالية من خلال فاعلية الرؤى الشعرية التي تستثير الرؤية الشعرية من خلال بلاغة الصور ومحفزاتها النصية، وهذا يدلنا على أن الشعرية ذات قيمة مثيرة تنقل القارئ من مثير جمالي إلى آخر، وهذا يدلنا على أن الشعرية ذات قيمة فاعلية في تحفيز الرؤية النصية التي تباغت القارئ بالتشكيلات النصية المراوغة التي تخفي درجة من الفاعلية واللذة في تلقيها.

وصفوة القول:

إن الشعرية – في قصائد محمد الشحات- تتأسس على المثيرات التشكيلية التي تباغت القارئ من خلال الانتقال الجمالي من رؤية جمالية إلى رؤية جمالية أخرى، ووفق هذا التصور، فإن الانتقال من مثير تشكيلي إلى آخر، يجعل قصائد الشحات غنية بمؤثراتها النصية وتراكم الحالات الشعورية الاغترابية المحمومة ، مما يجعل الشعرية في قصائده بليغة في تحفيز استثارتها وخلق متغيرها الجمالي، ومن هنا يمكن القول: إن فاعلية الرؤية الشعرية في قصائد الشحات تباغت القارئ بمؤثراتها التشكيلية وبناها العميقة، من خلال السطح اللغوي الذي يظهره على مستوى العلائق التصويرية المشكلة لبناها.

ونخلص أخيراً من دراستنا النصية للبنية الجمالية العلائقية لقصائد الشحات (سيعيد من بلد بعيد) إلى النتائج التالية:

1-إن فاعلية الرؤيا الجمالية – في قصائد الشحات- تخفي لهفة جمالية إلى خلق صور شعرية عاطفية محمومة برؤاها ودلالاتها النصية، وهذا يعني أن انتقال الشحات بين الصور انتقال رشيق يفعل الصور الشعرية ويكسر رتابة السرد الشاعري الممطوط، ليأتي التراكم السردي والتمطيط علامة بنائية فارقة في شعريتها.

2-إن تحولات السرد الوصفي – في قصائد الشحات- تحولات جمالية بنائية،إذ إن السرد رغم تمطيطه وإطنابه يأتي شعرياً لأنه مهندس بدلالات وإيحاءات ورؤى اغترابية مأزومة.

3-إن البنية التشكيلية العلائقية – في قصائد الشحات- بنى شعرية لاهبة بدلالاتها ورؤاها التشكيلية، فكل صورة تشكيلية تخلق إيقاعها النصي المراوغ ،ودلالاتها الإسنادية المرتكزة إلى جمالية الوصف السردي وتشعير الحالة الشعورية بكامل تفاصيلها ورؤاها الجزئية.

4-إن الحنكة التشكيلية والمهارة الانتقالية بين الأنساق الشعرية في قصائد الشحات دليل فكر جمالي إبداعي في تشكيلها، فهو ينوع الصور، ويخلق بلاغتها النصية الآسرة من خلال بداعة التشكيل الجمالي والحنكة في الانتقال من مثير جمالي تشكيلي إلى آخر.

5- إن بلاغة التراكم السردي في بعض السياقات يدلل على كثافة الرؤى الاغترابية في كشف دراما المشاعر المتوترة في قصائده، مما يؤكد أن الشعرية – عند الشحات – شعرية حرفنة مبدعة واقتناص البلاغة الشاعرية المرهفة حتى في قمة السرد القصصي الوصفي الشائق للأحداث والرؤى الشعرية.

6- إن الدهشة الجمالية – في قصائده- دليل احتفاء جمالي في التشكيلات الصادمة التي تخلق دهشتها من سهولتها ورشاقتها وهذا دليل أن البساطة والرشاقة في الانتقال تعدد من حداثة القصيدة وتطورها، وهذا يكسر قاعدة الحداثة التي كانت تتلذذ بالغموض والتعقيد ليحقق الشحات شعريته بالبساطة والرشاقة والخفة الجمالية في الانتقال بين الصور السردية والوصفية والعاطفية المشبوبة بالاغتراب والترسيم الشعوري المأزوم.

7-إن الوعي الجمالي التشكيلي – في قصائد الشحات- وعي إبداعي خلاق بالدلالات المثيرات والانفتاح على دراما المشاهد المتحولة، وهذا يعني أن شعريته تتلذذ السهولة والرشاقة والوصف السردي الشائق، وهذه قيمة جمالية تضاف إلى شعرية الشحات في هذا الديوان على المستوى الإبداعي.

8- إن جمالية الفكر الجمالي في تركيب الجمل الشعرية عند الشحات من محفزات الاستثارة الجمالية التي تباغت القارئ بالشكل الأسلوبي الخلاق والدلالات المراوغة.

9- إن الوعي الجمالي في توليف الجمل السردية والوصفية واستثارة الدلالات من محفزات استثارتها النصية، وهذا يتفق مع بلاغة الأنساق التشكيلية وموحياتها النصية الخلاقة بالدلالات والمعاني الشعرية، فالقيمة التي تتأسس عليها قصائد (سيعود من زمن بعيد) تتأتى من حراك البنى الدالة، وهذا يدلنا إلى أن الشعرية عند العجمي شعرية استثارات نصية تحرك الشعرية من العمق.

10-إن اللهفة الاغترابية تغلب على قصائد الديوان، ليأتي الاغتراب من محفزات الرؤية النصية التي تحرك الشعرية وتستعلي بقيمها الجمالية الخلاقة بالدلالات والمعاني الجديدة.

الحواشي:

الشحات، محمد،2019- سيعود من بعيد، دار الأدهم، مصر، ط1، ص15.
المصدر نفسه، ص51.
المصدر نفسه، ص5-6.
المصدر نفسه، ص58


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى