الثلاثاء ١٦ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٤

صراعُ الأضدادِ – الشّجاعةُ والجُبن

سأتناولُ في هذا المقالِ الشَّجاعةَ والجُبْنَ من منظورِ اللّغة، ثمّ أحلّقُ في فضاء فلسفةِ الأدب والفكر نثراً وشعراً، محلّلاً وموضّحاً ومعلّقاً مع ربطِ تلك المفاهيمِ بالواقع حتّى أستطيعَ إشباعَ نهمي في البحثِ والكتابةِ والتّحليل.

الشّجاعة والجبنُ في اللّغة:

الشَّجَاعَة: قُوَّةٌ وَجُرْأَة، وشِدَّةُ القَلْبِ عِنْدَ اليَأْسِ، ورَبَاطَةُ الجَأْشِ، مصدرُ شجُعَ، قوّةٌ معنويّةٌ تمكِّنُ الإنسانَ من مقاومةِ المِحَن، ومجابهةِ الخَطرِ أو الألم، وتدفعُه إلى العملِ بحزمٍ. وفي الفلسفةِ والتّصوُّف: هي إحدى أمّهاتِ الفضائلِ الأربعةِ عند أفلاطون، وهي الحكمةُ والشّجاعةُ والعفّةُ والعدالةُ.

والشُّجاعُ ضِدُّ البخيلِ؛ لأنَّ البخيلَ يَضنُّ بمالِه، والشُّجاعُ يجوُد بنفسِه، كما قال القائلُ:

كم بَيْنَ قـــــومٍ إنَّمــا نفَقَاتُهم
مالٌ وقومٌ يُنفِقُون نُفوسَا

أمّا الجبنُ فمن الفعلِ جَبَنَ، جبَنَ يَجبُنُ، جُبْناً، فهو جَبَانٌ، جَبَنَ: تَهَيَّبَ الإِقْدَامَ على ما لا يَنْبَغِي أَنْ يُخافَ، جبُنَ يَجبُنُ، جُبْناً وجَبانةً، فهو جَبَانٌ، جَبُنَ الرَّجُلُ: ضَعُفَتْ قُدُرَاتُهُ، خَافَ، هَابَ، كَانَ جَبَاناً.

الشّجاعةُ والجبنُ في النّثر:

يرى ابنُ خلدونَ أنّ أهلَ البدوِ أقربُ إلى الشّجاعة من أهلِ الحضر، والسّببُ في ذلك أنَّ أهلَ الحضر ألقَوا جنوبَهم على مِهادِ الرّاحةِ والدَّعةِ وانغمسُوا في النّعيم والتّرف ووكّلوا أمرَهم في المدافعةِ عن أموالِهم وأنفسِهم إلى واليهم. وأستطيعُ أن أضيفَ إلى البدوِ أهلَ القُرى والرّيفِ الجبليّ ولا سيَما أولئكَ الّذين يُقيمون بين الرّوابي والتّلالِ والوديان؛ لأنّهم بحُكم تعايشِهم مع الطّبيعةِ القاسية في مناخِها وأهوالِها المحيطةِ اكتسبُوا شجاعةً وقسوةً في مقاومةِ الأخطارِ المحيطةِ بهم.
والشّجاعةُ لا تُعرفُ إلّا في الحربِ كما لا يُعرفُ الكريمُ إلّا عند الحاجةِ، والحليمُ عند الغضبِ، كما قال لقمانُ الحكيم: "ثلاثةٌ لا يُعرفون إلّا في ثلاثةٍ: الشّجاعُ في الحربِ والكريمُ في الحاجةِ والحليمُ عند الغضب". لكنّني أرى أنّ الشّجاعةَ لا تقتصرُ على الحرب، وإنّما ثمّةَ شجاعةٌ في الكلمةِ لا تقلُّ أهمّيّةً عن شجاعةِ الحرب، وثمّةَ شجاعةٌ في السّلم تُضاهي شجاعةَ الحرب، كما أنّ شجاعةَ النّقدِ البنَّاء ليست أقلَّ أهمّيّة منها، ولا ننسى شجاعةَ المواجهةِ الفكريّة مع المفاهيمِ والموروثاتِ الّتي عفا عليها الزّمنُ وأضحَت عقبةً كأداءَ في تقدُّم الأممِ والحضاراتِ، ولا يُمكنُ أن نُغفِلَ شجاعةَ الاعتذارِ عمّا جنَتْه ألسنتُنا ومواقفُنا من أخطاءٍ وعثراتٍ، ومهما عدَّدْنا أنواعَ الشّجاعةِ فلا يُمكنُنا أن نحيطَ بها.

وحينَما يتحلّى الإنسانُ بالشّجاعةِ فيقتحمُ الأهوالَ ويخوضُ غمارَ المعارك غيرَ آبهٍ بالموتِ تُوهبُ له الحياةُ، كما قال أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه لخالدِ بنِ الوليدِ: (احرِصْ على الموتِ تُوهَبْ لك الحياةُ). وحين تتعزّزُ في النّفس فلسفةُ المتنبّي في نظرتِه إلى الموت، يدركُ أنّ الموتَ واحدٌ، فطعمُ الموتِ مرٌّ إن في ساحاتِ العزّةِ والشّرفِ أو بين براقعِ الذّلِّ والخذلانِ والعار:

فطَعمُ المـــــــوتِ في أمرٍ حقيرٍ
كطَعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ

ولا شكّ في أنَّ الجبنَ والشّجاعةَ غرائزُ في البشر، وتتجلّى هذه الغريزةُ في رجلٍ يقاتلُ عن أناسٍ لا يعرفُهم ويدافعُ عن حقوقِهم ويناصرُهم وينتصرُ لهم، وترى الجبانَ يفرُّ عن مناصرةِ أبيهِ وأمّه، كما عبّر عن ذلك الخليفةُ العادلُ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه: (الجُبنُ والشَّجاعةُ غرائزُ في النَّاسِ، تلقى الرَّجُلَ يقاتِلُ عمَّن لا يَعرِفُ، وتلقى الرَّجُلَ يَفِرُّ عن أبيه!) وفي قولٍ آخرَ: "والجرأةُ والجُبْنُ غرائزُ يضَعُها اللهُ حيثُ شاء، فالجبانُ يَفِرُّ عن أبيه وأمِّه، والجريءُ يقاتِلُ عمَّا لا يؤوبُ به إلى رَحلِه).
وقريبٌ من مقولةِ عمرَ في المعنى قولُ ابنِ القَيِّمِ: (الجُبنُ والشَّجاعةُ غرائزُ وأخلاقٌ؛ فالجبانُ يَفِرُّ عن عِرسِه (العِرْس: الزّوج أو الزّوجة)، والشُّجاعُ يقاتِلُ عمَّن لا يعرِفُه، كما قال الشَّاعِرُ:

يفرُّ جبانُ القــــــــــومِ عـن عِرسِ نَفسِه
ويَحمي شُجاعُ القومِ مَن لا يُناسِبُه

ويرى ابنُ القيّم أنّ الشّجاعةَ وقايةٌ للرّجلِ من المكارهِ، أمّا الجبنُ فهو سلاحٌ يمنحُه الجبانُ لعدوّهِ ليُحاربَه به: "الشَّجاعةُ جُنَّةٌ للرَّجُلِ من المكارِهِ، والجُبنُ إعانةٌ منه لعَدُوِّه على نفسِه، فهو جندٌ وسلاحٌ يعطيهِ عدوَّهُ ليحاربَه به، وقد قالتِ العرَبُ:

(الشَّجاعةُ وقايةٌ، والجبنُ مَقتَلةٌ)".

والشّجاعةُ والسَّخاءُ أخَوانِ؛ لأنّ الشّجاعةَ جودٌ بالنّفس، والسّخاءَ جودٌ بالمال، فمَن لم يجُدْ بمالِه لن يجودَ بنفسِه، كما عبّر عن ذلك الإمامُ الذَّهبيُّ: (الشَّجاعةُ والسَّخاءُ أخوانِ، فمَن لم يَجُدْ بمالِه فلن يجودَ بنَفسِه).

وتتجلّى الشّجاعةُ في أبهى معانيها في موقفِ شيخِ الرّجولةِ والبطولة عمرَ المختار حين حكَمَ القاضي عليهِ بالإعدام، فقهقَهَ عمرُ بكلِّ شجاعةٍ قائلاً: (الحكمُ حكمُ اللهِ لا حكمُكم المزيَّفُ).

ويدعونا الشّاعرُ البغداديُّ ابن نُباتةَ السّعديّ إلى اقتحامِ الموت وعدمِ الجبنِ والحرصِ على الحياة، وقد نُسِبَ هذا القولُ لغيره "اقتحِمُوا الموتَ، فر بَّ جريءٍ كُتبَت له السّلامةُ، ور بَّ جبانٍ لقي حتفَه في مكمنِه".

وقد نُسِب قولٌ آخرُ للشّاعر ابنِ نُباتةَ في كثيرٍ من المواقعِ الإلكترونيّة الّتي تهتمُّ بالأقوالِ والحكم والأمثال، وهو بعيدٌ عن الصّحّةِ لتناقضِ ذكرِ الرّصاصِ مع تاريخِ صناعتِه، وربّما نُسب إليه خطأً أو جهلاً كما نُسب الكثيرُ من الأقوالِ والأشعار إلى غيرِ قائليها، لكنّني آثرتُ ذكرَ هذا القولِ لأهمّيّتِه في الشّجاعة: "لا داعيَ للخوفِ من صوتِ الرّصاص.. فالرّصاصةُ التي تقتلُك لن تسمعَ صوتَها".

ومن أبشعِ صورِ الجبنِ جبنُ صاحبِ البيتِ الّذي لا يستطيعُ حمايةَ بيتِه من لصٍّ جريء، كما عبّر عن ذلك محمّد الغزالي: "إذا كان صاحبُ البيتِ جباناً واللّصُّ جريئاً فالبيتُ ضائعٌ لا محالة". فما بالُكم إذا كان ربُّ البيتِ الكبير لصّاً جريئاً على أموالِ شعبِه ودمائهم، جباناً أمام أعدائِه يدّعي البطولةَ والذّودَ عن حياضِ الوطن، وكلَّ يومٍ تنهالُ على رأسِه العِصيُّ ويحتفظُ بحقِّ الرّدِّ إلى أجلٍ غيرِ مسمّى، فينطبقُ عليه قولُ جرير:

زَعَم الفَرَزْدَقُ أن سَيقتُلُ مِرْبعاً
أبْشِــــــــرْ بطــــولِ سَــــــــــلامةٍ يا مِرْبــــــــعُ

وترتسمُ معالمُ عبقريّةِ الفكر في قولِ مؤلّفِ العبقريّاتِ عبّاس محمود العقَّاد حينَما يبيّنُ قيمةَ الشّجاعةِ والكرمِ والحزنِ في ميزانِ الفؤادِ الإنسانيّ، قائلاً: "ظنُّوا أنّ النّبيَّ لا يحزنُ، كما ظنَّ قومٌ أنّ الشّجاعَ لا يخافُ ولا يحبُّ الحياةَ، وأنّ الكريمَ لا يعرفُ قيمةَ المال. ولكنّ القلبَ الّذي لا يعرفُ قيمةَ المال لا فضلَ له في الكرمِ، والقلبَ الّذي لا يخافُ لا فضلَ له في الشّجاعة، والقلبَ الّذي لا يحزنُ لا فضلَ له في الصّبر. إنّما الفضلُ في الحزنِ والغلبةِ عليه، وفي الخوفِ والسُّموّ عليه، وفي معرفةِ المال والإيثارِ عليه".

وقد نوّهتُ آنفاً إلى شجاعةِ الاعتذار الّتي لا تقلُّ في أهمّيّتها عن شجاعةِ ساحاتِ الوغى، ففي كلماتِها جهادُ النّفسِ في سويّةِ الأدبِ والسّلوك والتّعاملِ مع الآخرين، سواءٌ في ذلك الرّجالُ والنّساء، وهذا ما نجدُه في قولِ الكاتبة أحلام مستغانمي: "ابتعِدي عن رجلٍ لا يملكُ شجاعةَ الاعتذار، حتّى لا تفقدي يوماً احترامَ نفسِك، وأنتِ تغفرين له إهاناتٍ وأخطاءً في حقّكِ، لا يرى لزومَ الاعتذارِ عنها، سيزدادُ تكراراً لها واحتقاراً لكِ".

ونوَّهتُ كذلك إلى شجاعةِ القولِ ولا سيما إذا كانت كلمةَ حقٍّ في وجه الظُّلمِ والطّغيان، أو كلمةً أدبيّةً تعبّر عن فلسفتِك في الحياة تضربُ بسفسطةِ الرّعاعِ عرضَ الحائط، كما عبّرت عن ذلك أحلامُ مستغانمي: "الشّجاعةُ هي أن تُجازفَ بقولِ ما لا يعجِبُ الآخرين". كما تتجلّى الشّجاعةُ في التّخلّي عن الأشياءِ والأشخاص، قبل أن تتخلّى عنها فتكونَ الفاجعةُ في نظرِ الكاتبة: "الفاجعةُ، أن تتخلّى الأشياءُ عنكَ لأنّك لم تمتلكْ شجاعةَ التّخلّي عنها".

وقد تُوقعُك شجاعتُك في مأزقٍ؛ لكنّ المخرجَ لن يكونَ إلّا بمزيدٍ من الشّجاعةِ ذاتِها، كما قال الكاتبُ الفلسطينيُّ إميل حبيبي: "أوقعَتْني الشّجاعةُ في مأزقٍ لم أنجُ منه إلّا بمزيدٍ من هذه الشّجاعةِ".

وقد تتجلّى الشّجاعةُ في الاختيارِ في المواقفِ الإنسانيّةِ المصيريّة، فإمّا أن تحملَ سيفَ الحقِّ في وجهِ الباطل، وإمّا أن تُوقدَ شموعَ التّحدّي في مواجهةِ دياجيرِ الحياة، فتكونُ بذلك إنساناً، لكنّ الجبنَ في عدمِ الاختيار أو السُّكوتَ أمام القضايا العادلةِ أسوأُ ما يحطُّ من قدرِ الإنسان، على نحو ما عبّر عنه مصطفى محمود: "عدمُ الاختيار هو أسوأُ اختيارٍ، والسّكوتُ حكمٌ من أسوأ كلِّ حكمٍ".

وقد ترتدي الشّجاعةُ حلّةً أخرى في تقبُّلِ الرّأيِ الآخر حتّى وإن لم يُعجبْك، كما عبّر عن ذلك الأديبُ الكبيرُ أحمد حسن الزّيّات: "ليستِ الشّجاعةُ أن تقبلَ الرّأيَ الّذي يُعجبكَ، بل الشّجاعةُ أن تتقبّلَ الرّأيَ الآخر".

وتبرزُ الشّجاعةُ في تحمُّلِ المآسي وعدمِ اتّهامِ الزّمانِ أو الآخرينَ بها، على نحوِ ما قال إبراهيمُ نصر الله: "النّاسُ لا يتحمّلُون مآسيَهم بالشّجاعةِ نفسِها".

وشجاعةُ النّفوسِ هي الّتي تصنعُ المجدَ وتحميهِ القلوبُ النّبيلة، فليس المجدُ سلعةً تُباعُ وتُشترى كما في قولِ جلالِ الخوالدة: "المجد لا يُباع ويُشترى! المجدُ تصنعُه النُّفوسُ الشّجاعة.. وتحميهِ القلوبُ المخلصةُ النّبيلة!".

وقد تتبدّى الشّجاعةُ في التّمييز بين الحقيقةِ والزّيفِ، ومن ذلك التّمييزُ بين الدّينِ والتّديُّن، كما عبّر عنه جلال أمين: "يجبُ أن تكونَ لدينا الشّجاعةُ للتّمييز بين الدّينِ والتّديُّن".

وقد تتطلّبِ الشّجاعةُ نوعاً من الحكمةِ والحنكةِ والمداراةِ والمهادنة ولا سيَما في المواقفِ الطّارئة، كما ترى الرّوائيّةُ رشا سمير: "الانحناءُ أمامَ الطّوفانِ ليس ضعفاً، ولكنّه قد يكونُ أحياناً محاولةً للنّجاة، فمن الشّجاعةِ أن تجبنَ ساعةً".

وقد ينبجسُ نبضُ الشّجاعةِ من ريشةِ القلم، حينما نكتشفُ أعماقَ أنفسِنا؛ ومعرفةُ الذّاتِ هي أرقى أنواعِ المعارف، وهذا ما ألمحَ إليه الرّوائيُّ المصريّ سيّد الوكيل: "الكتابةُ فقط تمنحُنا الشّجاعةَ لنرى أنفسَنا على نحوٍ أعمقَ".

وبعد أن أبحرتُ في أقوالِ الأدباءِ والمفكّرين في لغةِ الضّاد، أنقلُ مركبي إلى بحارِ غيرِ النّاطقينَ بها؛ لأحلّلَ وأعّلقَ وأُلقيَ عليها أنواراً من شموعِ فكري.

يرى أرسطو أنَّ الشَّجاعةَ أهمُّ الصّفات؛ لأنّها الصّفةُ الّتي تَضمنُ الصّفاتِ الأخرى، كما أنَّ الشّجاعةَ ليستْ في أن تقولَ ما تعتقِدُ، وإنّما في أن تعتقدَ كلَّ ما تقولُ: "الشّجاعةُ أهمُّ الصّفاتِ الإنسانيّة؛ لأنّها الصّفةُ الّتي تضمنُ باقي الصّفات". "ليستِ الشّجاعةُ أن تقولَ ما تعتقدُ، إنّما الشّجاعةُ أن تعتقدَ كلَّ ما تقولُ".

ويعرّفُ أرسطو الشّجاعةَ والجبنَ، فيرى أنّ الشّجاعةَ ليست في القليلِ منها فتكونُ جبناً، ولا في الكثيرِ، فتكونُ تهوُّراً: "يجبُ ألّا نكونَ جبناءَ، ولا متهوّرين.. وإنّما شجعاناً، فالقليلُ من الشّجاعةِ جبنٌ، والكثيرُ منها وقاحةٌ لا فائدةَ منها.. كذلك يجبُ ألّا نتصرَّفَ كبخلاءَ ولا كمبذّرينَ، وإنّما ككُرماءَ.. هنا أيضاً القليلُ من الكرمِ يكونُ بخلاً، والكثيرُ منه يكونُ مثلَ رميِ النُّقودِ من النّافذة".

ويرى نابليون بونابرت أنّ فنَّ النّجاحِ في أن تكونَ مرّةً شجاعاً ومرّةً أُخرى حذِراً: "فنٌّ أن تكونَ مرّةً شجاعاً ومرّةً حذِراً هو فنُّ النّجاح".

أمّا برنارد شو فيرى أنّ الشّجاعةَ لا تتَوارى في حالَتي الأمنِ والخوف: "يبدو الأسدُ في القفصِ أكثرَ ألفةً؛ لأنّه في القفصِ يكونُ في مأمنٍ من النّاس". وقريبٌ من هذا الشّجاعةُ على الضُّعفاءِ والجبنُ في الحروبِ، كما في قولِ شاعرِنا عمرانِ بن حطّان:

أَسـدٌ عَـلَيَّ وَفـي الحُــــــــــروبِ نَـعـامَةٌ
رَبـداءُ تـجـفـلُ مِن صَفيرِ الصّافِرِ

وقد تكونُ الشّجاعةُ حافزاً كبيراً في اتّخاذِ القرار نحو الخطوةِ الأُولى؛ لأنّها الأصعبُ والأهمُّ نحو النّجاحِ أو الفشلِ، كما يرى ستيف جوبز: "في بعضِ الأحيانِ الخطوةُ الأولى هي الخطوةُ الأصعبُ تقدَّمْ وأخطُها فقط، ولتكُنْ لديكَ الشّجاعةُ الكافيةُ لأن تتّبعَ إحساسَك وحاسّتَك السّادسة".

وقد تكونُ الشّجاعةُ في قدرتِك على الدّفاعِ عن أفكارِك أمامَ النّاس، وحينَها يُمكنُك أن تعيشَ قويّاً شجاعاً من أجلِ مبادئِك وأفكارِك، كما في قولِ باولو كويلّو: "عندما تُدافعُ عن أفكارِك أمَامَ العامّةِ يجبُ عليكَ أنْ تكونَ قويّاً وشجاعاً للعيشِ مِن أجلِها".

والجبناءُ يهربونَ من الأخطار، لكنَّ الحذرَ لا يدفعُ القدرَ، أمّا الشُّجعانُ فيفرُّ الخطرُ من وجوهِهم، واقتحامُ المنايا لا يخيفُ الأشدَّاءَ، وهذا ما لمّحَت إليه الكونتيسة دوديتو في قولِها: "الجبناءُ يهربون من الخطرِ، والخطرُ يفرُّ من وجهِ الشُّجعان".

والشّجاعةُ لا تعرفُ المستحيلَ، وعلى أقدامِها يسقطُ المُحالُ، وفي الأخطارِ الكبيرةِ والملمَّاتِ الصَّعبةِ تمتشقُ الرّجولةُ والبطولةُ سيوفَ التّحدّي في مقارعةِ الموت، والشّجاعةُ تسمُو إلى النّجومِ، والجبنُ يدفنُ رأسَه تحتَ التُّراب، وجميلٌ في هذا قولُ سينيكا: "الشّجاعةُ تقودُ إلى النّجوم والخوفُ يقودُ إلى الموت". كما أنّ الشّجاعةَ تنتصرُ على الخطرِ قبلَ أن تراهُ، حسبَما يرى بوبليليوس سيروس: "الجريءُ ينتصرُ على الخطرِ قبلَ أن يراه".

والشّجاعةُ ليسَت تهوُّراً ورمياً للذّاتِ إلى التَّهلكةِ، وإنّما هي عزيمةٌ وقوّةٌ مصدرُها العقلُ والفكرُ، كما نرى في قولِ نابليون بونابرت: "الشّجاعةُ مصدرُها التّفكيرُ". وقول جيريمي كولير: "العقولُ الشّجاعةُ دائماً تفكّرُ".

وقد ترتدي الشّجاعةُ ثوبَها القشيبَ في حرّيّةِ التّعبيرِ والاختيار ولا سيَما إذا كان صاحبُ الكلمةِ أديباً كبيراً كالكاتبِ الرّوسيّ أنطون تشيخوف إذ يقولُ: "أنا لستُ ليبراليّاً ولا محافظاً، لستُ وسطيّاً، ولا راهباً ولا حريصاً على الاختلافِ. أريدُ أن أكونَ فنّاناً حرّاً ولا شيءَ آخرَ، وأندمُ على أنّ اللهَ لم يُعطِني القوّةَ لكي أكونَ كذلك. أكرهُ الكذبَ والعنفَ بكافّة أشكالِهما، وأُكِنُّ بُغضاً شديداً للمسؤولينَ، للرّياءِ، والغباءِ، ولأيِّ حُكمٍ متعسِّفٍ ليس فقط في بيوتِ السّادةِ ومراكزِ الشّرطةِ. فأنا أجدُ ذلك في العلومِ والأدبِ، وفي الجيلِ الجديد؛ لهذا السّببِ ليس لديَّ ولعٌ برجالِ الشّرطةِ والجزّارينَ والعلماءِ والكتّابِ ولا الجيلِ الجديد".

وتتجلّى شجاعةُ القولِ في كلماتِ الرّوائيِّ البريطانيّ جورج أورويل: "ثائرُ اليومِ هو طاغيةُ الغدِ.. إنّنا ندركُ أنّه ما من أحدٍ يُمسكُ بزمامِ السُّلطةِ وهو يَنوي التَّخلّيَ عنها.. إنّ السُّلطةَ ليسَت وسيلةً بل غايةٌ، فالمرءُ لا يقيمُ حكماً استبداديّاً لحمايةِ الثّورة، وإنّما يُشعِلُ الثّورةَ لإقامةِ حكمٍ استبداديّ.. إنّ الهدفَ من الاضطِهادِ هو الاضطِهادُ، والهدفُ من التّعذيبِ هو التّعذيبُ وغايةُ السّلطةِ هي السّلطةُ، هل بدأتَ تفهمُ ما أقولُ الآن؟".

ومن أجملِ الأقوالِ الّتي تؤطّرُ الشّجاعةَ في مفهومِها الحقيقيّ قولُ ثيودور روزفلت: "الشّجاعةُ ليسَت أن تمتلكَ القوّةَ للاستمرار، ولكنَّ الشّجاعةَ أن تستمرَّ عندما لا تمتلكُ القوّة".

ومن أطرفِ الأقوالِ الّتي تتمَاهى مع معنى الشّجاعةِ وتُبرزُ قدرةَ الرّجلِ على الحكم قبلَ بلوغِ سنِّ الرُّشد، بينَما لا يُسمحُ له بالزّواج إلّا إذا بلغَ رشدَه؛ فيأتي التّعليلُ بنكهةِ الفكاهةِ على لسان الشّاعرِ والعالمِ الإنجليزيّ جون ميلتون حينَ سُئلَ كيف يُتوَّجُ الملكُ في سنِّ الرّابعةَ عشرةَ.. ولا يُسمحُ له بالزّواجِ إلّا إذا بلغَ الثّامنةَ عشرةَ؟!! فيُجيبُ سريعاً: "لأنّ حكمَ الدّولةِ أسهلُ من حكمِ المرأة". ولهذا نجدُ الطّامّةَ الكُبرى في الأنظمةِ المتخلّفةِ حينَما تصبحُ الزّوجةُ السّيّدةَ الأُولى فيضيعُ السّيّدُ وتضيعُ الدّولةُ برمّتِها ويصبحُ مصيرُ النّاسِ في مهبِّ الرّيح!

وقد تفيضُ عزماتُ الشّجاعةِ من رحمِ المآسي والمحنِ، حين يستطيعُ الإنسانُ أن يتلمَّسَ في منتصفِ شتائِه من الحزنِ والألمِ صيفاً حارّاً لا يُقهرُ، وفي غمارِ المنعطفاتِ الشّديدةِ قد يستيقظُ الماردُ الّذي في داخلِنا فيَهزمُ شبحَ الخوفِ والجبن، كما عبّر عن ذلكَ الكاتبُ الفرنسيُّ ألبير كامو: "في منتصفِ الشّتاء، وجدتُ أنّ في داخلي صيفاً لا يُقهَر.. نحنُ بالفعلِ لا نكتشفُ كم نحنُ أقوياءُ ومرِنُون حتّى نواجهَ مِحناً تملأُ عقولَنا بالتّوتُّرِ وقلوبَنا بالألمِ.. حينَها نكتشفُ بداخلِنا جميعاً الشّجاعةَ والقدرةَ على التّعاملِ مع أعظمِ المنعطفاتِ الّتي قد تُلقيها الحياةُ في طريقِنا، الأوقاتُ العصيبةُ تجعلُنا بالفعلِ أقْوى".

وحينَما نتحلّى بالشّجاعةِ قد نُدركُ الصّوابَ، لكنَّ الخوفَ قد يُلقِينا في السّقَطاتِ والعثراتِ والأخطاءِ، كما عبّر عن ذلكَ إبراهام لينكولن: "الأمرُ يتطلّبُ منّا الشّجاعةَ لفعلِ الأمرِ الصّحيح أكثرَ من الخوفِ من فعلِ الخطأ".

وقد تبرزُ الشّجاعةُ في روحِ المغامرةِ والاكتشافِ سواءً في الفضاءِ أو في المحيطاتِ، فلا يمكنُ التّحلّي بالشّجاعةِ إلّا بعدَ الانطلاقِ بعيداً عن رؤيةِ الشّاطئِ أو الأرض، وهذا ما عبّر عنه الرّحّالةُ الإيطاليّ كريستوفر كولومبوس مكتشفُ القارّةِ الجديدة: "لا يمكنُ أن تعبرَ المحيطاتِ حتّى تكونَ لديكَ الشّجاعةُ بعد أن تغيبَ عنك رؤيةُ الشّاطئ".

وعلينا دائماً أن نمتلكَ الشّجاعةَ الكافيةَ لاستخدامِ عقلِنا، ولولا الشّجاعةُ لظلَّ الفكرُ مقيّداً حبيسَ الخوفِ والوهمِ والتّردُّد، ولهذا نجدُ أنّ معظمَ النّابغينَ هم من عبّروا عن أفكارِهم بكلِّ شجاعةٍ فأبدعُوا، ومن هُنا يتّضحُ الفرقُ الكبير بينَ عالَمٍ حرّ يُطلقُ العنانَ لمفكرّيهِ وعبقريّيهِ وبينَ عالَمٍ متأخّرٍ يغتالُ الأفكارَ ويعتقلُ العقولَ ويطاردُ الكلماتِ في مهدِها، وهذا ما عبّر عنه كانط: "عليكَ أن تتحلّى بالشّجاعةِ الكافية لاستخدامِ عقلِك". وقريبٌ من هذهِ الفكرةِ قولُ والت ديزني في امتلاكِ الشّجاعةِ لتحقيقِ الأحلام: "ستتحقّقُ كلُّ أحلامِكَ إذا كنتَ تملكُ الشّجاعةِ لمطاردتِها".

والتّحلّي بالشّجاعةِ لا ينفي وجودَ الخوفِ، وإنّما الشّجاعةُ في قدرةِ التّغلُّبِ عليه، كما عبّر عن ذلكَ نيلسون مانديلّا: "تعلّمتُ أنّ الشّجاعةَ ليسَت في غيابِ الخوف، وإنّما في القدرةِ على التغلُّبِ عليه". وقد أكّدَ مانديلّا على تشجيعِ النّاسِ للتّحرُّرِ من الخوفِ ودفعِهم إلى التّفاوضِ حين نشوبِ الصّراع، وغرسِ الأملِ حينَما تعلُو سحابةُ اليأس: "سنعملُ معاً لدعمِ الشّجاعة حيثُ هناك خوفٌ، لتشجيعِ التّفاوضِ عندما يكونُ هناك صراعٌ، وإعطاءِ الأملِ حيثُ يوجدُ اليأسُ".

وقريبٌ من هذا المعنى قولُ دوبيك: "حتّى الّذين أضحَت شجاعتُهم مضربَ المثلِ، لا يُمكنهم الادّعاءُ أنّ الخوفَ لم يتطرّقْ إلى قلوبِهم".

أمّا مارك توين، فقد ابتكرَ طريقةً للتّعاملِ مع الخوفِ وإن لم يتحلَّ بالشّجاعةِ، فهو يُعرِّضُ نفسَه للمخاطرِ حتّى اعتادَ عليها، فزالَ الخوفُ من نفسِه: "لقد ابتكرتُ طريقةً عجيبةً للتّعاملِ مع الخوفِ، فحتّى لو لم أكنْ شجاعاً، فإنّ تعرُّضي للخطرِ باستمرارٍ جعلَني أعتادُ عليه حتّى زالَ الخوفُ من تفكيري نهائيّاً".

وتُعدُّ الشّجاعةُ من أعظمِ الصّفاتِ؛ لأنّ جميعَ الفضائلِ الأخرى تَنْضوي تحتَ رايتِها، كما عبرّ عن ذلكَ ونستون تشرشل: "الشّجاعةُ أعظمُ صفةٍ في الشّخص؛ لأنّ بقيّةَ الصّفات تأتي نتاجاً لها". وكذلكَ هي هيئةُ كلِّ فضيلةٍ وقتَ الاختبارِ، كما عبّر عن ذلكَ سي إس لويس: "الشّجاعةُ ليسَت مجرّدَ إحدى الفضائلِ، بل هي هيئةُ كلّ فضيلةٍ وقتَ الاختبار".

ويرى وليام شكسبير: "أنّ الجبانَ يموتُ آلافَ المرّات، ولكنّ الشّجاعَ لا يذوقُ طعمَ الموتِ إلّا مرّةً واحدةً". ولكنّ توماس أديسون يَقرنُ الشّجاعةَ بالإيمانِ للانطلاقِ نحو الهدفِ: تحَلَّ بالإيمانِ! كنْ شجاعاً! وانطلِقْ". ومثلُه قولُ دوديتو: "هل شاهدتَ من قبلُ كيفَ يهبطُ الشّلّالُ الهادرُ من الأعلى؟ هكذا يجبُ أن ينقضَّ المؤمنُ الشّجاعُ على قِوى الباطلِ".
ولا قيمةَ للشّجاعةِ إن لم تكُنْ لهدفٍ سامٍ يخدمُ الإنسانيّةَ كما يرى صمُوئيل جونْسُون: "الشّجاعةُ لا معنىً لها إنْ كانتْ لا تخدمُ هدفاً".

ويجبُ على المرءِ أن يتحلّى بالشّجاعةِ الكافية للمخاطرةِ كي يحقّقَ شيئاً في حياتِه كما يرى محمّد علي كلاي: "من لا يجدُ في نفسِه الشّجاعةَ الكافيةَ للمخاطرة لن يحقّقَ شيئاً في حياتِه". ومثلُه قولُ طاغور: "إذا أقدمْنا على مغامرةٍ، فلا بدَّ لنا أن نقذفَ وراءَنا كلَّ المخاوفِ".

ويُؤثِرُ توماس كارليل شجاعةَ الحياةِ برجولةٍ على شجاعةِ الموتِ بشرفٍ: "الشّجاعةُ الّتي نريدُها ونكافئُ عليها ليسَت شجاعةَ الموتِ بطريقةٍ مشرّفةٍ، بل شجاعةُ الحياةِ برجولةٍ".

ويرى أوين يونج أنّنا: "نحتاجُ للرّؤيةِ والشّجاعةِ لكي نُبدعَ.. ونحتاجُ للإيمانِ والشّجاعةِ لكي نَثْبتَ".

وقد تختلفُ مصادرُ الشّجاعةِ من فردٍ لآخرَ، فهذا ألبرت إينشتاين يرى أنّ الحبَّ والجمالَ والحقيقةَ هي الّتي منحَتْه شجاعةً لمواجهةِ الحياة: "المثُلُ الّتي أنارَت طريقي ومنَحَتْني، مرّةً بعد مرّةٍ، الشّجاعةَ لمواجهةِ الحياةِ بمرحٍ، هي الحبُّ والجمالُ والحقيقةُ".

ولم تُغْفلِ الأمثالُ العامّةُ مفهومَ الشّجاعةِ، فقد جاءَ في المثَلِ الفارسيّ أنّ: "الشّجاعةَ بلا حذرٍ حصانٌ أعْمى". ويرى المثلُ الإيرلنديّ أنّ: "كلَّ كلبٍ شجاعٌ أمامَ بابِ بيتِه". وفي المثلِ الإنجليزيّ: "من الأفضلِ مجابهةُ الخطرِ مرّةً واحدةً بدلاً من البقاءِ دائماً في خوفٍ وهلَع". ومنه المثلُ الإنكليزيّ أيضاً: "كلُّ إنسانٍ قبطانٌ في البحرِ السّاكنِ". ويقولُ المثلُ الفرنسيّ: "لا تتَحدَّ إنساناً ليس لديهِ ما يخسرُه". ومنه المثلُ الفرنسيّ أيضاً: "الشّجاعةُ تصنعُ المنتصرينَ، والوفاقُ يصنعُ الّذين لا يُهزمُون". إلى غيرِها من الأمثالِ.

الشّجاعةُ والجبنُ في الشّعر:

تناولَ الشّعراءُ الشّجاعةَ في فيضٍ من القصائدِ والأبياتِ الّتي مدحَت الشّجاعةَ وحثَّت عليها وبيّنَت ما لها من أهمّيّةٍ في مواقفِ الإنسانِ والحياةِ بنصرةِ الحقّ، كما تناولتِ الجبنَ وذمَّتْه، وقد قرنَ الشّعراءُ الشّجاعةَ بالكرمِ وغيرِه من الخصالِ الحميدةِ الّتي لولاها لما ظلَّ للحياةِ معنىً ولا قيمةٌ.

فهذا شاعرُنا عليُّ بنُ الجَهم يرى أنّ الجودَ ليس من كثرةِ الأموال، والبلاغةَ ليسَت من غزارةِ الخُطبِ، والشّجاعةَ ليست من قوّةِ الجسد، والملكَ ليس من إرثٍ متوارثٍ، وإنّما كلُّها من هممٍ تُعلي وتَبني ومن طبعٍ أصيلٍ غيرِ مكتَسبٍ:

ما الجودُ عَن كَثرَةِ الأَموالِ وَالنَّشَبِ
وَلا البَـــلاغَةُ في الإِكثـــارِ وَالخُطَـبِ
وَلا الشَّجاعَةُ عَن جِســـمٍ وَلا جَلَـــدٍ
وَلا الإِمــارَةُ إِرثٌ عَـن أَبٍ فَــأَبِ
لكِـــنَّهـــا هِـــــمَـــــمٌ أَدَّت إِلى رِفَـــعٍ
وَكُلُّ ذلِكَ طَبــعٌ غَــــيرُ مُكتَسَـــبِ

وتسيلُ حِكمُ المتنبّي درراً في إعلاءِ روحِ المغامرة من أجلِ المجدِ والشّرفِ الرّفيع، ويرى أنّ طعمَ الموتِ في الصّغائرِ كطعمِ الموتِ في الأهدافِ النّبيلة، ثمّ يُمجّدُ الشّجاعةَ ويحتقرُ الجبناءَ، ويتّهمُ الّذين يرونَ أنّ العجزَ عقلٌ بالجبنِ، وما ذلكَ إلّا خديعةٌ من الطّبعِ اللّئيم، أمّا الشّجاعةُ فهي جامعةُ المحامدِ والخصالِ ولا سيَما إذا اقترنَت بالحكمةِ:

إذا غامـــــــرْتَ في شـــــــــــــرفٍ مَــرُومِ
فلا تقــــــــــنَعْ بما دونّ النُّــــــــــــجُومِ
فطَعمُ المــــــــــــــوتِ في أمـــــــــــرٍ حقيرٍ
كطَعمِ المــــوتِ في أمـــــــــرٍ عظيمِ
يَرى الجُبَنـــاءُ أَنَّ العَجزَ عَقـلٌ
وَتِلكَ خَديعَــــةُ الطَّبــــــعِ اللَّئيمِ
وَكُلُّ شَجاعَةٍ في المَـــــــرءِ تُغْــــــني
وَلا مِثلَ الشّجاعَةِ في الحَكيمِ
وكم مِن عـــائبٍ قولاً صحِيحاً
وآفتُهُ مِــــنَ الفــهمِ السَّـقيمِ

ويمجّدُ المتنبّي الرّأيَ أو العقلَ ويقدّمُه على كلِّ شجاعةٍ، ويُولِيه مقاماً قبلَ الشّجاعةِ، وإذا اجتمعَ الرّأيُ والشّجاعةُ في النّفسِ الحرّةِ فقد بلغَت ذرا العلياءِ، فذو العقلِ والرّأي يستطيعُ إفحامَ أقرانِه قبلَ أن يطعنَ الشّجاعُ أقرانَه، فلولا العقلُ والرّأيُ لصار أصغرُ الأسودِ أقربَ إلى الشّرفِ من الإنسانِ:

الرَّأيُ قَبلَ شَجاعَـــةِ الشُجعانِ
هُـــوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَـــلُّ الثّـــاني
فَإِذا هُمـــا اِجتَمَعا لِنَفسٍ حُــرّةٍ
بَلَغَـــــت مِــنَ العَلـــــــــياءِ كُلَّ مَكانِ
وَلَرُبَّمـــا طَعَــنَ الفَتى أَقــــرانَهُ
بِالـــرَّأيِ قَبـــلَ تَطاعُنِ الأَقـــرانِ
لَولا العُقولُ لَكانَ أَدنى ضَيغَمٍ
أَدنى إِلى شَــرَفٍ مِنَ الإِنســـانِ

والإنسانُ ميّتٌ لا محالةَ إنْ بالسّيفِ أو بغيرِه، فقد تعدَّدتِ الأسبابُ والموتُ واحدٌ، كما في قولِ ابنِ نُباتةَ السّعديّ:

ومَنْ لم يَمُتْ بالسَّيفِ ماتَ بغيرِهِ
تعدَّدَتِ الأسبابُ والموتُ واحِــــدُ

ويُعلي جبرانُ خليل جبران من مكانةِ الشّجاعةِ والإقدامِ، ويرى نقصاً في أخلاقِ مَن لم يتحلَّ بهما، فالعظماءُ جعلُوا من حياتِهم وسيلةً للوصولِ إلى أهدافِهم السّاميةِ العظيمة:

وَإِذَا وَجَـــدْتَ المَرْءَ فِي إِقْــدَامِهِ
نَقْصٌ فَـــلا يُرْجَى هُنَـــاكَ تَمَامُ
كَيْفَ الَّذِي تَخِذَ الْحَيَاةَ وَسِيلَةً
وَسَمَا لَهُ فَـــوْقَ الْحَيَـــاةِ مَـــرَامُ

ويحذّرُنا الشّاعرُ القرويُّ رشيدُ سليم الخوري من آفةِ التّردُّد حين الإقدامِ على عملٍ، فكلُّ مَن تحلّى بالشّجاعةِ والأملِ وصلَ إلى سؤددِ المجدِ والشّرف:

لا يَذْهَـــــبَنَّ بكَ التردّدُ
إِن عَزَمْــــتَ على عَمَلْ
ما أخطأَ العلياءَ من
ركِبَ الشّجاعةَ والأَمَلْ

ويرى معاويةُ بنِ أبي سفيان أنّ الشّجاعةَ في اقتناصِ الفرصِ، وكلُّ مَن لا يُجيدُ اقتناصَها جبانٌ متخاذلٌ، كما يرى أنّ الحادثاتِ قد تنالُ الجبانَ وقد يسلمُ منها البطلُ الشّجاعُ:

* شجاعٌ إذا ما أمْكَنَتْنيَ فُرْصَةٌ
وإنْ لم تكنْ لي فُرْصَةٌ فجبانُ
* فقد تُدرِكُ الحادثاتُ الجبانَ
ويســـلمُ منها الشجاعُ البْطل

أمّا أميرُ الشّعراءِ أحمد شوقي فيرى وفرةً في شجاعةِ القلوب، لكنّه لا يرى إلّا قلّةً في شجاعِة العقول، والشُّجاعُ هو من يرعَوي عن إيذاءِ النّاس، والجبانُ هو مَن يجرؤُ على الشّرورِ والآثام:

إِنَّ الشّجاعـــــةَ في القُلـــوبِ كثــيرةٌ
ووجـــدْتُ شُجعانَ العقُــــولِ قليلاً
إِنَّ الشُّجاعَ هُوَ الجَبــــانُ عَنِ الأَذَى
وَأَرى الجَـريءَ عَلى الشُّـــــرورِ جَبَانـا

ويرى شوقي أنّ حتفَ الشّجاعِ ليس في شجاعتِه، كما أنَّ الحرصَ على الحياةِ لا يمدُّ في الأعمار:

وما في الشَّجاعةِ حتْفُ الشّجاعِ
ولا مــــدَّ عُمرَ الجبـــانِ الجُــبنُ

وممّا يدلُّ على الشّجاعةِ أثرُ الجراحِ على الجسدِ، فهذا خالدُ بنُ الوليد البطلُ الّذي لم يُهزمْ قطُّ لم يمُتْ في ساحاتِ القتالِ بالرّغم من كثرةِ الجروحِ في جسمِه، فماتَ على فراشِه، وقد عبّر عن ذلكَ قائلاً: "ما في جسدي موضِعُ شبرٍ إلّا وفيه ضربةٌ بسيفٍ، أو رمْيةٌ بسهمٍ، أو طعنةٌ برمحٍ، وها أنا ذا أموتُ على فراشي كما يموتُ البعِيرُ فلا نامتْ أعينُ الجُبناء". ومنه قولُ الحسنِ الواسطيّ:

ومن الدّليلِ على الشّجاعةِ للفتَىْ
أثـــرُ الجِــــراحِ بوجهِــهِ المقْـــدِمِ

ويدعو الشّاعرُ قطبةُ بنُ الخضراءَ إلى الإقدامِ والشّجاعةِ في المعاركِ حين ملاقاةِ العدوّ، فإمّا موتٌ بعزّةٍ وكرامة، وإمّا نصرٌ ومجدٌ ورفعةٌ، والموتُ لا محالةَ نائلٌ جميعَ الأرواح:

وإِذا لقِــيتَ كتيــبةً فتقَدَّمَــنْ
إِن المقَـــدَّمَ لا يكــونُ الأخْيَبا
تلقَى التّحيّةَ أو تموتَ بطَعنةٍ
والمـوتُ آتٍ مَــــنْ نــأَى وتَجَنَّبا

وليس عاراً على الشّجاعِ إن جبُنَ اليومَ هنيهةً، وقد عُرفَت عنه الشّجاعةُ في الأمس، كما عبّر عن ذلك أوسُ بنُ حجر:

وَلَيسَ يُعــابُ المَرءُ مِن جُبنِ يَومِـــــهِ
وَقَد عُرِفَتْ مِنهُ الشَّجاعَةُ بِالأَمسِ

وكقولِ الأحنفِ بنِ قيس:

وما بِفرارِ اليـــومِ عـــــــارٌ على الفَتىْ
إذا عُرِفَت منهُ الشَّجاعةُ بالأمسِ

ويدعونا الشّاعرُ البطلُ أسامةُ بنُ منقذٍ إلى الشّجاعةِ في الحياةِ وعدمِ الخضوع للبشرِ إن بالتّرغيبِ أو بالتّرهيبِ، فلا رجاءٌ ولا خشيةٌ إلّا في الخالقِ العظيم، وكلُّ ما قضاهُ اللهُ واقعٌ فلا مردَّ لأمرِه:

لا تَخضَعَنْ رَغَباً ولا رَهَباً فَمَا الْـــ
مَرْجُـــــوُّ والمَخْشــــِيُّ إلاّ اللهُ
ما قَـــد قضاهُ اللهُ مالَكَ من يَــــــدٍ
بِدِفـــاعِهِ وسِـــواهُ لا تخشـــــاهُ

قدّمتُ فيما سبقَ قطوفاً من الأقوالِ والأشعار في الشّجاعةِ والجبنِ، ورأيْنا أهمّيّةَ الشّجاعةِ في بناءِ الأمجاد، ودورَ الجبنِ في الذُّلِّ والعار، وقد تنوّعَتِ الآراءُ وتعدَّدتِ الأقوالُ، لكنّها لم تختلفْ في جوهرِ الشّجاعةِ ولا في مفهومِ الجبنِ، وقد أثريْتُها بالتّحليلِ والمقارنةِ والمقاربةِ كي تكونَ نبراساً في البحثِ يَجني ثمارَه القرّاءُ ويحتَفي به الباحثونَ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى