الأربعاء ٢١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم هانم داوود

عائق العفاف

حين تغدو المهور قيداً والزواج بعيداً

إنّ الزواج في شريعة السماء هو ميثاقٌ غليظ، وسكنٌ للمشاعِر، وبناءٌ للمجتمع على أسس من المودة والرحمة. لكننا اليوم نرى هذا البناء الشامخ يواجه عاصفةً عاتية من المغالاة في المهور، والتباهي بالأعراض الزائلة، مما حول التيسير إلى تعسير، والفتح إلى إغلاق.

المهور.. من تكريمٍ للمرأة إلى تعجيزٍ للرجل

لم يكن المهر يوماً ثمناً للعروس، بل كان رمزاً للتكريم وإبداءً للرغبة والقدرة على الرعاية. غير أن المجتمع اليوم قد حاد عن هذا الجوهر، فأضحت المهور أرقاماً فلكية تُرهق كاهل الشباب، وشروطاً تعجيزية تضع القيد في يدِ من يطرق الباب. إن هذا التفاخر ليس إلا بهرجةً خادعة، تقتل في الشباب روح المبادرة، وتجعل من الحلال "عقبة كؤوداً" لا يتجاوزها إلا ذوو الحظوة المالية، بينما يظل الشاب العفيف الذي لا يملك إلا دينه وخلقه يقف على أعتاب الانتظار المرّ.

العزوف.. النتيجة المرة لغرس التفاخر

حين يرى الشاب أن تكلفة حفله زفاف لساعات زمن تعادل شقاء سنين من العمل، فإنه يرتدّ خائباً، وينكفئ على نفسه يائساً. هذا العزوف عن الزواج ليس مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل هو تصدع في جدار المجتمع؛ فتعطيل الزواج هو تعطيل لتدفق الحياة، وإماتة للطموح، وترك للشباب في مهب رياح الفراغ العاطفي والاجتماعي.

المنزلق الخطير: حين يضيق الحلال فيتسع الحرام

إن النفس البشرية جُبلت على غريزة لا تُنكر، فإذا سُدّت في وجهها أبواب الطهر والفضيلة، فُتحت أمامها تحت ضغط الواقع وإغراءات العصر أبواب العلاقات المحرمة.

إن المبالغة في المهور هي، في حقيقتها، فتحٌ غير مباشر لنوافذ الفتنة؛ فكلما ارتفعت تكاليف الحلال، هبطت "تكلفة" الحرام في أعين الضعفاء. وبذلك يخسر المجتمع طهارته، وتفقد الأسر استقرارها، ونصبح أمام جيلٍ يخشى المسؤولية ويهرب إلى اللذات العابرة هرباً من أعباء "الزواج المستحيل".

صرخة للوعي والعودة للأصل

إن الحل لا يكمن في الشعارات، بل في ثورة وعي اجتماعية يقودها الآباء قبل الأبناء. إن أقلهن مهراً أكثرهن بركة ليست مجرد مقولة، بل هي دستور للستر والعفاف. إن بناء بيتٍ قائمٍ على التفاهم والقناعة خيرٌ ألف مرة من قصرٍ يُبنى على ديونٍ تقصم الظهر وتنتهي بصراعات مادية لا تنتهي.

لنحطم قيود المظاهر قبل أن تحطم هي مستقبل أجيالنا، ولنجعل من الزواج بوابةً ميسرة للستر، لا حاجزاً منيعاً يدفع الشباب نحو الهاوية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى