الأربعاء ٢ شباط (فبراير) ٢٠٢٢
بقلم محمد جمال صقر

علم الذوق

"عَزَّ عِلْمُ الذَّوْقِ أَنْ يُدْرِكَهُ عَالِمٌ جَانِبَنَا مَا احْتَرَمَا"،

ابن عربي.

ذكر أبو عمرو بن العلاء الأعشى، فقال: "نَظِيرُهُ فِي الْإِسْلَامِ جَرِيرٌ، وَنَظِيرُ النَّابِغَةِ الْأَخْطَلِ، وَنَظِيرُ زُهَيْرٍ الْفَرَزْدَقُ". ولما كنتُ قد خبرت من قبلُ صدقَ ما يبوح به علماؤنا القدماء الكبراء من أحكام أذواقهم التي يعجز عن إدراكها من لم يحترم جانبهم، جعلتُ بين عينيّ مقالته، أتوسل بها إلى دراسة شعرائها زوجينِ زوجينِ؛ ففُرق لي أولا عن مقالي "بين الأعشى وجرير: موازنة نصية نحوية"، الذي حصلتُ به على درجة أستاذ مساعد، ثم فُرق لي ثانيا عن مقالي "بين زهير والفرزدق: موازنة نصية عروضية"، الذي حصلت به على درجة أستاذ! وكان من خبر هذا المقال الثاني أن قسم النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة، دعا الباحثين عام ٢٠٠٧، إلى مؤتمره الدولي "العربية والدراسات البينية"، فشاركت به فيه، من حيث وُلد لي مُقابَلًا بين نظامَي اللغة والعروض، وأولهما أعلق بالطبع والآخر أعلق بالصنعة، وحسبي بها بَيْنِيَّةً!

لقد تقدمت بهذا المقال خطوة ثالثة صريحة، في سبيل التطبيق النصي العروضي، فنخلت شعرَيْ زهير والفرزدق نخلا، حتى تميزت لي فيهما قصار قصائدهما من طوالها، فاخترت خمس قصار من شعر الفرزدق، لخمس قصار هي كل ما في شعر زهير، وطويلة من شعر هذا لطويلة من شعر ذاك، حريصا في كل زوجين على توارُدهما لغة وعروضا، ثم تأملت من شؤونها النصية العروضية تسعا وعشرين مسألة، اجتمع زهير والفرزدق منها على وجوه ربما كانت وراء مقالة أبي عمرو بن العلاء، وافترقا في وجوه أخرى ربما كانت وراء بقائهما جميعا معا في العربية شاعرين كبيرين؛ حتى قال عكرمة بن جرير: "قُلْتُ لِأَبي: يا أَبَتِ مَنْ أَشْعَرُ النّاسِ؟ قالَ: أَعَنِ الْجاهِليَّةِ تَسْأَلُني أَمْ عَنِ الْإِسْلامِ؟ قُلْتُ: ما أَرَدتُّ إِلّا الْإِسْلامَ؛ فَإِذْ ذَكَرْتَ الْجاهِليَّةَ، فَأَخْبِرْني عَنْ أَهْلِها! قالَ: زُهَيْرٌ أَشْعَرُ أَهْلِها. قُلْتُ: فَالْإِسْلامِ؟ قالَ: الْفَرَزْدَقُ نَبْعَةُ الشِّعْرِ"!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى