الأحد ٤ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٩
العقلية الانهزامية من وجهة نظر نفسية

غزة والتنّين

بقلم: فارس البحرة

في خضم المجزرة التي ترتكب الآن في غزة تتبادر للأذن اصوات ناشزة تعتبر ما يحدث أمراً جرّت نفسها إليه حماس وكان بإمكانها ان تتجنبه. ولا نستغرب مثل هذا التفسير عندما يصدر عن جهات ذات مصلحة سياسية مرتبطة بالكيان الصهيوني كحال بعض الأنظمة العربية التي رفع عنها القلم، لكن ما يدعو للتأمل صدور مثل هذه الآراء العجائبية عن مواطنين عاديين ليس لهم حتى انتماءات سياسية محددة ولا ارتباطات بأية جهات حكومية. طبعاً لا بد من أخذ دور وسائل الإعلام الممولة من الأنظمة إياها بعين الاعتبار.

لكن المسؤولية الجنائية عن دسّ مثل هذه السموم ليست محور اهتمام هذا المقال، وإنما السؤال: ما نقاط استناد مثل هذه الأجهزة الإعلامية في الوعي واللاوعي العربيين حتى تلقى أذناً صاغية لدى البعض؟ ولا سيما أن أهم ما يسم المقولات المتداولة فيها هو انعدام التناسق الفكري والتضارب الساذج في سوق الحجج.

ما يجعل أصحاب هذا النوع من الآراء تياراً إجماعهم على ما يلي من نقاط:

كفى شعارات وخطابة عنترية لم توصلنا إلى شيء

قبل أن ننتقد إسرائيل علينا انتقاد الأنظمة العربية

الخطر الإيراني والشيعي أهم من الخطر الإسرائيلي

نصرة الشعب الفلسطيني في غزة تعني دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية والأصولية الإسلامية

رغم أن هذه الموضوعات تفتقد للحد الأدنى من تماسك المنطق الصوري حتى، فإنها تتردد في العديد من مصادر الإعلام العربي، والأنكى من ذلك، بين أفواه بعض المثفقين وأشباههم. لن أضيع وقتي ووقت القارئ في تفنيد هذه الحجج واحدة واحدة بالطريقة المدرسية، فالأمر لا يحتاج إلى أكثر من أداة استفهام بجوار كل منها، فلفظة لماذا كفيلة وحدها بتدمير التماسك الهش لهذه البنى المتداعية، ولكن لتدمير مزاج وقابلية الحوار لدى المتسائل البريء معها، فعادة ما يكون الجواب على هذه اللماذا وابلاً من الاتهامات والشتائم والردح والحرون.

ونظراً لركون البعض لمثل هذه المنظومة المتهافتة دون أن تكون لهم في ذلك مصلحة واضحة، ارتأيت محاولة اجتلاء العامل النفسي الذي يجعل هذه الأعراض _ إن جاز التعبير _ تشكل متلازمة _ إن جاز التعبير أيضاً_ شائعة إلى حد ما، ما يجعل الكثير من أجهزة الإعلام تصطفيها دون غيرها، وتكرر استخدامها، لمحاربة صحوة الشارع العربي التي تزداد راهنية يوماً بيوم.

الملاحظ أن احتقار الانسان العادي غير المثقف واتهامه بالشعبوية والغوغائية سمة جامعة لأصحاب هذا المذهب، على الرغم من أنهم من النادر أن يكونوا على مستوى يذكر من الثقافة، بمعنى آخر فإن هذا التيار يعطي أصحابه الوهم بأنهم نخبة، رغم تواضع مرجعياتهم العلمية والأدبية غالباً. هم نخبة لأنهم ببساطة ضد الإجماع العام. هم نخبة عددية، أقرب للأقلية_ وسائل الإعلام التي تروج لمثل هذه الأفكار مولعة عادة بالتباكي على الأقليات_ وليسوا بالنخبة النوعية نظراً لتهافت حججهم وضحالة فكرهم.

و بالرغم من ادعائهم للعلمانية في كثير من الأحيان فإنهم يبدون مخاوف ليست لها أية مرجعية علمية، فالخوف من الخطر الإيراني _ الفارسي أو الصفوي كما يحبون تسميته _ عرضٌ كثير التكرار لديهم. ولما كان هذا الخطر بمقارنته بالجرائم المرتبطة بالصهيونية والمعروفة للقاصي والداني ضرباً من ضروب الخيال، وجب البحث عن أسباب غير عقلانية لهذا الخوف، أسباب ربما نعثرعليها في الللاوعي الجمعي.

لما كانت إسرائيل قد قامت في سنة 1948 فقط، بتشريد أكثر من 800.000 فلسطيني وتدمير أكثر من 500 مدينة وقرية عربية وارتكاب المجازر في 33 مدينة وقرية عربية، فإن ذلك يعيدنا لأن نشكك بالمسلمة المدوّنة أعلاه: لماذا الخطر الشيعي والإيراني أكبر من الخطر الإسرائيلي؟ ولما كان التساؤل عن سبب مثل هذا الإدعاء سيؤدي غالباً إلى هياج يمكن رصده سريرياً لدى أصحاب هذا التيار، دون أن يدلوا بأجوبة واضحة، فإن ذلك يشرعن _ في رأيي_بحثنا في نطاق اللاوعي الجمعي، لانه يوحي بارتباط مذهبهم بمخاوف بدائية لا بمنظومة فكرية مقنعة، مخاوف طفولية تجاه الفرس والشيعة والأصوليين والديكتاتوريين. وبينما يمكننا تحديد مرجعيات واقعية معقولة للخوف من العاملين الأخيرين، دون أن يعني ذلك التعبير عن منظومة فكرية ذات أبعاد وإنما مخاوف مفهومة فحسب، يبقى الخوف من الشيعة والفرس أمراً لا يفسر خارج التراث الشعبي والمخاوف التقليدية المرتبطة بالفترة العثمانية على أقرب تقدير.

وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا يخشى هؤلاء الخوّافون إيران ولا يخشون إسرائيل؟

بالرغم من أن التراث والاسلامي والمسيحي على السواء عامران بالمخاوف تجاه اليهود؟
هنا تطفو نقطة هامة جداً في رأيي على سطح اللاوعي الجمعي العربي، وهي الخوف

والرعب من إسرائيل.

لا يركز الانسان العربي على هذه النقطة ولا يعترف بها بسهولة.

إن تكن لأصحاب هذا التيار نقطة صائبة، فهي انتقادهم للعنتريات العربية، فالموقف العربي التقليدي هو إنكار الرعب الذي تزرعه إسرائيل في نفوسنا جميعاً والتغطية عليه بالتغني بالأمجاد والتظاهر بالقوة. لكن أصحاب التيار الذي نتناوله بالتحليل أكثر إنكاراً وأقل عقلانية حتى من هذه الخطابية العربية التقليدية التي ينتقدونها، فخطابهم لا ينكر الخوف فحسب بل التهديد الاسرئيلي للانسان والاجتماع العربيين، هذا التهديد الصريح والواضح والذي لا تتكتم إسرائيل عليه وإنما تجاهر به علناً.

فعملياً عندما يطلب أولئك الأشخاص أن لا نتكلم عن إسرائيل بل عن الأنظمة والخطر الإيراني والأصولي، هم مثل الطفل الذي يريد ليّ الحقائق التي تؤرّقه، فيطلب من أهله مثلاً أن يقولوا له أنهم لن يموتوا.

خوف أولئك الأشخاص البدائي من إسرائيل أقوى من أن يواجهوه، ربما تلعب في ذلك المخاوف الشعبية البدائية من اليهود دورها، لكن الأهم في رأيي هو الخوف الواقعي من الجريمة الإسرائيلية، الرعب الذي يعجز صاحبه عن التصريح لنفسه به فيستبدل به مخاوف مشابهة أقل رعباً، كالخوف من الفرس والشيعة، ثم مخاوف أكثر راهنية وقابلية للتصديق كالخوف من الأنظمة والأصولية. هم بذلك كالطفل الذي يفضل أن يعيش خوفاً من الحيوانات المنزلية على أن يواجه خوفه من أبيه، أو تجده يحوّر هذا الخوف إلى خشية من وحوش وتنانين تشقّ الظلام وتثب عليه. ويستدعي مثال الخوف من الأب هنا قتل الأب بالمعنى الفرويدي والذي من تمثلاته الرمزية معارضة ما هو عام في محاولة لإيجاد الشخصي والخاص والمختلف، ومعارضة الجماعة التي تمثل قيم الأب. لكننا نجد المعارضة هنا بشكلها المرضي لا بصيغتها المصعّدة الابداعية الخلّاقة. فهذه المعارضة لاتقوم بإيجاد صيغ جديدة تستوعب القديمة هضماً وتتجاوزها إلى آفاق أرحب، وإنما معارضة بسيطة بالقلب للضد، والاستسلام المازوخي للمذمّة الجماعية، وتشفّ بالذات وبالرموز الأبوية التي تتهدد منزلتها الأخطار الخارجية، يعاوض عن ذلك مجرد الشعور بالتميز والاختلاف من جهة، وتحقيق وظيفة الهروب من مواجهة الخطر الحقيقي المهدد والداهم من الجهة الأخرى.

كل ذلك دون مراعاة للمنطق وبانفجارات إنفعالية لدى أية محاولة للمراجعة العقلانية، مثلما هو الأمر عادة في الظواهر العصابية.

أتمنى ألا يمسخ كلامي، فيفهم على أنه دفاع عن أي نظام عربي أو مشروع أصولي شيعي كان أو غير شيعي، فإنما أهدف إلى تفكيك الروابط الواهنة أصلاً، والتي يتم طرحها كبديهيات، تحاول أن تجعل الصمود الفلسطيني مجرد تعبير عن مصالح هذه الأنظمة والمشاريع، وتغضّ النظر في الوقت نفسه عن واقع أن الكفاح الفلسطيني لم يبق له من سند خارج هذه المشاريع والأنظمة.

مرّ الشعب الفلسطيني بظروف موضوعية جعلت للكفاح المسلّح المشروع في وجه الاحتلال الصهيوني في النهاية مخرجاُ يكاد يكون وحيدا،ً وهو أن يكون رديفاً للجهاد الإسلامي. من هذه الظروف انهيار المنظومة الاشتراكية وتراجع اليسار العالمي، ومنها تخلي معظم الأنظمة العربية عن المقاومة وارتباطها بمعاهدات ذلّ امتد ظلها حتى على الشعب الفلسطيني نفسه. وأهم من هذا وذاك المشروع الصهيوني بحد ذاته كمشروع لدولة عنصرية دينية، استطاعت أن تفوز بألقاب اشترتها بالمال والنفوذ العالمي لليهود، الناتج عن انحدار كثير منهم عن أصول أوروبية، وضلوعهم في الاقتصاد العالمي، وتغلغلهم في الماكنات الإعلامية والأكاديمية الغربية، واستغلالهم لعقدة الذنب الأوروبية، واستخدامهم القانوني والإعلامي لسلاح الاتهام بالعداء للسامية لدى أية محاولة لطرح المشروع الإسرائيلي في إطار البحث الموضوعي. فصارت إسرائيل تلقّب عنوة بالدولة الديمقراطية والعلمانية، وتعتبر أحد ممثلي ما يسمى بالعالم الحر، رغم أنها تمنع الفلسطينيين أصحاب الأرض من العيش في أوطانهم بسلام، وتنكر على اللاجئين حقّهم في العودة، في الحين الذي تحاول فيه جذب أي شخص تلوح عليه شبهة الأصل اليهودي فتوفر له كل تسهيلات الهجرة. كل ذلك التطرف الديني اليهودي المتدثر في عباءة العلمانية والديمفراطية شكّل تحدياً غير متكافئ أمام الهوية الفلسطينية، وجعلها في النهاية تكاد تختزل بالهوية الدينية الإسلامية.

دون قراءة التاريخ وفهم مفارقاته وتخيّل الضغوط المختلفة التي عاناها الانسان الفلسطيني عموماً،و إبن غزة خصوصاً،ّمن تهجير ضمن الأرض المحتلة إلى إحتلال وحصار وتجويع وإرغام على الاعتراف بإسرائيل وتآمر للأنظمة العربية ونسف لشرعية الانتخابات الفلسطينية، يصعب علينا أن نفهم كيف حشر هذا الانسان حشراً لاختيار الجهاد الإسلامي مخرجاً وحيداً. ولكن مثل هذه القراءة والتفهم للانسان الفلسطيني تتطلب شعوراً عميقاً بمأساته وعيشاً مرهفاً لمصيره الدراماتيكي البطولي. يتطلب هذا الموقف من متخذه التماهي مع بشر يتعرضون لإبادة همجية منظمة تمارس ضدهم بكل دناءة وبرودة قلب. لكن يبدو أن البعض يفضل الارتجاف في سريره خوفاُ من زحف مجوس إفتراضيين، على أن يواجه في خياله ما يواجهه البشر على الأرض حقاً.

بقلم: فارس البحرة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى