الأحد ٣١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢١
العاشق/ة في «نساء من صمت»

في تأبين د. إلهام أبو غزالة

صافي صافي

في مجموعتها القصصية "نساء من صمت" الصادرة عن اتحاد الكتاب الفلسطينين سنة 1997، الواقعة في 146 صفحة من القطع المتوسط، 49 "قصة".

سأتناول في قراءتها قصة "العاشق" (ص: 124-131)، وما جاورها في المعاني.

د. إلهام صديقة مقربة منذ أواسط الثمانينيات، وشريكة في اتخاذ القرارات اليومية والعملية في المجتمع الفلسطيني، ومثابرة على حضور الندوات الأدبية والفكرية، واللقاءات المتعددة في كل مجال، وزميلة في جامعة بيرزيت. كنت التقي بها أحياناً ساعات طويلة في اليوم الواحد، في بيتي أو بيتها، أو في أماكن النشاطات المختلفة. كانت رفيقة بكل معنى الكلمة، ولهذا من الصعب أن أكتب عنها، أو أقرأ مجموعتها القصصية بعيداً عن هذه العلاقة المستمرة بين المد والجزر على أشدهما.

رغم أن عنوان المجموعة القصصية "نساء من صمت"، إلا أني لم أرها صامتة في أي وقت، فهي مشاركة فاعلة في النقاشات، وهي صاحبة الأسئلة المتوالدة، المفتوحة في كل اتجاه، بحيث لم ينته لقاء، إلا كان مقدمة لعقد لقاءات أخرى. لم تكن صامتة، وكانت تشكل محوراً هاماً في الحوارات المتتالية في القدس ورام الله، وحتى في مدن وقرى فلسطين التي زرناها معاً. لم تكن صامتة، بل هي مقاتلة بأشكال تفاعلها مع الأحداث.

لم تكن صامتة، وهي المدافعة بشدة عن المرأة، بكل ما أوتيت من علم ومعرفة وممارسة، لتحول كل النقاش إلى هذا الجانب، ولتشعر القائل، بأنه مقصر في معتقداته الفكرية والعملية تجاه النساء، ولم أكن أفلت من لسانها أبداً، فتضعني أحياناً في خانة أنا لست فيها بالفعل، وكأني مسؤول عن كل ممارسات الرجل، حتى تلك التي أرفضها، فأنا بالنسبة لها ممثل للرجل، وهي ضد الذكورية الظالمة للمرأة، والقامعة لها، حتى في التاريخ الذي مضى، والذي سيأتي. لذلك كنت أكثر حرصاً في انتقاء كلماتي عند الحديث، لكنها تقتنص كل فرصة، لأكون الهدف وموقع الهجوم. كنت أتفهمها، وأتفهم نفسي، فأوافق أو أبتسم، فهي امرأة تحمل قضية على أكتافها، وبين تلافيف دماغها، تلفظه بلسانها، فلا تصمت، فأحترمها أكثر. في هذا الكتاب لم تكن تتحدث بالضبط عن نفسها، بل عن نساء الأرض، ورجال الأرض، والحياة، وتغييرها بالشكل الذي تريد.

هل كانت إلهام تتناول نفسها في المجموعة القصصية؟

ليس بالضرورة، ولو كانت في قيد الحياة لأجابت: لا. ولو سألتها على انفراد لقالت: في منه. وأزاحت وجهها جانباً.

ولو سألتها عما يكتبه الأدباء عن العلاقة بين سيرتهم الشخصية، ونصوصهم، باعتبارها متخصصة، لأجابت: ليس بالضرورة أن نكتب عما حدث معنا، لكننا نكتب عن ما نفكر فيه، عن حالنا، عن هويتنا، عن معاناتنا، عن عواطفنا، عن تخيلاتنا، عن أحلامنا، عن كينونتنا التي نحملها تحت جلدنا لآلاف السنين، عن علاقاتنا بالآخرين، عن الآخرين، عن تاريخنا ومستقبلنا، فكل ما نكتبه هو سيرة ذاتية بشكل أو بآخر.

هل الكتابة هي ملجأ للتعبير عن الذات؟

نعم، فما لا نستطيع البوح به شفاهياً، نقوله كتابياً، نختبئ وراء شخصيات، ونلقي بما نعتقده على ألسنتهم، وعلى مراقبتنا لسلوكهم، بل نخترع أحياناً سلوكاً، ونلصقه بهذه الشخصية أو تلك، أكنا نحبها أم نكرهها. نتقمص تلك الشخصية، ونلبسها فكرة، حدث، لنوصل رسالة واضحة أو ضمنية. نحن مهمتنا مخاطبة العقل، بالحوار، الحوار ثم الحوار، ونعلو بالعقل إلى حدود التفكير الناقد، ليتمعن كل منا في نفسه، وفيما حوله، ليغيره، ليجعله أفضل، وليصبح المجتمع أفضل، ولتصبح المرأة في مكانة تستحقها.

هل العاشقة هي إلهام؟

ليس بالضرورة، فمن الصعب أن تلاحظ ذلك، من الصعب أن تعبر عن مشاعرها، فلم ير أحد دموعها (تقريباً)، فهي تعتبر ذلك علامة ضعف، وهي لا تود ذلك، رغم حساسيتها المفرطة التي تستطيع قراءتها في أكثر من موقف. أليس الغضب هو الوجه الآخر للحزن؟ أليس الكره هو الوجه الآخر للحب؟ أليست الثورة هي الوجه الآخر للعشق؟ أليس الصمت هو الوجه الآخر للبوح؟ أليست الكتابة الأدبية هي الوجه الآخر للإضمار؟

العاشق

في قصتها المدونة تحت هذا العنوان، وبعد تجربة شخصية القصة، التجربة القاسية، في الحب والعشق، والتضحية بمشاعرها، وبمالها في تسديد مصاريف من كانت تعتقد أنه عشيقها، الذي سافر إلى أمريكا لإكمال تعليمه، وهي تنتظره، يعود متأبطاً شقراء، كزوجه له. يدور هذه الحدث ودروسه عميقاً في نفسها، دون أن تبوح به له قبل العودة أو بعدها، فترجع إلى صومعتها، تغلق الأبواب والنوافذ، وتنشغل بالعمل، العمل ثم العمل ولا شيء غيره، تصبح راهبة، ويتحول بيتها وعملها إلى معبد، تقتل عواطفها، تقوم بكل ما يلزم، لإسكات رغباتها، وقمعها. تقمع نفسها، تقمع جسدها، تقمع عيونها، ودماغها، فلم تعد تنتظر رجلاً، ولا تريد أن تراه، فكلهم "كذابون"، ويصبح هذا "العشيق" ممثلاً للذكورية، التي يستغل فيها الرجل المرأة، ليحقق مصالحه في التعليم، ثم يعود خائناً "للعيش والملح" والعاطفة.

تمر السنون، قبل أن تتعرف إلى الرجل الجديد، فهو الناشط السياسي والثقافي، الفاعل اجتماعياً، الدائم الحركة، يطرق بابها، تتردد في فتح باب صومعتها، لكنها تعتقد أنه رجل آخر، من طينة أخرى، من زمن آخر، من فكر آخر، من فكرها ومعتقداتها، يطرق الباب يوماً بعد يوم، ساعة بعد ساعة، وهو لا يكل ولا يمل. تثيرها ثقافته، ونشاطه، وفاعليته، فتفتح الباب قليلا قليلاً، إلى أن تجد أنها وقعت في مصيدته، فتنطلق، وينطلقا معاً، في النقاشات، والحوارات الثمينة، والندوات، والمحاضرات، والتفاعل مع المجتمع. لم يعد البيت مسكنها، فهو مكان للتخطيط والتفكر، فبيتها أصبح الطبيعة والناس، حتى أحلامها تغيرت، أحلام النشوة، نشوة العمل والتفاعل الاجتماعي السياسي الفكري. كانت غافية فأيقظها، فطار، وحلق في السماء، وحلقا معاً، تجدهما في كل مكان، في كل نشاط، في كل فاعلية، فتتفتح مساماتها، وتشيل الغشاوة عم عينيها، وعن دماغها. لم يترك لها مجالاً لتنزوي وحدها، لم يشأ أن تعود إلى وحدتها وتوحدها. خشيت أن تقع في حبه، فطالبته بالابتعاد، والابتعاد، والابتعاد، لكنها كانت قريبة منه، كما هو قريب منها، فأحبته، وعشقته، وعشقت مقولاته، وحاله، وكل شيء فيه. عشقت الناس، والجبال والأودية والشتاء والتجوال. عشقت المجتمع، ووجدت أن هناك طريقاً ليكون أفضل.

لم يصارحها يوماً بمشاعره، فهي تنتظر ذلك، ويبدو لم يكن يحمل ما تود أن تراه. لم يبح بها، انتظرته طويلاً ليقول، ولم يقل. انتظرت مبادرته، فلم يبادر، وقررت أن تبادر هي، ورغم صعوبة ذلك على نفسها، وهي تتذكر تجربتها الأولى، لكنها صارحته. قفز من مكانه، وشعر بالغبطة، ورقص، وغنى. لكنها اكتشفت أن هدفه هو تنظيمها في الحزب، وليس العلاقة الإنسانية بالحب والعشق. كان هدفه سياسياً تنظيمياً، وليس حبها، وما المشاعر التي لاحظتها طوال علاقتها به، إلا جسراً لتنظيمها.

يا لها من أزمة جديدة! فالتجارب تتكرر، مرة باستغلال إخلاصها للأول بالمال، ومرة بمشاعرها. هي أزمة فعلاً، فكيف تخرج مرة أخرى؟ ألا تعود إلى صومعتها؟ وهكذا كان! ليس بالضبط، فهي تعيش تجربة جديدة، وتحوصلت في دماغها، وتحت جلدها، وعواطفها.

هل كان الرجل واعياً لما يقوم به من إيقاظ مشاعرها، واستغلالها لصالح السياسة والعمل السياسي؟

هل المرأة ترى العشق هو الأكثر ديمومة؟

هل صراع الرجل والمرأة حقاً لا نهاية له؟

هل يمكن إقامة علاقة سياسية تنظيمية دون علاقة إنسانية؟

لماذا بقيت شخصيات هذه القصة دون أسماء، فكلهم رموز؟

ليس عندي إجابة على مثل هذه الأسئلة؟

لكنها تجيب عن بعض هذه الأسئلة في قصص أخرى

لم يعد يحتمل غموضها، فابتعد، وودت لو يعود، فيعرف كم تبدل هذا الغموض وانزاح (هو وغموضها، ص: 20)، وهذه القصة تتعارض مع العاشق، فهي العاشقة حتى الثمالة. أما في قصة "يتفقان؟ (ص:21)، فيبدو أن حاجات الرجل ورغباته هي الدافع لإقامة علاقة، وليس العكس، فهي ربما "أداة" من وجهة نظره، وتساوي عندها بين العدو و "العشيق"، بل وتفضل أن تكون العلاقة بينهما هي الصداقة، وحب الصداقة، كما في "الصداقة أثمن ما في الوجود يا ..." (ص: 42-43)، وأي نوع من الصداقة أو الحب الذي تريده، إنه صداقة العمل السياسي، فالسياسة لا تنتهي بمرحلة، فهي الباعث للعمل والحياة والأمل كما في "انزياح" (ص: 44)، وهما اللذان كانا يلتقيان يومياً في مقالتيهما المنشورتان على صفحة الجريدة نفسها، مثل طفليهما كما في "إبداع" (ص: 49)، فلما ابتعد وتركها، لم تعد تغمض عينيها، فتخرج الصخور من بين رموشها كما في قصة "ويصبحان صخرتين" (ص: 50)

وبالمقابل، فهناك الرجل الحساس، الذي يود أن تنعم اخته بمتع الحياة واللذة التي يتمتع بها مع عروسه، كما في "رجل حساس" (ص: 45)، فتلك تجربته الأولى، وهي التجربة نفسها التي هشمت رأسه، حين طالبته بالسباحة والغوص كما في "هما والغوص" (ص: 47)

ما كتبته الصديقة إلهام، رحمة الله عليها، وأبقى ذكراها في قلوبنا وعقولنا، ترى رغم كل ذلك، كل هذه الآلام والآمال أن الهاء والواو والياء، مثلثاً بأضلاع متساوية في دائرة متقطعة الأوصال (الغلاف الأخير)، ولا نعرف متى تتصل، إلا بتغيير الثقافة العامة، التي تغيرنا نحن الأفراد كما في "العاشق"، فلا بد من تغيير المجتمع حتى نستطيع العيش فيه (ص: 125).

هل بلينا بالسياسة والحياة، كما بلينا بالعشق؟ هل هما توأمان لا يعزل الواحد عن الآخر؟ هل العمل السياسي هو المخرج لمآزقنا؟

هل يمكن أن تتحول الصداقة إلى حب، والحب إلى صداقة؟ هل هناك ما يمكن تسميته صداقة الحب أو حب الصداقة؟

ليس هناك إجابات، فهي أسئلة الحياة، ولو سألناها اليوم لأجابت بطرح عديد الأسئلة، ليبقى الحوار مفتوحاً.

ذكراك باقية إلهام

صافي صافي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى