في رواية (مواقيت الصمت)
تفجّر رواية "مواقيت الصمت" للروائي خليل الجيزاوى قضايا عدة، قضايا العزلة، والاغتراب الاجتماعي، وأطفال الشوارع، والعالم السري للمسئولين الكبار. إننا نلهث وراء أسطرها، ونحن ننتقل من عالم لآخر، من عالم أبطال الرواية: الأب منصور الصياد، وابنته هند، وحبيبها سعيد، وشخصيات عديدة تواجهنا ونحن نغوص في أعماق هؤلاء، إلى عالم أطفال الشوارع والمشردين.
إنها شخصيات شديدة الإنسانية، على الرغم من انغماسها في القبح والسوء، و خلف كل شخصية حكاية، وخلف كل حكاية جوانب من تجبر الإنسان، وضعفه واستكانته. ونفاجأ في خضم الأحداث، وتنوّع الشخصيات أن السارد ممسك كل الخيوط، يحركها وفق منظومة سردية تبدو للمتلقي – في الوهلة الأولى – غير مترابطة، وسرعان ما يكتشف أن هناك عشرات الخطوط التي تصل فيما بينها.
يمكن قراءة هذه الرواية بمداخل عدة، ولكن بنيتها الفنية تستدعي التوقف عندها، خاصة أن ثمة ترابطا بين هذا البناء الفني، وبين الدلالات العديدة المتولدة عنها.
العتبة الأولى: عنوان الرواية "مواقيت الصمت"، والعتبة الأولى نطالعها، وهو عنوان لا يثير التساؤل وقد لا نقف عنده كثيرا ونحن نقلب صفحة الغلاف، لكننا سرعان ما نعود إليه متعجبين، حين نتعمق أحداث الرواية، ونعيش مع شخصياتها، ونكتشف أنها ليست أزمنة الصمت، وإنما أزمنة البوح، فالكل يفضي، والكل يتحدث، والبوح يمتد صفحات وصفحات، وكأنه نص مونودرامي، فقط ممثل واحد على ساحة الأحداث، ويحتل المسرح السردي قبل أن تتداخل معه شخصية أخرى. نرى هذا في الفصل الأول مع الأب الذي رحل عن دنيانا، ولكنه عاد يناجي ابنته "هند" عندما حاورته وهي تتأمل الصورة، ونرى هذا مع العديد من الشخصيات مثل أم شحته، سعيد/ الحبيب، ومحمد جنينه. ويكون السؤال: هل ثمة تناقضا بين العنوان والبنية السردية؟ والجواب: إن العنوان يقدم دلالة ضدية، أي أن الرواية وسيلة لكشف المكنون، وفوران الصدور، فالكل كان صامتين، وها هم الآن يتكلمون، فدلالة العنوان ماضية في زمنها، وأحداث الرواية تطرح رؤية آنية ومستقبلية، وهذا ما أوضحه المؤلف صراحة في الاستشهاد، في الصفحة الأولى، وقبل الإهداء حيث يذكر: "الحق أخرس والباطل له ألف لسان. مثل شعبي"، "إن كل شيء يكتمل في الصمت. أمبرتو ايكو"، ومن هنا نعلم أن المتكلمين في الرواية كانوا صامتين طيلة حياتهم، وأن مساحات البوح لديهم نادرة، والبوح هنا يخالف الكلام، فالكلام أمر حياتي معتاد، بينما البوح هو الكلام الحر عما في أعماق النفس. وأكّد ذلك الإهداء، حيث يقول المؤلف: "إلى ولدى محمد خليل الجيزاوى وجيله لعلكم تستطيعون تكسير أسوار الصمت العالية "، وبالتالي تتضح دلالة العنوان لتكون دلالة عن حال جيلنا الحاضر، والجيل السابق، من البسطاء والمهمشين والعاديين وهؤلاء الذين يؤثرون السلامة والعيش في الظل.
وعلى جانب آخر في متن الرواية، نرى مقولة الأب لابنته: "مواقيت الصمت" إنها رواية عبثية عشنا أحداثها أنا وأنت يا ابنتي، لماذا لا تعيدى ترتيب كتابة أحداثها؟ ولماذا لم تبدأ مواقيت الكلام بعد؟ (ص11)
وهذا يؤكد من جانب آخر الفرضية التي في العنوان، أنه عنوان تحريضي على البوح بما في الصدور من زفرات. وقد سبقت عناوين الفصول إشارات عديدة، ولكن تأتي العناوين بسيطة من كلمة أو كلمتين، وهي تمثل في بساطتها ركيزة في البناء، فالفصل الأول حمل عنوان "صورة"، وهو علامة على أحاسيس الساردة/ هند مع صورة الأب في شقة السيدة زينب، ومن ثم يبدأ الأب بحوار الابنة، والبوح التفصيلي بكل شيء عن حياته الخاصة وعصاميته، ومن ثم تطورت دلالة الصورة من مجرد إلى صورة للأب إلى علامة على تاريخ وعلاقة شديدة الخصوصية بين الأب وابنته، ومن أهم منابع الخصوصية فيها ارتباط الأب والابنة بحي السيدة زينب. ونفس الأمر في باقي الفصول التي حملت عناوين: هو وتناول حديث الساردة عن سعيد وهي وتناول حديث الساردة عن توأمها، وأم شحته وتناول التعرف على شخصية أم شحته وهكذا، فالعناوين ساهمت بشكل كبير في اكتمال السرد، المعتمد على تعدد الأصوات والشخصيات.
بنية الرواية
:
اعتمدت الرواية على بنية المكان والزمان المفككين، والشخصيات متعددة الأصوات، في الفصل الأول كان الأب متحدثا بشكل كبير، ثم نرى الابنة وهي تحاور الأب، وتنبش في أوراقه وكتبه، كان هذا في شقة السيدة زينب، ويعد الفصل الأول مفتاحا أساسيا في فهم الرواية، فقد قدم لنا ملخصا سرديا وفكريا عن الساردة/ هند، وحبيبها، والأم، والأخ، وهي الشخصيات المحورية في الرواية. ومن ثم جاءت الفصول الأخرى معمقة هذا الشخصيات، مع تنوّع المكان، والزمان، في ضوء الأرضية السردية التي تلقاها القارئ في الفصل الأول. ربما يُظَنُ أن هناك تشتتا مكانيا وزمنيا وفي الأحداث، ولكن المتأمل يجد أن هناك مكانا وزمانا مهيمنين، وفيهما كانت الأحداث وحركة الشخصيات.
فالمكان المهيمن: هو حي السيدة زينب، ونجد أن الوصف دقيق لكل ما في هذا الحي، وهو وصف يتجاوز الوصف البصري إلى التحدث بشكل تفصيلي عما في الحي، من ناس وبنايات، فها هي الساردة تقول وهي عائدة من مطار القاهرة: "لفحتني رائحة الحلاوة الطحينية التي تفوح من مصانع الرشيدي، قبل تقاطع شارع قدري، غمرتني رائحة البخور، صلصلة صاجات بائعي العرقسوس، الزحمة الشديدة فرصة مناسبة؛ لأصافح مئذنة السيدة، مقام سيدي العتريس، بعده ألمح النور الأخضر الذي يشع من مقامك سيدتي، سيدة آل البيت، أقرأ الفاتحة، أردد صامتة: مدد يا أم العواجز، بسرعة يدي بالمنديل تعالج فيض الحنين، لمحت السائق يتابعني مُندهشاً " ( ص29، 30 ). لقد جمع هذا الوصف ما بين حواس الساردة: البصري والشمّي، وأعماقها التي تختزن مشاعر فياضة نحو الناس والأشياء ومعالم المكان.
هذا المكان ظل مُهيمناً طوال الرواية، بينما تضاءلت مساحة الأمكنة الأخرى، فمصر الجديدة – كمكان- فيه فيلا أسرة هند، حيث عاشت فيها الأم المتجبرة، وعندما يموت كل من الأم والأب، تصبح الفيلا خاوية، إلا من حارس لها. نفس الأمر مع أطفال الشوارع، حيث كانت السيدة زينب ملجأ لهم من بيوتهم، وبلادهم. إنه المكان الحنون، الذي يحتضن الغني والفقير، المستقر والمشرّد.
ونفس الأمر مع الأمكنة الأخرى، ففرنسا – المكان – تتضاءل المعلومات عنها، ولا نجد منها إلا إشارات للجامعة والمشرف الفرنسي، وغابت حميمية ارتباط الساردة بها. وهو أمر متشابه في المكان بالنسبة لسائر الشخصيات، فالكل هارب من أمكنته التي ولد وتربى فيها، ولجأ إلى حي السيدة زينب، كما في شخصية أم شحته ومحمد جنينه وهيمه وأم دينا وغيرهم.
والزمان، فإنه ممتد، امتداد عمر الساردة/ هند، منذ الطفولة، وإلى تقدمها في العمر، ولكن تظل هناك بقعة زمنية هي الأساس في الإدراك، وهي المكونة لشخصية الساردة، إنها فترة الجامعة، حيث حبها الأول، وخطيئتها الأولى، وألفتها للمكان/ السيدة زينب، وقد فضلت خلال سني الجامعة أن تعيش مع أبيها في شقته البسيطة، مكونة علاقة حبها مع سعيد، ثم نرى الزمان يصل بنا إلى سنوات بعد الجامعة، حيث نرى قفزة زمنية، حينما تعود هند من فرنسا؛ لتكمل الشق التطبيقي لرسالتها في الدكتوراه عن أطفال الشوارع في مصر، ونرى الشخصيات والأمكنة بعد عشر سنوات أو يزيد، حيث تبدلت معالم المكان، وانتشرت في الشارع عشرات الظواهر السلبية، بجانب المزيد من الفساد الرأسمالي والسياسي والاجتماعي.
أما الشخصيات، فإننا نجد شخصيات على مستويين:
المستوى الأول: الشخصيات الروائية التي تتصل بالعالم الشخصي للساردة، وهي شخصية الأب المكافح، والأم المتكبرة، والأخ الذي سافر بعيدا عن الوطن لاستكمال دراسته العالية في أوروبا، والحبيب سعيد وأم شحته حارسة البناية، والوشائج التي تجمع هؤلاء المكان والقرابة والحب والمجاورة، وأم شحته هي مرضعة البنتين التوأمين؛ لذا التبست عليها شخصية "هند" الحية ونادتها باسم "هبة " الميتة. إن شخصية هبة حاضرة غائبة، فهند هي التوأم الحي، بينما أختها هبة هي التوأم الميت، ولكن هناك إلحاحا من السارد على العلاقة الغامضة بين التوأمين، وهي علاقة تكاد تجعل التوأم الحي (هند) متقمصة التوأم الميت، ثم نسمع صوت التوأم الميت سرديا، وكما جاء في مستهل أحد الفصول: "قالوا: سوف يعيش التوأم الثاني حالة من القلق والرعب، خوفاً من سيطرة روح التوأم الأول، على جسدها إن عاجلا أم آجلا "( ص45)، وتظل هذه العلاقة ملتبسة طيلة صفحات الرواية، وهي علاقة لها بعد نفسي يقترب من الأسطوري، حيث نسمع صوت هبة (سردياً) في فصل مستقل، تقول: "أنا هبة منصور الصياد، التوأم الحي، أعيش داخل جلباب هند، صحيح أنني مت بعد عام واحد من مولدي، لكنّي لم أرحل، روحي تحوم حول البيت، أطارد هند، تفزع مني، تصرخ باكية، حتى حولت البيت إلى سهر، قلق، عدم النوم، لا بد أن يتعذبوا مثلي، لماذا كُتب عليّ الموت مُبكراً؟ لماذا هبة تموت، بينما هند تعيش، تحيا، تستمتع بالحياة؟ لا بد أن أحوّل حياتها إلى جحيم؟ البداية سكنت بروح قطة سوداء، دخلت البيت، أقتسم مع هند نصف السرير، نصف الطعام، لكن لن أهدأ حتى أشطرها نصفين مرة أخرى! لنقتسم الحياة مرة أخرى، ربما الوحيدة التي تنبهت لنا هي أمنا في الرضاعة أم شحته، لقد أحست أن اثنتن ترضعان منها لا واحدة، ظلت تقنع والدتي أن نص التوأم الذي مات لا يزال يحيا داخل النص الحي!!! " (ص71)، هذا جو أسطوري، ولكنه معبر عن شخصية معقدة، وهي شخصية هند الحية، وتبدو "هبة" كأنها جنية، تتحكم في قرينتها هند، وقد استطاع المؤلف الضمني أن يسمعنا صوت هبة، حتى وضحت شخصيتها. إنها صورة من شخصية الأم القاسية العنيدة، الأم التي كرهت ابنتها، وتمنت لها الموت، وقد تعلقت الأم بالولد وتركت هند تتعلق بأبيها. أما هند فهي تدرك بعمق أن هبة التوأم، تحيا في أعماقها، وقد استطاعت أن تنتصر عليها، وتكون بشخصيتها المستقلة حية، وكما تقول: "الآن فقط تأكدت أنني هند منصور الصياد، قُدّر لي أن أحيا بعد وفاة نصفي الآخر هبة، كنت دائمة الصراخ، البكاء منذ صغري، بلا سبب، أمي تضربني، كثيراً سمعتها تتمنى الموت لي" (ص 72).
ربما يكون السؤال: ما دلالة وجود روح التوأم منغصة ومنافسة لهند في حياتها؟ يأتي الجواب من خلال السرد، حيث تقرر هند هذا بقولها: "طوال حياتي أشعر أنني ممزقة، منقسمة على نفسي، دائماً هناك أمران داخل رأسي، كثيراً ما أتوقف وسط الشارع حتى أفصل بينهما، أورثتني هذه الحيرة عادة التردد، عدم مخالطة الناس، دائماً أفضل أن أكون وحيدة" (ص73)، وهذا التمزق ليس للروح التوأم فقط، وإنما تمزق بين: مكانين: السيدة ومصر الجديدة، وتمزق بين أمّين: أمها الحقيقية وأم شحته المرضعة، وبين تقاليد المجتمع، ورغبتها في التحرر والانطلاق. ويمكن في ضوء هذا أن نقرر أن هبة رمز لكل ما تكرهه هند، وقد استطاعت الأخيرة أن تتنصر عليها، وتحقق ذاتها.
والمستوى الثاني: في الشخصيات، هي الشخصيات الموازية، التي أطلت برأسها من الشارع، شخصية النادل في المقهى، وأطفال الشوارع، ومحمد جنينه زعيمهم، وأم دينا، لقد أسمعنا المؤلف الضمني صوت هؤلاء، بلسانهم، وهم يحكون مأساتهم، وسبب تشردهم، وما يحدث في الشارع من تجاوزات أخلاقية وفساد واغتصاب وشذوذ وسيادة منطق القوة، كانت شخصية هؤلاء متنوعة، جمع بينها الشارع والتشرد والظروف القاسية والأمل في حياة أفضل. قد يتبادر في الذهن أن خطين دراميين يتنازعان أجواء الرواية، وأن لا علاقة مباشرة بين عالم هند، وعالم أطفال الشوارع، ولكن هذا مجرد ظن أولي، ولو تمعّنا سنرى أن هناك أجواء شعورية تجمع بين الخطين، فحالة التفكك الأسري مشتركة: هند تعاني من كراهية الأم، وابتعادها عنها، وأطفال الشوارع يعانون من تخلي الأبوين عنهم، إما بالموت أو السجن أو الطرد القسري في الشوارع. أيضاً: هم مشتركون في المأوى/ المكان، وهو حي السيدة زينب، رغم الفارق في مستوى المعيشة، وتشابهت حياة أم دينا مع هند، فكلتاهما ضحت بشرفها عن طيب خاطر للحبيب، وعاشت هند على ذكرى حبها ومشاعرها، واغتربت هربا من مجتمع لا يحترم المرأة التي لها تجربة جنسية قبل الزواج، بينما هربت أم دينا، واضطرت للزواج عرفيا حتى تحمي نفسها من ذئاب الشارع وأنجبت طفلة من هذا الزواج.
وقد نجح المؤلف الضمني في أن يجعل هذه الشخصيات تكلمنا مباشرة، إما بشكل فانتازي كما في حديث الأب لابنته وحديث هبة/ التوأم الميت عن نفسها، أو بشكل حواري كما في حوار هند مع المشردين، وفي كل هذا كان الضمير المستخدم هو ضمير المتكلم، إمعانا في التعبير عن الشخصية، ومن المفارقات أن هناك ثلاثة فصول قصيرة حملت الضمير "أنا"، في نهاية الرواية: الأول عن هبة التوأم الميتة، والثاني عن هند، والثالث عن سعيد فتح الله. وكأننا أمام نص مونودرامي، يتداخل صوتيا مع حركة السرد العام في الرواية.
الأسلوب السردي:
جاء الأسلوب في الرواية معتمداً على الجمل القصيرة، والعبارات التقريرية المباشرة في دلالتها، خاصة في المواضع التي تستلزم هذا الطابع الأسلوبي، فها هي هند تحكي: "أعترف أن شيئاً ما جذبني للحديث مع محمد جنينه، نعم لقد وعد وصدق معي، لقد انتهيت فعلاً من التسجيل مع خمسة أولاد، هم بحق نماذج بحثية موجعة، تشكل رسالة إنسانية مهمة، لم أحلم حين فكرت في هذا البحث، أنني سأقترب من هذا العالم المليء
بالعذابات، والقهر الإنساني" (ص 61)
في هذا المقطع، تتداخل اللغة الروائية مع لغة البحث العلمي، حيث تقرر الباحثة هند أن هؤلاء نماذج بحثية موجعة، ويشكلون معا رسالة إنسانية، بأسلوب علمي محدد المعنى والدلالة. هذا التداخل نجده على أصعدة أخرى، فالعامية تختلط كثيرا بالفصحى، خاصة عندما تتحدث الشخصيات عن ذاتها، فالأب يقول عن علاقة الابنة بسعيد:
"أنا اللي عزمته عندنا في البيت، سمحت لك تقعدي معاه، بعد كده عرفت إنه بيكلمك في التليفون. إنه بيقابلك في النادي، لكن ثقتي فيك كبيرة، بلا حدود! عايز أشوف مساحة الحرية اللي بتتحركي فيها"(ص 8)
ممكن أن تكون العامية هنا موظفة، ولكن الأب تارة يتحدث بأسلوب بسيط، وتارة بأسلوب فلسفي عالي المستوى، مطعم بالاستشهادات، وهذا يجعل مستويين للغة على ألسنة من يتحدث، فالأب يقول عن نفسه: "إن الرجل يحب أن تكون رفيقته في الحياة، صديقةً تسانده، تدعمه، حبيبةً تهدهده، أُماً تحتويه في صدرها، تمسح عنه التعب، وبالليل عشيقته التي يشتهيها، تُلاعبه، تُداعبه، ترقص له، تُطعمه طبقها بكل الألوان، الأصناف، لكن الكثيرات منهن يا بنتي لا يفهمن ذلك، لا يردن أن يجربن هذه الوصفة! من هنا كثر الخراب في البيوت، تهدّم الكثير منها، أصابها الشروخ " (ص10).
هذه اللغة تشعرنا أن المتكلم هنا هو المؤلف الضمني، يتدخل بأسلوبه ليفرض علينا وجهات نظر بعينها، خاصة أن التعبيرات المباشرة كثيرة، وقد تكون موظفة أحياناً، وفي أحايين أخرى نفاجأ بكونها تحمل طابعا مقاليا، ومعلوماتيا، مع إسهاب واستطراد، يخرج بنا من أجواء السرد إلى الخطاب المباشر.
وتستوقفنا أيضا ظاهرة "الاستشهادات والتوثيق"، وهي واضحة في أجزاء كثيرة في الرواية، في الفصل الأول عندما تقوم هند بتقليب كتب والدها، وتتوقف عند معلومات واستشهادات بعينها، وكذلك عند حديثها عن أطفال الشوارع وهي تورد معلومات عن الظاهرة في العالم عامة، وفي عالمنا العربي خاصة، مدعمة كلامها بالأرقام، والحلول العلمية المطروحة لهذه المشكلة. هذه الاستشهادات لا تمثل عبئاً على البناء الروائي بشكل عام، لو قبلناها ضمن منظومة القضايا الاجتماعية والفلسفية والنفسية التي تطرحها الرواية، وهي تتماس بذلك مع الرواية التسجيلية المدعمة بمعلومات مسجلة موثقة، مع اختلاف في طريقة التسجيل ضمن السياق العام في الرواية، وهذا يفتح للاختلاف حول قبول هذا الشكل الروائي، ولكن في الحالتين يكون المعيار الدلالي هو الحاكم، وأرى أن الاستشهادات – وإن طالت قليلا – إلا أنها موظفة بشكل عال في المتن والبنية السردية.
إن الروائي المبدع خليل الجيزاوي يطرح دوماً الكثير من القضايا التي يعج بها مجتمعنا، وتئن بها نفوسنا، طرحاً يثير الذهن، ودائماً ما يكون طرحه حميمياً منتمياً للمكان وللزمان، وهذا شأن الإبداع: يطرح الأسئلة، ويثير الاختلاف، ويستفز العقول.
