الخميس ١٩ آذار (مارس) ٢٠٠٩
لـ: عبد الله محمد الغدامي

قراءة في نص (مسألة الدلالة في النص الأدبي)

بقلم: رمضان حينوني

ينطلق الغدامي في نصه من تكنيك النفكيكية التي أرادت تجاوز التحليل البنيوي في نظرتها إلى النص الأدبي، وقد تدرج عبر أجزاء نصه الثلاثة ليعطينا المنطلق الأساسي لهذا (المنهج) وهوأن (أية عبارة باعتبارها تعتمد على علاقاتها مع نظام اللغة المحيط بها فيما يخص معناها، فإنها تستطيع أن تشتق معناها فقط بواسطة اختلافها عن جميع المعاني الممكنة الأخرى اللامحدودة العدد.) (1) وهذا يعني أيضا أن (المعنى لا يكمن في الدال، إن تأويل المعاني إذن في حركة لا تنتهي ولا تستطيع أن تصل إلى مدلول نهائي مطلق، وهكذا فحركة المعنى لا نهاية لها.) (2)

يتحدث الكاتب عن الدلالة الضمنية التي هي (إبحار نحوالمجهول والنتيجة من ذلك هي التجربة الجمالية أي (الحركة اللامتناهية لكل مستوى من مستويات المعنى منذ لحظة إدراكه ). ( ) فالدلالة إذن في النص الأدبي غير محددة ولا يمكن أن تكون نهائية، وهي تختلف من قارىء إلى آخر، بحسب الأثر الذي تتركه في نفس المتلقي، والسياق الذي يقرأه فيه. يقول عبد الله إبراهيم في حديثه عن التفكيكية بأن) حقلها الدلالة وتعويم المدلول المقترن بنمط ما من القراءة، أي استحضار المغيب، وهذا يقود إلى تخصيب مستمر للمدلول بحسب تعدد قراءات الدال (3) إنها مرتكزات التفكيكية خاصة ما تعلق منها بفاعلية الاختلاف أوثنائية الحضور والغياب، أي حضور الدال وغياب بعض عناصر المدلول أواختلافها. يقول الغدامي في هذا الشأن: (وإدراكنا لهذه العملية يحتاج منا إلى احضار عناصر غائبة عن النص، وهذا الفعل منا يقدم وظيفة جمالية تنضاف إلى النص.)

وقد استعان الكاتب بمجموعة من المفاهيم كالاختيار والتأليف والانزياح وهي ثلاثية ترتبط بالأسلوب ومحدداته، ويرى أن هذه المستويات الثلاثة هي التي تؤدي بنا إلى اكتشاف جمالية النص، وكأنها مقاييس تميز الدلالة الصريحة من الدلالة الضمنية. فاخيار الكلمة يعني أن مثيلاتها أومترادفاتها لا يمكن أن تؤدي
دورها أوتنوب عنها. والتأليف هورصف الكلمات في سياق يجعل وجودها بهذا الشكل مختلفا عن المألوف، وبالتالي ينتج سياقا جديدا. أما الانزياح فيعني تجاوز الدلالة الصريحة إلى الدلالة الضمنية، التي تخرج بالكلمات والسياق معا عما هومتعارف عليه. كما أنها مستويات تأتي كلها لتأكيد مفهوم الدال المتعالي الذي يرتبط بخصب القراءة، لينتج التعدد اللانهائي للمعنى.

أما مفهوم استعارة النص فيعني عند الكاتب تحول النص من شكله الدلالي العادي الخطابي إلي شكله الجمالي الفني، وهوتطور في الاستعارة، إذ ارتبطت عادة بالكلمة أوبالجملة، لكن الطابع المحدود لكليهما لا يسموبالنص الأدبي إلى الجمالية المطلوبة، بينما استعارة النص فهي وحدها التي تفتح النص على آفاق واسعة للمدلولات غيرالمحدودة الأثر.

ثم نجد أنفسنا أمام مفهومي الإسقاط والإيحاء اللذين وضحهما الكاتب بما يخدم التوجه التفكيكي، فالاسقاط لا يمكن أن يؤدي إلى تعدد للمدلولات ولا يفتح النص على جمالياته المتعددة، لأنه مرتبط بعملية فرض أوإجبار تصور ما على أنه الصحيح المطلق، بينما يبدوالإيحاء فتحا للنص على حوار مع اللغة فيكون النص ذلك النهر الجاري الذي لا ينضب. وهذا يعني أنه يسمح بمساءلة الخطاب واستنطاقه واستقرائه للوصول إلى الدلالات المحتملة.
وقد وجدنا الكاتب يشير في نصه إلى وجود الدلالة الصريحة في جوار مع الدلالة الضمنية، وإن كانت تحتل المراتب الأخيرة، وهذا الرأي وإن كان صحيحا في كثير من النصوص الأدبية، فإنه في بعضها يبدوغير دقيق، فهناك نصوص حديثة أومعاصرة لا تستطيع فيها أن تعول على الدلالة الصريحة ولوفي المراتب الأخيرة، لأن اللغة فيها اتخذت شكلا من النظام لا يبين عن ذلك في أية عبارة من عباراته. واستحضر هنا ما حدث لبول فاليري حول قصيدته (المقبرة البحرية) فقد طرحت أسئلة تحاول أن تفهم ما جاء فيها، أما صاحبها فقد خرج عن صمته ليقول: (إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئا، وإنما أردت أن أعمل شيئا، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما تقرأون.) (4)

ونستطيع أن نتلمس مما جاء في النص النتائج الآتية:

1. أولوية الدلالة الضمنية في النص الأدبي باعتبارها الممثلة لجماليات اللغة فيه.
2. الأبعاد اللامحدودة للدلالة الضمنية والتي تدرك من خلال القراءات المختلفة.
3. نسبة الدلالة الصريحة في النص تؤثر على الحكم عليه.

إن الغدامي في هذا المقال بدا واضحا في طرح قضية الدلالة في النص الأدبي ساعده في ذلك ترتيب أفكاره، ودقة تعبيره، ولغته الجيدة التي لعبت دورا في إبلاغ رؤيته. تم إنه ابتعد عن التحليل الفلسفي الذي يطرحه التفكيكيون عادة، فالمعروف عن جاك دريدا وهومؤسس هذا (المنهج) حريته في ابتكار المصطلحات الجديدة والمعقدة في آن واحد. (5)

لقد استطاعت منهجية الكاتب الوصول بالقارىء إلى الهدف المنشود، بحيث يفهم هذه الاستراتيجية التي هي فلسفية قبل أن تكون أدبية فنية. فالمناهج النسقية تتميز عن السياقية بهذا البعد الفلسفي الفكري الذي يدعونا إلى تفهمه قبل الخوض فيه.

هوامش

(1)/ (2) أزراج عمر. ثلاثة نصوص عن مصطلح التفكيكية. . مجلة التبيين. عدد 6 سنة 1993. ص 25
(3) عبد الله إبراهيم. التفكيك. الأصول والمقولات. منشورات عيون المقالات. 1990 ص 44 و45
(4) د/ عز الدين منصور. دراسات نقدية
(5) أزراج عمر. ثلاتة نصوص عن مصطلح التفكيكية . مجلة التبيين. عدد 6 سنة 1993 . ص 25
بقلم: رمضان حينوني

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى