الأربعاء ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٨
بقلم رانية عقلة حداد

(كسكسي بالسمك).. التمسك بالحلم والهوية

ماذا يمكن للمرء أن يفعل حين تضعه الظروف على عتبة التقاعد دون رغبته... فما يزال قادرا على العمل؟ هل يكتفي بالجلوس والعيش بما يتيحه التعويض التقاعدي أم يبحث عن خيارات آخرى؟ استغناء المدير عن خدماته، فتح باب هذه الأسئلة على سليمان (حبيب بو فارس) بطل الفيلم الفرنسي التونسي "كسكسي بالسمك" انتاج 2007، اخراج الفرنسي من أصل تونسي عبدالطيف قشيش، وقد حاز هذا الفيلم على عدة جوائز مهمة منها؛ جوائز سيزار لأحسن فيلم، وأحسن اخراج، وأحسن نص، كذلك أربع جوائز من مهرجان البندقية وغيرها.

أنماط متباينة

صمت، وايقاع هادئ، وحزن عميق لا يفارق معالم سليمان، ذلك الرجل الستيني، وعامل صيانة المراكب البسيط في إحدى مدن الجنوب الفرنسي الساحلية، منذ أن هاجر إليها من تونس قبل ما يزيد عن خمسة وثلاثين عاما، ونلمس منذ البداية الأولى للفيلم هذا الصمت والايقاع الهادئ حين يصلح بهدوء المركب، وهو السبب المباشر لطرده من العمل، من ثم عندما يضعه المخرج على التوازي مع نماذج آخرى صاخبة من أسرته المنفصل عنها، فلم تتوقف زوجته سعاد عن الكلام وهو يزود أسرته بالطعام والسمك من حين إلى آخر، وكذلك ابنته كريمة المتزوجة تواصل كلامها السريع والناري مع مختلف أفراد أسرتها بينما لا يتفاعل سليمان ولا يتلفظ سوى بكلمات قليلة، وتصل ذروة التباين بين سليمان وأفراد عائلته في المشهد الذي تجتمع فيه أفراد العائلة يوم العطلة في بيت الأم حول الطبق التونسي الشعبي الكسكسي بالسمك التي تمتلك سعاد مهارة خاصة في إعداده، حيث بين العدد الكبير لأفراد العائلة وصخبهم وضجيجهم وايقاعهم السريع في الحديث والأكل يدعمه أسلوب الكاميرا المحمولة باليد، بالمقابل ينتقل المخرج إلى غرفة سليمان الضيقة في النزل الذي يقيم فيه، والتي يسودها الصمت وسليمان يأكل الكسكسي الذي احضره له ولديه وهو شبه وحيد حيث تصبح حركة الكاميرا وانتقالاتها هادئة، إذن يقدم لنا المخرج سبب احتفاظ سليمان بمسافة ما عن أفراد أسرته دون أن يقطع التواصل معهم، من خلال الاعتماد على تقديم التباين في الأنماط؛ الأب وأسرته، وليس على الحوار أو الحدث، وحين نتعرف على لطيفة صديقة سليمان وصاحبة النزل الذي يقيم فيه، وابنتها ريم (حفظية حرزي)، ندرك بعدها سر ارتباط سليمان بهما، حيث تشتركان معه بذلك الهدوء أو بااحرى النمط.

التمسك بالحلم

طرد سليمان من العمل جعله يشعر أنه في المهب وبأن وجوده مهدد، أدرك أنه بعد خمس وثلاثين سنة أقامها في فرنسا لا زال كغريب يحتاج أن يثّبت موطئ قدمه وأن يحافظ على وجوده، فيسعى باصرار هادئ إلى تحقيق حلمه القديم باقامة مطعم عائم يقدم الكسكسي بالسمك، وتدعم خطواته هذه بقوة ريم ابنة صديقته، لكن لا يزال هناك الكثير من العقبات أمام المشروع كي يصبح واقعا، فالمركب القديم المتهالك الذي اشتراها، يحتاج إلى رخص وموافقات ومال للترميم أنها مسألة معقدة، فيقرر أن يستصلح المركب قدر الإمكان، من ثم اقامة حفلة بسيط بمساعدة عائلته واصدقائه وزوجته التي تجيد عمل الكسكسي، يدعو عليها جميع المسؤولين المعنيين من اجل اقناعهم بجدوى المشروع وتيسير أمره.

صورة المرأة القوية

مضى وقت طويل على الحفلة، وبدأ الحاضرون يتضمرون من تأخر تقديم طبق الكسكسي بالسمك، الذي سيحدد مذاقه مصير المشروع، ماذا يمكن أن يفعل سليمان بعد أن غادر ابنه مجيد الحفلة بالسيارة التي تحمل الطعام خوفا من أن يلتقطه زوج عشيقته، فيقرر سليمان أن يذهب على دراجته حيث تقيم زوجته، فتعد كمية اضافية من الكسكسي وتنقذ الحلم من السقوط، لكنه لا يجدها في المنزل فيغادر وحينها يكتشف أن مجموعة مراهقين قد سرقوا الدراجة فيصبح حلمه في مهب الريح، لذا يحاول اللحاق بهم ويستمر في الجري خلفهم في دائرة مفرغة.

تزداد نغمة تضمر الحضور، فتقرر ريم انقاذ الموقف المتوتر، ترتدي بدلة رقص شرقي، وتبدأ في اشغال الحضور بالرقص عن غياب طبق الكسكسي بالسمك، في الوقت الذي لا زال فيه سليمان يجري عبثا لاستعادة الدراجة.

وهنا يقدم المخرج جسد المرأة بشكل مغاير للمألوف، فجسد ريم هنا وهي تتمايل يتجاوز فكرة الاغواء الملازمة للرقص الشرقي، ويكتسب مستوى دلالة مختلف مع البطن البارز والعرق المتصبب، أنه الجسد المرهق الذي يحمل على كاهله عبء المشروع أو الحلم، محاولة مع كل حركة التماسك كي لا تهوي ويهوي الحلم معها.

بالاضافة إلى صورة المرأة القوية المتجسدة بشخصية ريم، يدعم المخرج هذه الصورة من خلال شخصيات نسائية آخرى كشخصية لطيفة مثلا صديقة سليمان وصاحبة النزل، فهي امرأة مستقلة وحرة ومسؤولة تدير عملها، لهذا انتاب سليمان شعور بانه غير مكافئ لها، جعله عاجزا عن التواصل الجسدي معها.

حماية الهوية الثنائية

يمتاز الفيلم بأنه يحمل أكثر من مستوى للدلالة؛ على المستوى الأول هي قصة إنسانية عن معاناة رجل بسيط يمثل الطبقة العاملة، يطرد من عمله، فيقرر أن لا يستسلم ويسعى خلف حلمه القديم، وعلى المستوى الاخر هي قصة فئة عربية مهاجرة منذ زمن طويل إلى فرنسا إحدى الدول الغربية، فتمثل هذه الفئة نموذجا للهوية غير المنغلقة، إنما المنفتحة على ثقافة الأخر دون أن تفقد هويتها الخاصة، وبالتالي هي في الفيلم تحمي هويتها الثنائية العربية والفرنسية، على خلاف ما تطرحه أغلب الأفلام التي تتناول المهاجرين حيث المهاجر منغلق على ذاته وهويته، يعاني العزلة.

تجتمع عائلة سليمان حول المائدة على طبق الكسكسي بالسمك الذي هو جزء من هويتهم التونسية، ورمز لها حمله عنوان الفيلم، وهو من المشاهد المهمة في الفيلم، حيث تتجلى فيه هوية الأسرة الثنائية فهي من ناحية تحافظ على عقيدتها الإسلامية، وتتمسك بقيمة العائلة والعلاقات الأسرية الحميمية والمتماسكة رغم الخلافات والاختلافات بينهم، لكنهم يحرصوا أن يجتمعوا معا أسبوعيا، ومن ناحية هم منفتحين على الآخر، فاحد ابناء سليمان متزوج من روسية وإحدى بناته من فرنسي، يتحدثون بحرية عن علاقتهم الجسدية، لذلك منح المخرج هذا المشهد حيزا زمنيا كبيرا، كما منح مشهد الحفلة زمنا كبيرا أيضا ليظهر تكاتف أفراد أسرة سليمان وصديقته وابنتها وأصدقائه بالنزل معه من أجل إنجاح مشروع العمر الحلم وهو الجزء الخاص بهويتهم العربية فيقدم المطعم مأكولات تمثل جزء من ثقافتهم.

بعد خمسة وثلاثين عاما، يقضيها المرء في المهجر يكتسب قدرا من ثقافة المكان الذي يقيم فيه وكذلك الانتماء اليه، لذلك لم يستمع سليمان لنصيحة ابنه بالعودة إلى تونس والعيش بقية حياته هناك من تعويض التقاعد، إنما التمسك بالبقاء في فرنسا الذي اصبحت جزءا منه ومن هويته – كتونس- بعد أن قضى فيها نصف عمره، إلا أن هذا لا يعني أن الاخر سيتقبله بسهوله رغم هذا الزمن الطويل، فهاهم المدعوون من الفرنسيين في الحفلة يتهامسون فيما بينهم أنه غريب - من غير بلدنا- وهم لا يحبذوم اعطاء المال والرخصة لغريب لذا حلمه يبقى مهددا.

أخيرا امتاز الأداء التمثيلي بالعفوية والحرفية العالية على وجه الخصوص حفظية حرزي ابنة العشرين عاما بدور ريم، وحبيب بو فارس بدور سليمان، ولا يمكن تجاهل الجهد المبذول من قبل المخرج في ادارة شخصياته، والتي حرص أن تحافظ على التلقائية تقارب لدرجة كبيرة الواقع، مقترنة بأسلوب الكاميرا المحمولة باليد القريب من تسجيل الواقع، إلا أنه كان هناك قدر من الاطالة في بعض المشاهد ومنها مشهد الحفلة حيث لو تم اختصار نصف ساعة من الفيلم لم تأثرت جودته.

ينتهي الفيلم وسليمان يهوي على الأرض، بينما لطيفة تعد طبق الكسكسي من جديد وريم لا زالت ترقص، ومصير مفتوح، إنما كان اهتمام المخرج أن يظهر الإصرار على الحلم والمعاناة في المقابل أكثر من النتيجة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى