الثلاثاء ٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٠
همس الشاعر وحزن الشعر في مجموعة
بقلم الهادي عرجون

«لا أشتهي همس السؤال» للشاعر العراقي وليد حسين


ما قبل القول: الحزن (خبز الشعراء) كما قيل عنه، أما الفرح والتفاؤل فهو استثناء. وصدق الشاعر محمد الماغوط حين قال: " ليس الفرح مهنتنا".

فحين يوقظ فينا الشاعر وليد حسين من خلال جديده في كل مرة، رغبة التحدي ويعطينا الوعد الصريح بأننا سنظفر بالجديد والمختلف في طياتها فالشاعر وليد حسين لا يكتب نصه من فراغ ولا يبني نصه على مسلمات، فهو الذي يقود العبارة إلى حيث يريد، كأنه بظل الأمس يرمم نفسه ويجاهد أن يكون حديث الروح من طيننا الحري ليشاطر أوهام الحياة دون حياء ليكابد السنين وهو يحمل ذاكرة الغياب لتطل علينا مجموعته الشعرية التي تحمل عنوان "لا أشتهي همس السؤال"، والتي ضمتبين طياتها ثلاثين قصيدة،والتيصدرت حديثاً عن دار أفتار للطباعة والنشر.

جاءت مجموعة الشاعر بـ: (24) قصيدة من ذوات الشطرين، وست قصائد نثر، تفاوتت أغراضها بين (فكرية)و(وجدانيةشخصية)و(وطنية)و(القصيدة متعددة الاغراض).رغم اختلافهما في صيرورة النوع والشكل في بناء النص الشعري المراد منه نفي تلك الهوة المزعومة بين القصيد العمودي وقصيدة النثر بتماهي الشاعر مع الموروث الشِعري المترامي الأشكال والمضامينوالاغراض. ليتجاوز التصنيف الخارجي للشعر بل يدخل إلى أعماقه وجوهره لندرك أنه ينطلق من منبع واحد ويتغذى من شجرة واحدة فالشعر في رأي هو الشعر مهما تعددت فيه الأشكال والألوان.

كما تتناسق وتجتمع الأغراض في قصيدة واحدة بانسيابية مدهشة. خاصة وأن الشاعر حين يعبر عن خوالج النفس ويتحدث عن تجربة ذاتية يعبر من خلالها عن تجارب وأحاسيس جماعية. فالكتابة الشعرية تستوجب تنوعا في الأسلوب والإيقاع إلا أنها تختلف في تصنيفها من حيث مواضيعها مهما تنوعت الأشكال وتعددت المواضيع فهي تجربة حياتية غير مخصوصة منفتحة على القارئ.

ومن خلال اطلاعنا على عدد من دواوين الشاعر وليد حسين نلاحظ أنها مرتبطة بالواقع وهمومه وقد لمسنا ذلك من خلال المجموعات التالية: (وشم بالذاكرة، صيرورة الماء، أنثى من النارنج، على مرمة حجر)، كما تحمل نظرة معينة للأشياء والأحداث المحيطة بنا، فالوظيفة الأولى للشعر عموما –لاسيما المعاصر-هي التعبير عن الواقع ونقل معاناة الناس وطموحاتهم من خلال صوت الشعر، فجاءت معظم أغراضه كما أشرنا إنسانية اجتماعية وطنية.
(لا أشتهي همس السؤال) مجموعة شعرية تستمد عنوانها من احدى قصائد المجموعة التي حملت ذات العنوان والتي قالها الشاعر في رثاء حادث غرق (عبّارة الموصل) في 21 مارس من عام 2019. والتي شبهها بسفينة نوح التي نجتْ من الغرق ولكن عبّارة الموصل لم تنجُ. والتي يقول في مطلعها:

"كأن عبارة الحدباء ما ارتحلت
يوم التقينا بنوح
كيف تخترم...؟
بأبحر إلى القاع لن تنجو بحاملة
من ذا يغادر دربا...؟ و الطريق دم"

فحملت هذه القصيدة معاني الفقد والالم والحزن والتفجع، هذا الحزن الذي يظللنا بسحابة سوداء قاتمة انعكست على صفحات الديوان فبدا معجم الحزن والألم طاغيا وهذا ليس جديدا على شعراء عصرنا، يقول الشاعر وليد حسين في نص (أيها الولد):

"أقمنا حدادا طويلا
نسمو بجراحاتنا المعلنة
والمدفونة تحت حافات المدن المنهوبة
منذ حروب
دفاعا عن أمة مترعة بالموت
فيكتب التاريخ
قابعة تحت الوصايا
تعيد رسم خارطة قابيل في قتل أخيه"

وكذلك قوله في نص (يا طول بؤس المبعدين):

"تتمرد الفوضى … بأذنابٍ وشرذمة جُدٌد
وتسارعوا من كلً "دمج" كم أخلوا بالعدد
كانوا سماسرة الحروب وحسبهم ذاك المددْ
فتهافتوا مثل اللصوص على التماعات اللبدْ"

والتي بدا فيها الشاعر يتألم لحلات الفوضى السياسية التي يعيشها الوطن، وهو بذلك يحاول أن يكتشف الواقع الملموس والتعبير عنه بكل ما في هذا الواقع من حزن وألم ومآسي فهو يعبر عن معاناة وطنه وما يعصف به من آلام وأحزان.

كما لا يفوته في نص (لا عيد لنا) الحديث عن (مجزرة سبايكر)التي ارتكبت بحق أبناء هذا الوطن والتي راح ضحيتها الآلاف من الشباب تركوا الحسرة والألم في القلوب ذويهم:

"وعن عيون مغرورقة
بالنحيب..
تحتضن شواخص الموتى
تقيم عزاء صوريا
و عويل الثكالى..
و هن يستحضرن أبناءهن
في تحرير المدن اللامحررة
وسبايكر..
يضج في مقبرة السلام
ويشير إلى خزي الحكومات المتعاقبة
و هنا ..أم
تلتحف قبرا
بالبخور و ماء الورد
تصرخ..
بكل عذابات السنين القابعة
أمام العرابين
من تجار الحروب الشاسعة"

ومع هذا فالشاعر يجعل من الحزن بابا للدخول إلى الفن والإبداع وهذا ما عبر عنه في إحدى حواراته:" كلما ازداد هذا العراق العظيم صخباً ووجعاً ازددنا شعراً وتألقاً لأن الشعر يولد من رحم المعاناة ويستطيع ان يمد مجساته لكل شاردة وواردة ليخلق صورا جميلة " (1) وهو ما يجعل شعر وليد حسين يولد من رحم المعاناة، فالشاعر يتألم ولكنه يحول هذا الألم إلى فلسفة شعرية.

فالشعر المعاصر كما عبر عنهاسماعيل عز الدين:" وفي شعرنا المعاصر استفاضت نغمة الحزن حتى صارت ظاهرة تلفت النظر، بل يمكن أن يقال إن الحزن قد صار محورا أساسيا في معظم ما يكتب الشعراء المعاصرون من قصائد " (2).

ففي هذه المجموعة (لا أشتهي همس السؤال) يطرح القارئ سؤال، أي سؤال لا يشتهيه الشاعر ونصه قد شحن بجملة من التساؤلات، يتمنى الشاعر أن يجد لها جوابا مقنعا. فالمجموعةكلها مكتظة بالأسئلة المتنوعة تخلّلت القصائد ما بين أسئلة فلسفية ووجودية، رمزية وذاتية وغيرها من الأسئلة.

"أليست صلاة...؟
لو توسم شاعر
و إن حديث الوحي نقر مهذب
فأين دعائي...؟
إن تعلق ماجن يمازح
دون الفهم إياك...نرغب
وأين امتداد الضوء...؟
لو غاب مقمر
وكان لنا طل من الليل يحجب"

فالشاعر يكرر أخطاء الماضي ويعيد إنتاج الاسئلة دون وعي:(فهل ينجيكم معتصمُ...؟ / هل يغريكم تهم؟ / هل يرسو بسحنته...؟/ ماذا نريد...؟ وغيرها من الأسئلة). لذلك تراه يحاول ترميم نفسه وذاكرته في نص (أرمم نفسي) حين يقول:

"مثلك أنا
ممعن بالطعنات
حد الغي
أكرر أخطاء الماضي
و أعيد إنتاج الأسئلة دون وعي"

ولكن مع كل هذا الترميم للذاكرة فهو ما يزال يبحث عن ذاته التي اثقلتها الذاكرة والتفكير المستمر في هذا الوطن،فهو ابن تلك الأرض التي ما جف ضرعها، حتى أنه تمنى أن يكون بلا رأسٍ، يقول في نص (...):

"أنا ابن تلك الأرض
ما جف ضرعها
صبرنا وعند الفيء يرديك مخلب
سأبحث عن ذاتي ووجه لعلني
أقيم بلا رأس..
و ذلك مكسب
و أسعى بعيدا مذ تخلف وامض
و أروع ما في الغيث
يمضي ..ونشرب"

وفي خضم هذا الثقل الفكري، لا ينسى هموم الأمة الإسلامية، حيث يقول: في نص (منفرداً والكون حولك) التي بدأها بسيرة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام:

"أبدعت في رسم الصحاري...أسلمت
مدن لتعلو من سناك قبائل
تختار آلاف العصور بفكرك
المنظور حتى شيدته أوائل
فأقمت ثقلا مستفيضا..ذاك حبل
ما تنز لمن مرادك طائل
و إلى مدادك ألف جيل يبتغي
سبلا ليغرف من محيطك سائل"

ثم عرج فيها إلى رثاء الدين الإسلامي الذي كان يسود العالم بفعل دعاة الإسلام او الأصح دعاة الفتنة، حيث يقول:

"لا شيء يشبه يومنا ولقد عدونا
من جيل مثقلين...نماطل
من ألف عام نستبد وحسبنا
قوما بحجم اللات حين نفاضل
كم أجهش الباكون عند لقائنا
لكنهم في الحادثات قلائل
فتعفنت بعض الجباه و ساءها
إنا أفقنا... بئس عبد غافل"

كما حملت المجموعة عدد من النصوص التي تحمل مشاعر وعواطف ذات طابع صوفي وقد قيلت في سيرة الإمام علي كرم الله وجهه كنص (يا سيد الصبر الجميل/ وجاهد أن يكون/ ولنا عيون ترتقب) ونص (ولديك ذاكرة الغياب) التي يقول فيها:

يا كاشف الأيام ويح كل متقل
إن السبيل إليك نهر مشرع
لابد أن أجتاز بعض موانع
سدت نفاذ الصفح فيما تقذع
و أعود من حيث التقيتك كالندى
حلما شفيفا في انثيال... يودع"

وفي خلاصة القول يمكن القول بأننا عندما نتعامل مع شعر وليد حسين لانتعامل معه كونه شعر مفرد مفرغ من كل معانيه ودلالاتهالجماعية، فالهم الإنساني من أول أولوياته، فهو يعبر عنالألم والوجع المسيطر على فؤاده في الظاهر ولكن هذه المشاعر لم تكن فردية ذاتية بقدر ماهي انعكاس لما يمر به الوطن على نفسية ذات الشاعر فهو يعكس لنا حالة واقعية يجسدها تارة ويخفيها تارة أخرى في طيات النص. فشعره قد أفرز لنا جملة من العواطف الكامنة في نصوصه بدت صريحة تارة وخفية تارة أخرى تقودنا إليها موسيقى الشجن والفرح لتحملنا على أجنحة المعنى من حزن إلى فرح ومن فرح إلى حزن، ليجعل قارئ المجموعة يشعر بالصدق الذي يرمي الشاعر بثه في القارئ عن طريق العزف على أوتار الروح والوجدان والعواطف.

كما يمكننا في النهاية القول بأننا ارتأينا أن نتصفح مجموعة " لا أشتهي همس السؤال" ونتناولها بالدرس لا من خلال جبة الشعر العمودي التي ألبسها لها وليد حسين في أغلب قصائد المجموعة ولكن من خلال الغوص في الشعر بما هو شعر دون تصنيفه أو تبويبه والنظر إليه على أنه رؤية إبداعية وعمق شعري متأصل في بنية الروح والمملوء بالشجن والحزن الذي تميزت به أغلب قصائد المجموعة.

حوار قصي خولي جريدة الحقيقة العراقية العدد الصادر 29 أوت 2016.

عز الدين اسماعيل:(1929-2007) ناقد وأستاذ جامعي مصري.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى