الخميس ٢٠ أيار (مايو) ٢٠١٠
بقلم بديعة الطاهري

ليلة رأس السنة 

  1-حلم 

كنا صغارا وكنا نسمع بليلة رأس السنة.لم يكن كبار السن منا يفهمون معناها ولكن منهم أكبر منا بقليل يبيحون لأنفسهم الاحتفال بها. رأسي الصغير يومها كانت به بعض الصور عن ليلة الميلاد اقتنصها من التلفزة الإسبانية التي كانت تبث صور الحلوى والشوكولاته،وأشجار الصنوبر المزينة بالأضواء الملونة مرصوصة قرب المدفئة .الثلوج تغطي الخارج و الأمطار بزخاتها تداعب النافذة ولا تدع لها مجالا للرؤيا. الهدايا متراصة.لم تكن تأسرني الهدية بقدر ما كان يستهويني الورق الملون الذي يلفها بعناية فائقة….شكلها وهي هناك والصغار والكبار ينتظرون فتحها.

كثيرا ما منيت نفسي بليلة عيد الميلاد.كنا نقترح على والدي فكرة الاحتفال بها وكنا نواجه بزجر لم أكن أفهم معناه.وكنا نكتفي بالحلم بليلة رأس السنة.

البرد القارس يزور المدينة كل فصل.والأمطار تغرق الأحياء والبيوت.وبدل الحلم برأس السنة كنا نستيقظ ليلا باحثين عن مؤوى يلملمنا درءا للفيضانات التي تهدد الحي.
كل سنة يتصدر الصحف حديث عن ليلة رأس السنة.

إعلانات،وعروض،وحفلات... 

2- هدية رأس السنة 

لم أكن أتخيل أنني سأحصل على هدية رأس السنة،

معارفي وأهلي لا يعرفون هذا التقليد،

حتى كلمة سنة سعيدة لا ترد في قاموسهم،

هي الأخرى لم تعرف رأس السنة،

لكنها ولا بد أنها كانت تمني نفسها باحتفال فاخر،

من منا يكره الاحتفال، 

تقدم ببطء أمدها بشيء كروي ملفوف بورق غير عاد....

كانت فرحة بالهدية.

أخبرها أنها ليست لها. عليها أن تأخذها إلى أصحابها

- أين ؟

- هل سنحتفل بالعيد كعادتنا ؟

- اذهبي واحتفلي هناك.

كيف ستكون المفاجأة بالاحتفال؟:

أم ثكلى

زوجة أرملة

شاب مقطوع الذراعين

أشلاء مترامية

لم تكن تحلم بليلة مثل هذه.تراجعت فكت الخيط الرابط للهدية،

هرولت إليه خائفة.

مدت الهدية إليه من جديد

قالت: أكره ليلة رأس السنة. 

3-عام جديد
 
كنت أحلم أمني نفسي لو أستطيع فتح التلفاز لألج داخله وأحتفل برأس السنة.قلت لما لا أركب البحر ساعات قليلة وأنا هناك للاحتفال.

كان الماء باردا

قلت فلأتحمل، بعد قليل سأكون أمام المدفئة.
فجأة هبت رياح عاتية وانقلب الزورق الذي كان يؤوينا وضاع الاحتفال برأس السنة 

4-السنة الثالثة 

لبست المعطف الصوفي أكملت إقفاله وهي تهرول.لبست الحذاء الأسود ذا الكعب العالي.وقفت أمام المرآة تصلح جمال وجهها. لم تعد فاتنة كما قبل.بدأت بعض التجاعيد تبدو على الوجه الذي تجاوز الأربعين.تأبطت حقيبتها.وتيقنت من أن قارورة الغاز قد أطفأت.خرجت متحاشية نظرات الجارات المتأففات.ركبت أول طاكسي قادم وتوجهت كعادتها نحو البحر. لم تعد تراه كما من قبل ممتدا. اصطفت المقاهي والمطاعم والحانات.اعتادت منذ مدة على ارتياد هذه الأماكن.لم يكن الأمر في البداية يكلفها وقتا طويلا لتبحر في عالم اللذة المتجدد.وقفت يوم راس السنة طويلا.تخيلت نفسها في طابور طويل تملأه فاتنات في مختلف الأعمار 15-20-30-40- إنها في نهاية الطابور.

التفتت وراءها فإذا به ما زال ممتدا تقف فيه نحيفات،وأخريات ترهلت أجسامهن رغم ما بذلن من جهد للمحافظة على القد الوسيم. انتظرت دون مبالاة. تقدم نحوها بعد عناء الانتظار في جلبابه الأبيض المترهل وعمامته البيضاء يجتر كرشه الممتد أمامه.
صعدت السيارة دون تردد..

جرائد الصباح تتحدث عن أجواء مرور رأس السنة

جريمة قتل بشعة ليلة رأس السنة

لم يتم التعرف على الجثة بعد

امرأة تجاوزت الأربعين

أمعن في التلفاز أمني نفسي بليلة رأس السنة.تمتد الحروف أمامي بدايات إلى ما لا نهاية: س، ن، ت.....

انتهت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الدكتورة بديعة: أستاذة باحثة من المغرب

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى