الثلاثاء ٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

مبروك أنت حامل

نظر إليها الدكتور مبتسما وقال لها:
  مبروك أنت حامل.
عبست وقطبت حواجبها، لم تصدق ما سمعت، سألته:
  أأنا حامل؟
  نعم حامل، ألا يسعدك هذا الخبر؟
شعرت كأن صخرة هوت عليها، سرحت قليلا وتساءلت: (هل أنا في حلم أم في يقظة؟)، سألت الدكتور لبيب مرة أخرى:
  أأنا حامل؟ هل أنت متأكد؟
  غريب سؤالك، هل كنت تتعاطين جبوب منع الحمل؟
  لا ولكن لم أتوقع...

لم تكمل الحديث، دفعت الحساب وحملت نتيجة الفحص وغادرت إلى طبيب آخر.
كانت طوال الطريق متوترة الأعصاب، من غير المعقول أن تكون امرأة مثلها حامل.

(كيف أكون حامل؟ زوجي مات منذ 10 سنوات، لم أعرف رجلا بعده، لا أحد يسكن معي في البيت، ابني الوحيد متزوج ويعيش مع زوجته منذ 5 سنوات كيف أكون حامل؟!)

كانت دهشتها أكبر عندما أكد لها الطبيب الثاني أنها حامل.
  مبروك يا ميرفت أنت حامل.
كادت تنهار لولا أن تماسكت في اللحظة الأخيرة، سألت الطبيب:
  سؤال قد يبدو سخيفا، كيف تحمل المرأة دون أن تكون متزوجة؟
استغرب الطبيب سؤالها. نظر في وجهها، كأنه عرف سر استغرابها وقال:
  الحمل لا يكون إلا بتلقيح البويضة بالحيوانات المنوية فإما أن يتم ذلك بالاتصال الجنسي، أو من خلال الزراعة.
فقالت له:
  ولكني يا دكتور أرملة منذ عشر سنوات، ولم أعرف رجلا بعد زوجي، فهل أنت متأكد؟
لم يصدق الدكتور ما يسمع. كلهن يقلن ذلك ليدارين فضائحن، لكن مهنته تقتضي منه معالجة الموقف بترو. فقال لها:
  ما تقولينه محير قليلا. اسمحي لي أن أوضح لك أنا ليس من مهمتي التدخل في خصوصيات الناس، فأنا لست مفتي المدينة ولا واعظها الديني، لكن إن لم تقومي بالزراعة من أجل الإنجاب فمن غير المعقول أن تكوني حامل بدون رجل إلا إن كنت مثل مريم العذراء.
غضبت لجوابة، احمر وجهها وقالت:
  أقسم لك أنني لم أعرف رجلا سوى زوجي. ماذا سيقول عني أهلي الآن، أرجوك أعد التحليل مرة أخرى.
  يا ست يا محترمة، أنت حامل ولست بحاجة لتحليل مرة أخرى. لكن يبدو أنك متعبة، أنا أقترح أن تذهبي إلى الطبيب أحمد الدحاني، وهاك كرته.
نظرت إلى الكرت (الدكتور أحمد الدجاني، أخصائي الأمراض النفسية....)
  يا دكتور أنا لست مجنونة!
  لماذا تقترضين أنني أحسبك مجنونة؟! هذا دكتور علم نفس قد يساعدك في اكتشاف بعض الأسرار في حياتك تسببت فيما أنت فيه.
وعندما اعترضت قال لها:
  لدي مراجعون مرضى ينتظرون في الخارج، أرجوك انتهى وقتك.

خرجت ميرفت تلعن الدكتور والمختبر ونتيجة الفحص الطبي. كانت خاضبة لدرجة كبيرة.
  من أين جاء هذا الحمل؟ لا أصدق كيف أكون حامل وأنا أرملة منذ عشر سنوات؟ من سيصدقني؟ هل سيقتنع أهلي بذلك؟ هل سيقتنع ابني الذي تزوج قبل عامين ورحل عني؟ ماذا سأقول للناس؟ من أبوه؟ لالالا، أنا لا أصدق أبدا. أنا لا أريد أولادا أصلا في هذا العمر.

أمر محير فعلا، امرأة تعيش وحدها في شقة صغيرة بعد أن رحل عنها ابنها إلى بيت الزوجية. تعمل في النهار مدرسة في إحدى مدارس الطالبات الثانوية وتعود مساء إلى البيت.
ليس لها علاقة بأي رجل، ولم تسمع لأحد باقامة أية علاقة معها.

نظر إليها الدكتور أحمد الدجاني، بعد أن استمع إلى تفاصيل قصتها، وأجابت على كل أسئلته، قال لها:
  أنت أمام حالين لا ثالث لهما، إما أن أحدا اعتدى عليك وأنت نائمة، وإما أنك فقدت الذاكرة جزئيا.

فقالت له بعد أن سمعت كلامه:
  أعوذ بالله، فقدت الذاكرة؟! لم أفقد شيئا.
ابتسم وقال لها:
  اسمعي يا ميرفت فقد الذاكرة المؤقت موجود بين الناس ولا يشعر به المريض، وهذا المرض يصيب المريض نتيجة حادثة معينة فيفقد الذاكرة، مؤقتا جزئيا، ربما ينسى كل ما حدث معه في الشهر الماضي، أو السنة الماضية أو أية فترة زمنية لكنه يتذكر كل شيء قبله. وحتى نتأكد من ذلك يجب أن أجتمع مع أحد أقاربك لكنك تريدين أن يبقى الخبر سريا لذلك دعينا نبدأ بالاحتمال الأخر.
  احتمال الاعتداء؟
  نعم، أنا أقترح عليك أن تعملي على تركيب كاميرات سرية في بيتك ونراقبي البيت لفترة شهر مثلا.
  كاميرات وأين ستضع الكاميرات؟
  في مدخل الباب، وفي غرفة النوم.
  في غرفة النوم؟ لا أقبل أن يتجسس علي أحد وأنا نائمة.
  سيدة ميرفت. مهمتي ليست التجسس، لكنها جزء من مساعتدك في الحل حتى لا تضطرين إلى ما هو أبعد من ذلك لن نربط الكاميرات بجهاز تسجيل لدينا، سنترك الجهاز في البيت. سأحضر شخصيا عندك لنشاهده معك كل يوم.

وافقت ميرفت على ذلك الاقتراح وقبل أن تغادر قال لها الطبيب أحمد:
  تصرفي بشكل طبيعي، لا تلبسي ملابس مختلفة بسبب كاميرا التسجيل، البسي نفس ملابس النوم التي تلبسينها دائما وسأرسل لك غدا من يركب الكاميرات.
سيكون عندك مساء وسيتصل بك قبل حصوره للتأكد أنك في البيت.

احتارت ميرفت في قدرها وأخفت الأمر عن كل من حولها، قالت في سرها:
  لماذا أنتظر كل هذا؟ يجب أن أجهض فورا! سأموت قهرا؟ ماذا لو كنت قد فقدت الذاكرة؟
هل يمكن أن يحدث ذلك؟ أأكون على علاقة مع رجل وفقدت الذاكرة عن الفترة التي عرفته بها؟
لا لن أفكر بهذه الطريقة!
أيكون الله قد جعلني حامل لحكمة لا أعرفها؟ هل أحمل في بطني جنينا نبيا؟
ما هذه الأوهام يا ميرفت؟ يجب أن أجهض الجنين فورا.

كان الطبيب أحمد يحضر إليها مع ممرضته، حتى لا يثير شكوك جيرانها، يفحص الشريط لوحده بسرعة وعندما لا يجد شيئا يغادر البيت.
الخجل كان يغطي وجهها بسبب مشاهدة الدكتور أحمد لها وهي نائمة قال لها:
  يا ميرفت، الطبيب يضطر أحيانا للكشف عن جسم المريضة عارية لمعاينة مرضها، فلا تشعري بالخجل أنا أقوم بواجبي المهني.

بعد حوالي أسبوعين، حصلت المفاجأة، كان الوقت عند منتصف الليل، فتح مجهول بالباب بمفتاح لديه ودخل البيت، كان يلبس قفازا ربما كي لا يترك آثار بصمات يديه على أي شيء. كان الدكتور أحمد يراقب ذلك وحده لم ينادي عليها أثناء انشغالها مع الممرضة. تسلل الشاب إلى غرفة نومها، كان الدكتور أحمد يراقبه من خلال الكاميرا الثانية، دخل البيت دون أن يهتم بصوت الباب أثناء فتحة، أو صوت حذائه كأنه يعلم أنها نائمة نوما عميقا. توجه نحوها، اقترب منها رفع عنها اللحاف، بدأ يتحسس جسمها، بعد ذلك أخرج شيئا من جيبه رش به أنفها قليلا ثم خلع ملابسه، وبدأ يضاجعها كأنه لم ير امرأة من قبل. بعد أن انتهى، لبس ملابسه مسح آثار جريمته على جسمها أعاد إليها ملابس نومها، غطاها وخرج.

قال لها الدكتور أحمد، أريد أن تدققي النظر في هذه الصورة وأوقف الشريط عند صورة المجهول وهو يدخل البيت، لم يرد أن يصدمها مرة واحدة، قالت له:
  هذا ابني يا دكتور، ابني الوحيد.
  ومنذ متى غادر البيت؟
  منذ عامين.
  وهل كان يسكن معك من قبل؟
  نعم، لكنه ابني، أتشك في ابني؟!
  لم أقل ذلك، لكن هل لدية مفتاح البيت؟
  لا منذ خرج أعاده لي.
  سيدة ميرفت. متى تستيقظين كل صباح؟
  السادسة صباحا ما عدا ايام العطلة المدرسية.
  ومتى تستيقطين في أيام العطل؟
  أحيانا التاسعة وأحيانا لا أدري ماذا يحصل أستيقظ بعد الظهر.

أعاد الدكتور الشريط إلى الوقت الذي دخل فيه ابنها البيت وقال لها دققي هنا ما يحدث.
يفتح الباب، يدخل ابنها بالقفازات، يسحب المفتاح من الباب، يغلق خلفه بهدوء.
قالت باستغراب:
  من أين له المفتاح؟

دخل غرفتها، كانت نائمة وعندما اقترب منها وأطبق عليها لم تصدق ما يحصل انهارت على الأرض.
استنجد الدكتور أحمد بالممرضة، واضطر إلى استدعاء الإسعاف لنقلها إلى المستشفى لتكون تحت مراقبته المباشرة. منع عنها الزيارة وقرر وضعها في غرفة خاصة وحدها.
كانت ميرفت كالمجنونة، تمنت بعد أن تذكرت ما شاهدته لو أنها فعلا تفقد ذاكرتها عن الأيام الماضية فلا تعود تتذكرها!

اتصل الذكتور أحمد بابنها وائل بعد أن حصل على رقم هاتفه من ملف مريضته. وطلب منه الحضور إلى عيادته لأن أمه مريضة، وطلب منه أن لا يزعج أحدا لأن زيارتها ممنوعة.
  أمي مريضة؟
  منذ متى؟
  تعال وستعرف كل شيء.

كان وائل خائفا أن يكون قد حصل لها مكروه مما حصل ليلة أمس. أتكون قد شعرت بشي؟ أتكون قد تأثرت من المخدر الذي أخذته؟
لا يمكن فقد مر على ذلك خمس سنوات.

استقبل الدكتور أحمد وائل بابتسامة وطمأنه أن والدته بخير لكنها مصابة باكتئاب نفسي ربما نتيجة وجودها وحيدة في البيت. وقال له:
  لا تقلق ستراها بعد قليل فهي الآن تحت تأثير المخدر.
  أي مخدر؟
  المخدر الذي أعطيناها إياه لتهدأ أعصابها.
ارتاح وائل لرد الدكتور فقد اعتقد أنها لا تزال تحت تأثير المخدر الذي دسه لها.
سأله الدكتور:
  متى زرتها آخر مرة؟
  يوم الخميس.
  قبل يومين؟
  نعم.
هل تذكر الوقت؟
  تقريبا عند المساء.
  وهل كانت زوجتك معك؟
  لا كنت لوحدي.
  هل جلست لفترة طويلة؟
  ربما ساعة شربنا معا كأس شاي وغادرت البيت.
  وهل أعدت لك الشاي بنفسها؟
  ما هذه الأسئلة يا دكتور؟ متى سأراها؟
  سيد وائل هذا لمصلحة والدتك.
  لا أنا الذي أعددته بنفسي.
  ألم تعد إلى البيت بعد ذلك؟
أحس وائل هنا بخطورة السؤال.
  لا لم أعد.
  ألديك مفتاح لشقة والدتك؟
ا_ زدادت سخونة الأسئلة.
  دكتور هل أنت محقق؟ أريد أن أرى أمي.
وبدأ يصرخ، فقال له الدكتور بهدوء.
  حسنا ستراها بعد أن تشاهد معي هذه اللقطات وتقول لي ردك عليها.
شغل الدكتور أحمد الشريط على شاشة كبيرة واضحة.
البيت بيت والدته لا أحد في البيت، منتصف ليلة الخميس صباح الجمعة هدوء، ظلام يلف المكان، فجأة يفتح الباب، يدخل وائل....

لم يصدق أن صورته قد سجلت، لا يريد أن يرى البقية فهو يعرف ماذا حصل، يعرف بقية الحادث، يقول للدكتور بغضب:
  ما هذا الذي تعرضه علي؟
  انظر، ها أنت تدخل غرفة نوم أمك!
  أمي وكيف تتجرأ أن تصور أمي في ملابس نومها؟
  انظر، من هذا الذي يطبق على أمك؟
يضرب الطاولة بيده، يقف ثائرا، يبدأ بتكسير الشاشة.
  لا أريد أن أرى، لا أريد أن أرى.

يهجم عليه الدكتور أحمد ويستطيع السيطرة عليه بمساعدة أحد الممرضين في العيادة. يدخل إلى الغرفة بعد أن استدعاه الدكتور أحمد.
يوقف الدكتور الشريط، يطلب من الممرض مغادرة الغرفة، ثم يسأل وائل وقد بدأ عليه الانهيار.
  لماذا فعلت ذلك؟
لم يجب، يبدأ بالبكاء، يغطي وجهه بيديه، كأنه طفل صغير، فجأة يبدأ بالحديث:
  أنا مجرم، سافل، منحط، أستحق الشنق، أستحق القتل.
قال له الدكتور أحمد:
  هل تعرف أن أمك حامل؟
  أمي حامل؟ مني؟
وبدأ يضرب رأسه ووجهه بيديه.
 اقتلني، أرجوك، سلمني إلى الشرطة.
صمت فجأة ثم سأل:
  هل رأت أمي الشريط؟
  طبعا ولهذا انهارت.
  يا لحظك يا وائل؟
  أتريد أن تراها الآن؟
  نعم، لا، لا لا ليس الآن، أراها؟؟ ماذا سأقول لها. دكتور ماذا ستفعل الآن؟ سلمني إلى الشرطة.
  وهل تعتقد أن هذا كاف لكي تعود أمك إلى وضعها الطبيعي.
  لا أفهم.
 أنت الآن قضيت على أمك بقية عمرها، فهي بعد أن تعتقلك الشرطة ستكتب عنك الصحافة ويعرف الناس، وستعاني أمك من الفضائح. ابنها اغتصبها، ابنها عاشرها معاشرة الرجال. هذا إضافة للصدمة النفسية التي أثرت على توازنها، هل تعتقد أنها سهلة على أم أن ترى ابنها يغتصبها.
كيف كنت تفعل ذلك؟ ماذا كنت تضع بالشاي؟
 كنت أضع لها قرصا منوما وأتركها لأعود ليلا وأنا متأكد أنها لن تستيقظ.
 وما الذي كنت ترشه عليها؟
 كنت قبل الحادث أرش عليها غازا منوما إضافيا لكي أضمن أنها لن تستيقظ.
  ألم تفكر أنها قد تموت يوما ما؟
  الشيطان، لعن الله الشيطان.
  الشيطان؟ دع الشيطان وحده. كم من الجرائم نرتكبها نحن البشر ونلقي اللوم على الشيطان.
نظر إلى الدكتور أحمد وقال له:
  هل هناك طريقة إنقاذ أمي من الحمل؟ وإخفاء الشريط؟
  هل تريد أن تمر جريمتك دون عقاب؟
  لا لا أقصد لكن كما أشرت في حديثك فإن الشرطة التي ستعاقبني لن تساعد أمي في شيء.
  وما الذي يساعدها إذن؟
  أن أنهي حياتي بيدي.
  كيف؟
  سأنتحر. أرجوك امنحني يوما إن لم أعد إليك ولم تسمع خبر انتحاري بلغ الشرطة، لا أحد يسمعنا الآن. إنه العقاب الإلهي وأقل ما أستحقه من عقاب لكن لتعد لأمي بعض كرامتها، قل لها إنني أحبها، قل لها إنني نادم، نادم، نادم، مجرم، سافل، حقير....
  حسنا، سأنتظر لبعد غد لأراك هنا. إلى اللقاء

في اليوم التالي كانت الأخبار تذيع نبأ انتحاره، ولم تصل الشرطة إلى السبب الحقيقي للوفاة. عندما علمت أمه فقدت السيطرة على نفسها. وظلت أسيرة مستشفى الأمراض العقلية، كانت الصدمات المتلاحقة أكبر من قدرتها على التحمل، بعد شهر من الحادث أجهضت حملها واستراحت من عبء سلب منها بقية حياتها.

حزن أفراد أسرتها على الوضع الذي ألم بها، وكان أكثرهم حزنا أخوها الكبير الوحيد الذي عرف السر من الدكتور أحمد وظل يكتمه في صدره ولم يطلع عليه أحد.

أما زوجة ابنها، فقد أثر عليها غياب زوجها، ولم يتحمل أهلها وجودها مع ابنها الجديد عندهم. فأجبروها على الزواج من رجل متزوج، أجبرها بعد فترة التخلي عن ابنها إلى أهل أبيه لكن أهل أبيه لم يهتموا به، ولم يسألوا عنه ورفضوا حضانة الطفل وكذلك أهل أم زوجها فاضطرت إلى النازل عنه لدى أحد ملاجئ رعاية الأيتام.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى