الأربعاء ٢٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨
حياة سابقة

مجموعة قصصية جديدة لعلي القاسمي

إبراهيم أولحيان

يواصل الكاتب العراقي المقيم في المغرب، علي القاسمي، كتابة القصة القصيرة، ضمن مشروعه الخاص والمتفرِّد في بناء عوالم سردية أوّل ما يثيرنا فيها الاحتفاء بالحكاية وتفاصيلها؛ الحكاية بنغمتها السحرية التي تشدّ القارئ وتورِّطه في الانخراط في مجموعة من العلاقات والمصائر، وأيضاً تضعه أمام امتحان الاختيار، كقوّة وكفعّالية تحافظ عليها نصوصه القصصية الخادعة ببساطتها، وبلغتها الأنيقة؛ لكنها، مثل جبل الجليد العائم في البحر، ما تخفيه أعمق وأقوى مما تظهره. واستعارة البحر هي الدلالة القريبة عن كنه هذه القصص، وهو ما جاء، أيضاً، في عنوان إحدى مجاميعه السابقة، " صمت البحر".

إنها لعبة الهدوء والهيجان؛ فما تريد القصة أن تصل إليه يشتغل من الداخل، سواء على المستوى الشكلي أو على مستوى الأفكار والمضامين. وما يُعتمَد من معرفة وثقافة ذات شمولية، تتصادى، في كثير من الأحيان، مع أفكار الكاتب وآرائه المهيمنة على دراساته وأبحاثه الأكاديمية. وكلُّ ذلك يشتغل لينسج عالَماً قصصياً بنكهة خاصة، لأنّ الكاتب رسم طريقاً وأصرّ على المضي فيه دون الاكتراث بما قد يعيقه. فهو، على ما يبدو، لا يهتم بما يُنتَج حوله من قصص. وهذا لا يعني أنه لا يتابع الإنتاج القصصي في العالم العربي وخارجه، بل يكتب وهو مُوزَّع في التفكير بين شجرة أنسابه وبين القارئ الذي لا يريد أن يُضيّعه، جاعلاً منه نقطة الضوء التي توازن كتابته واستمرار إبداعاته السردية.

وسواء اتفقنا معه في تصوّره وذوقه أم لا، فإنه يصرّ على أن الكتابة عامةً، والقصة القصيرة على الخصوص، لا بُدَّ أن تؤسِّس لمجموعة من القِيم الإنسانية، وتنخرط في الوجود الإنساني بشكل إيجابي، وتعكس التحوّلات الفكرية والاجتماعية؛ بمعنى أن تبحث عن سمو القارئ وسعادته، من خلال تفكيك مصائر عديدة، وعلاقات متشابكة، وسط عالم مضطرب تحكمه الخيبة والخسارات الفادحة.

وتأتي مجموعة علي القاسمي القصصيّة الخامسة " حياة سابقة " من داخل هذا المشروع وتشكّل استمراريةً له، بكل مكوِّنات القص التي عهدناها عنده، والحضور القويّ للتيمة التي تستحوذ على مجاميعه السابقة، ونعني بها تيمة الفقدان. ولكنها تتجلى في هذه المجموعة وتتمظهر بشكل آخر، وضمن عوالم يمكن أن نقول عنها أنها تستثمر الأجواء الغرائبية، للكشف عن الخبيء من المشاعر والأحاسيس والرؤى، منشغلةً بالجانب النفسي الذي يتحكّم في سلوك الإنسان، ويوجّه حياته، ويساهم في تدميره أو في بنائه.

" حياة سابقة " مجموعة قصصية تختلف عن "رسالة إلى حبيبتي" و " صمت البحر" و " دوائر الأحزان" و " أوان الرحيل"، في أنها لا تركِّز على تيمة واحدة: الغياب ـ الحب ـ الحزن ـ الموت؛ بل تحتوي على نصوص تبدو متفرقة، لا تحمل هاجس المجاميع السابقة، أي المحافظة على تيمة بعينها. لكن هذا ينبغي ألا يخدعنا، لأن ما اعتبرناه تيمات متباينة ما هي إلا ظلال تيمة واحدة يمكن تسميتها حقيقةً بتيمة الفقدان، وإنْ كان اشتغال الكاتب عليها مختلف عمّا سبق.

" حياة سابقة" مجموعة أخرى يحكي فيها القاص علي القاسمي هذا الفقدان من زاوية أخرى، مركِّزاً على شخصيّات معيّنة ذات أبعاد نفسيّة شديدة التعقيد، تعيش قلقها الخاص، وتخوض تجاربها الذاتية بحثاً عن "حقيقة" هذا الوجود، ليس في حياتها الراهنة فقط، بل والمغامرة للقبض على المنفلت في تفسير كينونة العالَم في حياة سابقة أو لاحقة.

صدرت " حياة سابقة " هذا العام 2008 عن دار الثقافة في الدار البيضاء في 152 صفحة تضم سبع عشرة قصة. وزيّنت غلافها الأمامي بلوحة من المنمنمات للفنان المغربي عبد الكريم الوزاني الحسني، واشتمل غلافها الخلفي على نص مقتبس من مقال للناقد المغربي إدريس الكريوي نشرته مجلة " عمّان" مؤخّراً بعنوان " اشتغال الحواس في قصص يحيى حقي وعلي القاسمي"، جاء فيه:

" إن المصادر والثقافات التي يستقي منها القاص علي القاسمي إبداعه القصصي ـ فيشكّله نمطاً خاصاً به لا يقاسمه فيه أحد ـ عديدة ومتنوعة ومنتقاة بعناية فائقة؛ وهي أحياناً بادية للعيان يستطيع المتلقّي أن يضع إصبعه على مصدرها وأصلها إذا أوتي ثقافة عامّة، أو قد يرشده الكاتب نفسه إليها بأن يذكر صاحبها في ثنايا القصّة أو مطلعها أو يورّي بخصوصيات أسلوب صاحبها؛ وهي جامعة بين الفلسفة والتأمُّل والتصوّف والأدب ومدارسه النقديّة والتاريخ والفكر والشعر والقصة والموضة والمسرح والسينما والمعلوميات والحضارة والعولمة.

وهذا الكم الهائل من المرجعيّات التي تؤثِّث فضاء القصة، مفردةً أو في إطار مجموعة عند القاسمي، قد يتحوّل إلى مذهب وقناعة واتجاه وأسلوبِ كتابة، فيتبدّى لك أحياناً (موباسياً) أو (محفوظياً)؛وقد تختلط في قصصه أمشاج متباينة من هنا وهناك، شرقاً وغرباً في الآن ذاته، فيتشبّع بمطالع سومرست موم، وفجائيات فاغنر، وعلميّة زولا، وعبثيّة كامي، وبساطة وتوثيقية الكتّاب ذوي الحساسيّة الجديدة الذين يلتقطون الذهب والقراضة والنفاضة من سلّة واحدة، ولكن بملاقيط متعدّدة تمسك الدقيق والسميك أيضاً."

إبراهيم أولحيان

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى