الأحد ٨ آذار (مارس) ٢٠٠٩

معنى الحياة

بقلم: د. حليم أسمر

في البداية لا نستطيع أن ننظر إلى الحياة إلا من معبر الجسد الحامل لها والمحدد لاحقاً لمعانيها أي من خلال تجربتنا الشخصية في هذا الإطار، أي من الجسد إلى الحياة.. أو من المادة (الوجود) إلى الحياة (الموجودات)، وهكذا ندخل في صميم العمق الذي نريد أن نوضحه وعبر تاريخ الفكر الإنساني:

وهذا أيضاً يجعلنا نتوجه إلى تجربة الحياة عبر الإنسان المثلث (جسد وروح ونفس) وهذه النواحي الثلاث بدونها لا ذات إنسانية واعية أو انفعالية أو فاعلة عبر التاريخ .

أنظر إلى الحياة من مدخل الوعي العامي عبر مراحل:

الحياة الإنسانية: ابتداءً من الحياة الانفعالية ووصولاً إلى الحياة الفاعلة والحياة المبدعة عبر سيرورة الفعل التي بدونها لا معنى للتغير والنمو. فبهذا النمو والتغير نصل إلى الحياة الواعية انطلاقاً من خصوصية الذات الإنسانية.

هكذا نحن ننطلق من الحياة البيولوجية الأولى والتي من خلالها نثبت لاحقاً كل مستويات حياتنا الأخرى ، وعلى هذه القاعدة الأولى نتغير وعلى المستوى الإنساني والذي من خلاله نستطيع أن نقول لاحقاً إننا "أنوات" أو "نحن".

فنحن عبر سيرورة النضج، لابد من أن توضح معنى الحياة بشكلها الأمثل ابتداءً من صورها وحالاتها ولدينا وصولاً إلى الصورة الأكمل والأجمل وبهذا تبدأ تجربتنا في الحياة لإعطائها المعنى الأكمل من خلال التجارب والحدود القصوى أي الحدود التي تصنع حداً للحياة والمقصود تجربة الحرية والإبداع والمصير والموت والحرب !.

السؤال عن معنى الحياة : هو سؤال يفجر غاية في التمرد وغاية في التخطي وأحياناً هذا السؤال مخيب للآمال لما في هذا العالم من حروب ومجاعات ومشاكل إنسانية . في النهاية كله يعود للحياة ومن الحياة والى الحياة لكن أية حياة ؟ الحياة يصورها العليا والدنيا وهذا السؤال يجعلنا ننفتح من جانب الآخر على مشكلة الثلوث والذرة والسباق المتجدد دائماً للسيطرة بكافة أشكالها ...
سؤال ما الحياة؟ هو سؤال العصر المفجوع لعولمة لا مثيل لها في أي فترة غابرة . سؤال يحمل موته بين تضاعيفه لأن ما يقابله هو سؤال ما الموت؟ والتضاد الفاعل ما بين الموت والحياة ، ويغدو الموت من المنطلق الذي نؤسس له نوع، حياتياً، خالٍ جامد رديء!

والتطرف إلى فائدة الإنسان عبر التاريخ الفكر – المبدع يجعلنا نقف مذهولين أمام مستويات فعل حياته من خلال :

1- المستوى المعرفي "العلمي"

2- المستوى الأخلاقي

3- المستوى الجمالي

هذه المستويات الثلاث يحول أن يبني مجتمعات وعبر صيغ وأليف ومدونات تليق به و بتحيده العقلي ، فمن خلال المستوى المعرفي حاول وعبر تاريخي الحضارات أن يؤنسن العالم ويقدمه بصور تجسيمية ورمزية وحتى افتراضية معاصرة ومن خلال هذه الصور رصد حضور الإنسان المعرفي بهذا العالم ، نستطيع أن نستعرض من مكونات العصور الحجرية (القديمة والحديثة) على صعيد الواقعية والرمزية التجريدية (العقلية) وصولاً إلى الحواضن والمكونات التاريخية المعرفيّة للشرق القديم بحضارته الأكادية، البابلية، الأشورية، الكنعانية، الفرعونية، الهندية، الصينية) وكل هذه الحواضن تنبئ عن عمق فعل الإنسان العقلي الواعي، والعملي البرغماتي، على صعد متنوعة ومتعددة .. فتعاظم أسرار الطب والتحنيط عند الفراعنة لا يقل عنه بل يزيد إبداع البابليين الهندسي والعمارة التي تدله على مدى حضور المفاهيم كالزمان والفراغ وبالإضافة للدقة الهندسية وبناء الزقورات والأبراج ..... يقابل هذا الأمر الصيغ الأخلاقية الأولى من خلال بوادر الصيغ القانونية التي حاولت أن تضبط سلوك الإنسان ونتائج فعله ، بهذا يكون المستوى المعرفي والأخلاقي يؤهل مستوى الجمال الذي حول الإنسان القديم أن يفرغ كل المعاني التزينيّة والجمالية ... وعلى هذا الإيقاع الثلاثي الإبعاد رصد سيرة الإنسان وحضوره من خلال إعطاءه وإضفاءه على الحياة معنى يليق بها وبذاته .... من هنا "أعمالنا هي التي تعملنا" وقدمنا إلى سيرة الخلود ومتابعة الخلق في العالم.
ومن خلال سفر الحياة لابد من التطرف إلى معنيين : فعل "الكون" وفعل "الملك" وأن ننظر لطبيعة الحياة من خلال هذين الفعلين :

1- على صعيد الكون:

أنا أنفتح على اللانهائي اللامحدود وكلما كنت كما أرتقيت بآفاق لا نهائية فعندما سأل موسى (كلمة الله) الله : من أنت ؟ أجاب الله : أن الكائن . وبهذه الكينونة أنفتح على آفاق الإبداع والتخطي والاكتمال أنا أكون هذا يعني أنا موجود أرسم حياتي من خلال حريتي المبدعة المنتجة لآفاق التكون والتعيين الإنسانيين .... أن أكون تعني أيضاً أني غني ثري. أنا أكون تعني أنا موجود ، فاعل ، ومحب وبهذا الحب انقل إلى الآخر باختلافه عني وبخصوصيته بآخريته وقبول كل تجاربه ومعاناته وخبرته وهكذا قيم اكتمالي بحضور الآخر وكينونته بكياني وبتجربتي ....

2- على صعيد الملك:

مع هذا الفعل أنطلق على نهائيتي وعلى محدوديتي وفقري الببيولوجي "دعوني بحالي لحالي مع حالي " هذا شعار هؤلاء ، مع الملك أقيد موجوديتي بصور وطلبياتها جاهزة وأبقى ضمن شعار الآخر عدوي أو جحيمي أو إرهاب لي ، أنا أملك، أنا فقير ، معوز ، أخفي نقصي من موقع بيولوجي أولي غير واضح المعالم ... فتملكي المرضي يشوهني ويجعلني في دائرة اللاسواء الجسدي ، والنفسي والمعنوي الحياتي .....

لكن لا بد من الإشارة إلى الدخول والخروج من مجال كل من الفعلين السابقين نسبي وأحياناً صعب لأننا في أغلب الأحيان عن أولاد العادة والراحة والاسترخاء وهذا ما يناسب فعل الملك أما في الكون احتاج لقدرات عالية المستوى والدقة وتحتاج إلى بيئة تصعيدية للانفتاح عليها... وهنا أنا أكون "يتخطى" "أنا أملك" لكن يبقى أنا أملك مقدمة "للأنا أكون"..... وهنا نجد أنفسنا وجها لوجه مع مفهومي "الفرد" و"الشخص" الفرد يتناسب مع "أنا أملك" والشخص مع "أنا أكون" أي :

الفرد = الملك = قاعدة أولية للشخص

الشخص = الكون = نتيجة تخطي الفردية

وهكذا تتلون الحياة بين الفرد والملك وبين الشخص والكون .

ولنبدع ونتحرر ونكون . وأكون فاعلاً وأملك منفعلاً !!

بقلم: د. حليم أسمر

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى