السبت ٢٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٤
بقلم حسن لمين

مفهوم الوصف عند العرب والغربيين

سنحاول في هذه الورقة البحثية التعرف على ماهية الوصف في الثقافة العربيـــة القديمة، وكيف تصوره بعض النقاد العرب القدماء، ثم بعد ذلك سنسلط بعض الضوء على مفهوم الوصف في المنظور الغربي.

إن الدارسين العرب قد عرفوا الوصف من وجهتين: الأولى معجمية حيث يعني "وصفك الشيء بحليته ونعته " (1)، أما الوجهة الثانية فهي اشتقاقية حيث يدل فيها الوصف على إظهار الشيء وإبرازه، فقد قيل: " قد وصف الثوب الجسم، إذا نم عليه ولم يستره "(2).

وقد مارس الشعراء القدماء فن الوصف وأبدعوا فيه منذ العصور الجاهلية الأولى، وتركوا وراءهم مادة تغري بالدرس والبحث، غير أن النقد العربي القديم ومنذ تبلوره في القرن الثالث الهجري لم يعر أي اهتمام لهذا الوصف، ولم يتطرق في تأملاته النظرية إلى جمالية الوصف وخصائصه ووظائفه التبليغية.

ويعتبر قدامة ابن جعفر اول النقاد العرب الذين تطرقوا إلى مسألة الوصف، ويرى أن الوصف كي يتحقق، ويبلغ غايته لابد من توفر عدة شـروط أهمها أن يكون "سمحا، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة" (3).

وإذا تأملنا في تصور قدامة، نجد أنه تناول الوصف من الوجهة البلاغية واللغوية، ولم يتوقف عند جماليته ووظيفته في النصوص الأدبية، غير أن قدامة نجده في موضع آخر يتدارك الموقف، وينتقا بالوصف من مفهومه اللغوي الضيق محاولا أن يصل به إلى مستوى المصطلح النقدي حيث يرى أن "الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الحوال والهيئات. ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني كان أحسنهم وصفا من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها ثم بأظهرها فيه وأولاها حتى يحكيه بشعره ويمثله للحس بنعته "(4).

ويعتبر هذا التعريف لقدامة بن جعفر من أقدم التعريفات للوصف في تاريخ النقد العربي، وهو تعريف دقيق جدا، إذ اعتبر الوصف الجيد هو الذي يستطيع أن يلم بكل تفاصيل الشيء الموصوف، والقادر على محاكاته وتمثيله حتى ينقله للقارئ أو المستمع كما.

ونفس التصور نجده عند ابن رشيق القيرواني حيث يرى أن الوصف هو "ما نعت به الشيء حتى يكاد يمثله عيانا للسامع"(5). يعني أن الشيء الموصوف للسامع فكأنه يراه أمام عينيه أو ماثلا ومتجسدا أمامه.

إن الوصف عند العرب ولفترة طويلة كان أحد ميادين الشعر الأكثر خصوصية وخصوبة، حيث يمكن ملاحظة وبسهولة طغيان الوصف على معظم الأنواع والفنون الشعرية القديمة المختلفة، غير أن النثر لم يعط اهتماما كبيرا للوصف، بل ركز بشكل كبير على السرد لذكر الحوادث والأفعال.

والوصف في النثر العربي القديم يبدو في معظم الأحيان بدائيا أوليا يعتمد المبالغة والتضخيم كسمة عامة ودامغة، كما يتجلى ذلك واضحا في سيرة عنترة وحكايات ألف ليلة وليلة، باستثناء فن المقامات إذ يتخذ الوصف موقعا موازيا أو مساويا لموقع السرد من حيث كليهما يؤديان الهدف البلاغي التعليمي الذي سعت المقامات لبلوغه

كانت هذه بعض اللمحات الخاطفة عن مفهوم الوصف عند العرب. أما إذا انتقلنا إلى حقل الثقافة الغربية فإن أول تعريف نقف عنده هو تعريف معجم روبير حيث إن الوصف هو"استحضار شخص ما او شيء ما كتابيا أو شفويا، والوصف يضاد التعريف، فهذا يكون للمفاهيم والأفكار وذاك يكون للأحياء والأشياء المحسوسة"(6)، ونجد أصحاب منطق رويال يتطرقون إلى الوصف المنطقي ويرون أن "الوصف ليس في دقة الحد لأنه تعريف بالصفات العرضية اللازمة للمعرف المميزة له عن غيره"(7). من خلال هذا التصور نستنتج أن وظيفة الوصف ليست هي الإشارة إلى المألوف والمعروف بل توضيح المجهول، ومن خلال هذه الرؤية أيضا لايتجانس الوصف فقط مع عملية السرد التي تطرق عالم التخييل وتهدف من خلال الأحداث والشخصيات إلى الإثارة الفنية والجمال الأدبي، بل إن الوصف يصبح هدف هذا السرد ذاته الذي يتوسل به لتشكيل عالمه وتعيين الفاعلين فيه.

ويمكن القول إن الوصف عند الغربيين وكما هو الشأن عند العرب لايكون مستقلا بنفسه او منعزلا، أو آخذا مكانته في الكلام وحده، ولكنه يقوم بفضل علاقته مع مكونات اخرى. ويعتبر منظر المذهب الكلاسيكي في فرنسا نيكولاس بوالو من الذين ركزوا على أهمية الوصف، فقد دعا في كتابه فن الشعر إلى" سلوك سبيل الإيجاز لدى السرد وسبيل التفصيل والجزالة لدى الوصف"(8). وكان شعاره ونصيحته للمبدعين الكلاسيكيين هو "كونوا شديدي الإيجاز إذا سردتم، وشديدي الإطناب إذا وصفتم"(9).

ومن هنا يأتي اهتمام الرواية الواقعية الفرنسية بالوصف واحتفالها به، بل جعلته من اهم خصائصها الأساسية. فيكفي أن نذكر في هذا المقام رواية مدام بوفاري لفلوبير، ورواية الأب كوريو لبلزاك من أجل البرهنة على ذلك.

هكذا نكون قد أنهينا هذه الإطلالة المختصرة عن هذا المكون الأدبي الجميل الذي هو الوصف، على أن نعود إن شاء الله في مقال آخر لنتطرق إلى شعرية الوصف الروائي حيث سنتناول بشيء من التفصيل تجليات الوصف ووظائفه وآليات اشتغاله وعلاقته بالسرد.

هوامش

ابن منظور. لسان العرب. دار لسان العرب. بيروت
ابن رشيق. العمدة في محاسن الشعر وآدلبه ونقده. المكتبة التجارية الكبرى. مصر. الجزء الثاني. صفحة 292
قدامة بن جعفر. نقد الشعر. تحقيق كمال مصطفى. مكتبة الخانجي. القاهرة. 1963. صفحة 62
قدامة بن جعفر. مرجع سابق. صفحة 134
ابن رشيق. مرجع مذكور. صفحة 294
نقلا عن عبد الملك مرتاض. في نظرية الرواية بحث في تقنيات السرد. سلسلة عالم المعرفة. عدد 240. دجنبر 1998. صفحة 288
نقلا عن سامي سويدان. أبحاث في النص الروائي العربي. طبعة1. مؤسسة البحاث العربية. 1986. صفحة 132
نقلا عن عبد الملك مرتاض. سبق ذكره. صفحة 289
نفس المرجع. صفحة 289


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى