الأحد ٤ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٠
الموت والحياة في المجموعة الشعرية
بقلم الهادي عرجون

"مقبرة على قيد الحياة" للشاعر منير عليمي


تحضرني الآن قولة لإبراهيم الكوني:"الموت ضيفنا الذي نعلم أنه سيأتي، ولكننا نحتال عليه كي يتأخر".

فالحياة التي غمست مخالبها في قلب الشاعر منير عليمي تجلس الآن في روحه العارية، اختارت له من المهن أن يبحث عن تعريف للموت في مقبرة شاغرة أو بار ردئ يطل على أرجوحة ممزقة و ذاك الطفل الذي يعيش بداخله يكتب على الحائط"الأرجوحة، مشنقة تعيش طفولتها و الأغصان اليابسة، نعوش في طور التشكل و أحلامي، مقبرة على قيد الحياة"(ص51) لتكون عنوان أوّل مجموعة شعرية له صادرة عن دار ميارة للنشر والتوزيع سنة 2018 و التي ضمت بين جوانحها 26 قصيدة بين التفعيلة و النثر في 96 صفحة من الحجم المتوسط، اختار الشاعر تقسيمها إلى أبواب ثلاثة (مقبرة اليأس... بابها الأمل - مقبرة الحب... بابها الحب) و آخرها (ما تبقى في مقبرة الحب) و هي عبارة عن قصيدة وحيدة كما قدم المجموعة و كشف خطوط رؤاها الأستاذ شفيق طارقي.

ننطلق من عتبة العنوان"مقبرة على قيد الحياة"الذي شدني كثيرا لما فيه من إيحاءات، ولكن الملفت للنظر أكثر وانطلاقا من واقعنا جعلني أستحضر عادات وممارسات أندلسية قديمة لأهالي مدينة"تستور"الواقعة في ولاية"باجة"شمال غربي البلاد التونسية، حيث أنهم شيدوا مقبرة للذين لا يزالون على قيد الحياة. وتقع هذه المقبرة الفريدة من نوعها، والمخصصة للأشخاص الأحياء، في ساحة"النّارنج"أو ساحة"برتقال اشبيليا"المعروفة بقدم تاريخها العريق، وهي مقبرة قديمة تتميز بقبورها الفارغة.

فالشاعر منير عليمي الذي يرسم جغرافية المكان ويحدد زمن مرور القارئ أمام عتبات نصه لا يكتب من فراغ، بل يبحث عن كينونته وذاته الشعرية التي عبر عنها في إحدى حواراته كتعريف للشعر يقول فيه"أمّا الشعر فهو، كائنٌ أرحب يعيشُ داخل الكون ويمتدّ إلى خارجهِ وبالتّالي هو مسيّر كلّ شيء ولا يقفُ أي جنس أدبي بمعزلٍ عنه"، وهذا يتضح جليا في التصدير الذي وشحه بقولة لأدونيس:"مات عارفا جميع الطرق، إلا واحدة: تلك التي تقوده إلى نفسه"وكذلك لمحمود درويش:"أنا أول القتلى، وآخر من يموت"(ص7).

"الشعر تجربة تولدُ أبدية من البداية أو حاملة نعشها معها؛ فـالشاعر الحقيقيُّ هو من يولدُ ساعة موتهِ...-كما يضيف -أن الشعر هو الحياة لأنه لا يؤمن بموت الإنسان، فإذا آمنتُ بموت الإنسان الذي لا يكفُّ عن الاحتضار، سأتّجه مباشرة إلى الرّواية كي أكتب عن موتهِ"(صحيفة العرب حاوره محمد ناصر المولهي) هكذا تحدث عن تجربته و عن الشعر و بهذا يفتح لنا باب المجموعة و نوافذها التي فتحت بابها للموت للمعاناة و لكن للتعبير عن الحياة.

فالمتأمل في مجموعة"مقبرة على قيد الحياة"يلاحظ معجم الموت بكل مترادفاته ومعانيه (الموت-القبر- القبور – النعش- الجثة- الجنازة- الكفن- شاهدة- دفن- كفن- مقبرة- ميت...) الذي طغى على صفحاتها التي بدت كشواهد لقبور تحمل روح الشاعر و أرواح من مروا من الحياة إلى الموت و من الموت إلى الحياة، فتكرر لفظ (الموت) مثلا جاء قرابة 38 مرة ليصبح الموت مجرد فكرة:

"أفكر في الموت مثل ملاك يرى الله أرجوحة
أو حكاية شيخ عن الأنبياء اليتامى
وعن فارس سوف يأتي صباحا
لينزع عنهم وشاح الطفولة
ثم ينام...
أفكر في الموت في جرح طير
تشرد في جوع إفريقيا
تاركا عشه فارغا في الهواء...
أفكر في الموت خارج أغنية الخلق
أن أكتفي بكتابة شاهدة من ضباب
وأمشي وحيدا معي كي أرى جثتي
فكرة..."(ص34-35).

وهنا نقف عند عبارة التكرار حيث نلاحظ أن الشاعر في زخرف نصه اعتمد على تكرار العبارات والألفاظ (الموت – الحلم – الحزن...) والتي يمكن اعتبارها تعبيرا نفسيا لا شعوريا أخذ من هندسة الشاعر الروحية التي تنكشف فيها"رحلة الشاعر التي هي رحلة المعنى إلى الشاعر لا رحلة الشاعر إلى المعنى"على حد تعبير صلاح عبد الصبور، بتناسق وغايات ساهمت بدورها في تشكل الصورة من منطلق ذاتي منفتح على رؤيا كاشفت بين الواقع والخيال لتعبر عن تجربة ذاتية خاصة تنبثق من شقوق اليأس ليفيض الأمل.

ولكن هذا الموت عند الشاعر لا يعدو إلا أن يكون بداية للحياة ومنبع السعادة وروح الانطلاق نحو العالم"سعداء لأننا سنموت في النهاية"(ص41). ولكن في بعض المواضع يستعمل لا النافية ليعبر عن وضع وصراع داخلي لديه وينفي تفكيره في الموت (أفكر في الموت)، يقول (ص33):

"أنا لا أفكر في الانتحار على تلة
أو على صخرة تتألم من فرط وحدتها.
لا أفكر في جثتي وهي تحملني نحو دمية أمي
التي أوقدت شمعة خلف نافذتي
لتسيج وحدتها في غيابي
أنا لا أفكر في تعازي الرفاق الذين سيمشون حفاة
ويرمونني بالحصى كي أصير جدارا ولو ساقطا...
لا أفكر حتى بمن سوف يحفر قبري"

ليشعل قلب المتقبل حزنا تجسد في عبارات وظفها الشاعر لخدمة نصه و تعبيرا واضحا عن حالات الحزن و القلق الذي يعيشه (كي يهشم حزنه-كي يسيج حزنها-الحزن فاكهة الحقيقة- في حزن قابلة حزينة- عن الحزن واليأس والحانات- في حزن شاعر يجلس في زنزانة). ولكن هذا الحزن لا يخلو من الحب

فـ"الحب لا يسطو على قلب ليأخذ نبضه"(71)، ولا يملك حجة الإنصات للأعشاب لتتدخل لا النافية مرة أخرى وتفتح بابها لتغدق علينا بعبير أوصافها عن الحب ذلك الحب الذي أخرجه في صورة مغايرة للمألوف الحب الذي يجلس في المقاهي كي يدخن ويركب الميترو ويأكل في المطاعم وهو ذلك الحب الذي لا يأتي من الأعلى ولا ينمو بأرض:

"الحب لا يأتي وحيدا،
كي نفكك شكله...
الحب لا يأتي ليرحل...
لا يبالغ حين يمشي في شوارعنا
حزينا...
لا يبالغ حين يبكي عند صدر مدينة مذبوحة
يجتاحها بدموعه
لتصير أجمل...
لا يغني دون أن يبكي
يحاول دائما أن لا يصير بداية
أن لا يصير نهاية"(ص67).

ليبزغ الأمل، أمل الحلم الذي بدا يطفو كقبس في ظلمات المعاني والألفاظ التي غطت ستار الأحلام التي زرعت في هذا الوطن فتحولت إلى مقبرة شاسعة ليتحرر الشاعر من نفسه ليتمرد على قيود الكتابة الشعرية ويولد من رحم المعاناة فـ"الواقع الذي لا يتحمم بسلسبيل الروح لا يتحول إبداعا"كما قال إبراهيم الكوني.

ليترك أخيرا التفكير في الموت ويطرق باب الأمل ليبحث عن الانعتاق، وهو يرسم أجنحة الموت ويرسم أحلام الطفولة المنسية في حائط نائم ليأخذ صورا مع الحزن تخليدا للفرحة، فالحلم صار ملاذا للعيش لاختيار صورة يختارها لا تختاره لأن الحلم صار موتا ومطاردا من الشاعر:

"كلما عانق الموت أحلامهم
كلما سمع الطين صرخة طفل يفتش عن دمية
أهدرت صوت أمه
في آخر الليل
وهي تبحث عن لون دمعتها
كأنك تحلم.. أنك تكبر في كفن...
لن يقلك يوم القيامة...
لن يخلع الناي عن شفتيك كأنك تحلم أنك تحلم في حلمها
تزرع النور في أهلها."(ص 28).

لتصبح الأحلام مجرد كفن يعانق الموت و لكن في الآن نفسه يبحث عن تعريف للموت ليداعب جسد الموت و يشكل أحلامه:

"مهنتي...
أن أبحث عن تعريف للموت
في مقبرة شاغرة أو بار رديء
يطل على أرجوحة ممزقة
وطفل يكتب على حائط
"الأرجوحة، مشنقة تعيش طفولتها
والأغصان اليابسة، نعوش في طور التشكل
وأحلامي، مقبرة على قيد الحياة..."(ص51).

و هذا يعيد إلى الذاكرة موقف الشاعر الأنقليزي جون كتيس (John Keats) الذي يمكن أن نسميه شاعر الموت المفتون الأكبر، فهو يقول في احدى قصائده:"الشعر و المجد و الجمال أشياء عميقة حقا و لكن الموت أعمق الموت مكافأة الحياة الكبرى".
فالشاعر منير عليمي مع كل هذا يسقط الموت على الحياة والحلم على الواقع فتزدحم الآهات في فناء النص وتمضي إلى مفارقات ومشاهد تؤسس للمختلف وتقطع مع السائد في تأسيس أبنيتها سواء كان النص من نص التفعيلة أو من قصيدة النثر التي تبين أنه لا يوجد لهوة بين الأساليب الشعرية بمختلف أنماطها و بأنها مجرد هوة مفتعلة.

وفي الختام يمكن القول أن رؤى و أنفاس الشاعر و المترجم منير عليمي تلامس ظلال الواقع و تسبح في خيال نبيذ الشعر، و هو ما يفضح خصوصية الكتابة و تفرد قطع النص كأنها قطع زجاج أو صرح ممرد من قوارير يلهب زفير الكلمات و يفتح لنا أبواب التمعن والبحث في الواقع بكل مآسيه و حالاته (أحزانه و أفراحه) و هي تجربة متفردة كما عبر عنها الأستاذ شفيق الطارقي بقوله:"إنها تجربة فذة، و واعدة، حمالة بواكير، تؤسس للمختلف و تقطع مع السائد ديدنها الصدق في الأداء، و وعي متجذر بأدوات الكتابة وبمرجعياتها..."(ص10).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى