ميادة الحناوي على رصيف قطار الغناء الحديث
على رغم أن عمرها لم يبلغ عتياً، فإن المغنية ميادة الحناوي تبدو آتية من زمن مضى. باتت تُحسب في عداد مغني الجيل السابق، جيل الستينات والسبعينات من القرن الماضي. فمن هو المسؤول عن هذه الصورة الخاطئة، والى أي حد تتحمّل ميادة نفسها أوزار التخلّف عن الركب الغنائي العربي الجديد؟ ... ثم لماذا لم تعد موجودة إلا في ردود الأفعال الانفعالية على هذا وذاك وتلك ممن ينتقدها من المغنين والمغنيات الذين هم أنفسهم يدركون مَن كانت ميادة في مرحلة الثمانينات الذهبية بالنسبة إليها، لكنهم محقون في السؤال عنها أو تقديم ملاحظات حولها؟
كانت ميادة حناوي نتاج مرحلة هي ملتقى مرحلتين في الغناء العربي: إنها الصوت الذي شرب من نبع الأغاني الطويلة وقدّم فيها إضافات جدية مقرونة بأسماء كبيرة على رأسها بليغ حمدي، لكنه أيضاً الصوت الذي شهد زمنه طفرة بالغة القوة في اتجاه الأغنية القصيرة. وبعدما كانت الأغنية الواحدة تحمل مجموعة حالات عاطفية نصاً، ومجموعة حالات موسيقية في أداء مكثف التعبير، باتت الأغنية الواحدة لا تحمل إلا حالة خاطفة من العاطفة العاجلة بالإيقاع السريع الذي بدا وكأنه يسابق الريح... ريح المقاييس المنقلبة والمجهولة التي ضربت عالم الغناء العربي ككل...
لم يكن سهلاً على ميادة الحناوي التي نَفَحها بليغ حمدي أجمل أغانيه تأليفاً وتلحيناً بعدما ضاق أمامه هامش الأصوات الكبيرة التي يستطيع أن يستسلم فيها لتراكيب الألحان الملوّنة، أن تنصاع للأغاني القصيرة التي غلب عليها منطق «الكلمة ورد غطاها»، أو «النوتة ورد غطاها»... لا أكثر. لكنها قبلت التحدي وخاضته مع ملحنين بارزين فيه هما عمار الشريعي وصلاح الشرنوبي، وعبر أغانٍ عدة، بعضها نال رضىً جماهيرياً واسعاً. إلا أن الجمهور، في معظم فئاته التي اعتادت ميادة مغنية أغانٍ طويلة، ظل على شوق لميادة تلك، لا لميادة الجديدة بأغنيتها القصيرة، من دون أن يكون هناك سبب واضح يكشف القصة وما فيها: هل الأغاني القصيرة كانت ضعيفة عموماً فلم تعطِ صاحبتها مساحة لدى الجمهور «الجديد»، أم أن شخصية ميادة «الجديدة» لم تكن موضع قبول ذلك الجمهور؟ وبمنحى آخر: هل ان ميادة لم تتمكن من التكيُّف مع الوقائع والمعطيات والظروف الموضوعية التي حلّت بطبيعة الجمهور، إضافة الى طبيعة الإنتاج الغنائي؟!
لقد تمكنت المغنية وردة الجزائرية مثلاً، من تجديد ذاتها الفنية عبر نمط غنائي آخر شكّل هزّة كبيرة في الوسط الفني العربي كله ابتداء من «بتونس بيك»، وعاشت ما لا يقل عن عشر سنوات إضافية من النجاح والازدهار من حياتها الغنائية العامرة قبل أن تصاب بمرض لعين أخَّر حضورها وكبحه. فلماذا لم تسعَ ميادة الى تجديد ذاتها الغنائية بطريقة ما؟ وهل حاولت ولم توفّق؟ وهل ستبقى غير موفقة الى أجل غير مسمى؟
والغريب أن كل هذا «كوم»، وعدائية ميادة الحناوي تجاه الجيل الجديد من المغنين والمغنيات في العالم العربي «كوم» آخر: عدائية مفرطة، تبدو أحياناً بأسباب واضحة، وأحياناً نتيجة تراكمات نفسية تجعلها تنظر الى بعض الناجحين والناجحات وكأنهم يتعمدون استفزازها أو إثارة حفيظتها وهم لا علم لهم بشيء مما تشعر به، فكيف إذا قال أحدهم عنها كلمة أو ملاحظة؟
لم تستطع ميادة الحناوي اللحاق بقطار الأغنية العربية الحديثة (ليس بالضرورة السيئة)... فقالت: إنه سيئ!
