الاثنين ٢٨ تموز (يوليو) ٢٠٠٨

ميتامور فوز

بقلم: إسماعيل واري

خلف الأيام، والأيام تشابه ليلها نهارها عنده، لم يعد يفرق بين النجم والشمس، كلاهما سيان، في الحقيقة.

إن بارح مكانه، وداست قدمه الطرق المشتعلة، والحانات الملتهبة، لم يدرك أنه فقد جغرافيته، وتجاوز قدره مناحات مختلفة بعضها منه، والأخر سيصير جزءا من ذاته المتوحدة في أفكاره.

ربما أصبح ينفثها مع الدخان الذي يحترق معه، وتحترق فيه أحلامه الموصولة بالوهم، والعادات السيئة القديمة في الطفولة المنسية.

كان من أولئك الذين إن تكلموا، فتر القول عندهم، واقتحمتك بلاغتهم، وشممت سرا مدفونا في الحروف والكلمات، التي إنبجست من دواخلهم، وأصبحت ترى وكأنك لأول مرة تشاهد شخصا طعنته سكاكين الكلام، في خاصرة كرامته، ينزف، ينزف. حتى انفضت من حوله تلك العيون، التي و إن رأت تصف كل شيء بالأبيض والأسود.

يجلس في نفس الوقت، يشرب قهوته، على نفس الكرسي، يطالع نفس الصحف، في نفس المقهى، تتهجأ عنده الأسئلة، لا تفتر كبكاء طفل، أو ربما كنميمة تسري عاوية في الآذان.

لم يدر لماذا تربط المواعيد بينه، وبين هذه الكراسي الشائخة في ألوانها مثله، وهل الكل يشرب أفكاره السوداء، لونه.

يقول إن الألوان تغيرت، والصيف فقد حرارته، يراه ولا يحس به، قرأه وهو خلف نافذته المسجية بمزهرية، جفت ورودها، كانت مثله تفوح بألوانها، قبل أن ينضب ماؤه، يحبها فقتلها في الربيع، الذي لم يعد يتذكر اسمه.

وكان يوما تذكر فيه الرفاق القدامى، وأسماء الوجوه المرسومة على جدران الحي في الدروب الملتوية داخل ذاكرته، يعيد تشكيلها بكل لحظاتها، لم يفلح، أدرك أن – فان ﯕوخ- ترك معاهد الفنون الجميلة، وظن أنه قد وجد ضالته، أن يعد الأرقام، لا يهم لمن تكون المهم أنه منذ الكتاب إلى الكلية، تعلم الحساب، حتى غدا رقما، لا يدخل ضمن المعادلات، بل في إحصائيات المخافر، وفي سجلات الإعانات لدى هيئات الجوع، والفقر ، والتنمية،........

يضحك ويبكي، كل ما يحب لفيروز من أغانيها.

لا يقترب من أحد، حتى ظله لا يدنو منه، يشعر بخيانة العزلة له، التي ملته، وتركته لتبحث عن نفسها مائة سنة، وقبل أن تصل، كان يتشكك من مفردات الأشياء، وأسباب نزولها ، طقسه صوفي، قريب من التشوف، وبعيد عن تجليات الإحلال في ذكر الإعلال، المنبلج من فلج الوهج عند الحلاج.

غيبي أقصى ما يمكن، و ناسوتي إلى حدود المستحيل. ذلك أني وجدته، كما تجد الصدفة من لا ينتظرها، هائما مع الريح، يراقب عيون ظنها تخرج في موعدها من البحر، حوريات أم نسوة، حلم بهن في وعيه ، وهن ينكرن زيف ادعائه، أن قميصه قد قد من دبر . ظنها غواية آلهة آثينا، لزيوس في محكمته، وهو يؤول الحلم. اجتاحته شطحات بوديه، في حضرته داخل زاويته، كان يردد :

يالنوراني المسيح
يالخابل في النور المريح
برد جمر الولفى
يالهايم ؟ الدايح
في وجه النبي راني نايح
علة قلبي ليما يشفى

زلت قدمه في الموت، عند نسغه، والتشفي حبكة، الزمن في مولده، صار إفكا سرمديا، غائرا في تيهه، والتيه عنده مجرة لا تضئ نجومها التي أفلت حينها هوى، أو هي خالفته الوعد. لما ضيعت أبراجه مواقيتها.

هكذا يفسر سوء طالعه، في مرآته التي يراها تنظر إليه بشبق إذا لم يغازلها، وهو خارج ليرى وجهه في وجوه أخرى.

وكان الوقت متأخرا في هزيع الليل من عمره المتبقي، ليختلي في الإدراك عن فقد الحواس، واعتلال الرماد في هجيره، بعد عطش القيض المرتوي من عيون، غارت دموعها مع سنون إرتحل إدباره المتوجس، من تكرار الأزل.

مازال ينقاد ويقتاد إلى أسفل الزنازين، التي يجد فيها نفسه داخل صدره، ليكتب بعض الكلمات عن الحرية، والتاريخ المتبدل لميلاد غير شرعي، في واقعه النحاسي.

استتب القدر، ونعى أيام الحنين في المرقد الأول، المصوب تحت الضوء الخافت والسكون المهين، وظن أن كل أن كل ما حوله تغير و أنه يسابق الأجل خيفة التجافي ، والتآمر المهين لحالات القبح في الجمال.

أيدنو من تفا هات، تعتبر أن الاحتضار حالة من قيم الانتفاض ضد السلم، عند الجبروت الخانع للسكوت المعتم، في ليال تنتظر رجوع المطر، ورخاوة الأقفال، وتتأوه ضامرة انكفاف. وانعطاف الموج، في بحار أخرى علها تلقي أصدافا تزين الأعناق، حتى تنعتق من مآسي المشانق الزائفة، في تواطئها المنكشف أحيانا، حيال فوانيس العتمة، التي تشعل بقايا الماضي النفسي، في حاضر يتنحى خلف الصفات المشبوهة التي وأدها وتناساها في إدباره.

لا وتر في العزف، يثير اشمئزاز النشاز السائد داخل ردهات، كانت تتباهى بالبيارق المرفوعة في الخواء، وهي تصارع الأسف، غدت أنشودة بليدة، وقصيدة ترتع في اللامتناهي، كم بقي لها من الوقت كي تتردى شذرات خافتة ؟

ما من معجزة قد بقيت، فأجنحة الريح، روت، وكررت المواويل، حتى وإن قفلت خطاها، احترقت قراطيسها، واندملت لغتها الرمزية في انبهار سادي .

يحتد كلما جال الخاطر علنا، وتماهى بانجلاء الأضداد، فلا أحد يعلم أنه ضد نفسه، وأنه الإضمار والعلن دائما، وسائرا في الزمن سيف يعلو، وصوته يخبو في غمده، حتى أناته الساكنة فيه، لم تبتهج لغازلي المعاني، الذين ورثوا عناق الخصر الذائب في الأيادي،وهي تحتال السراب، وتذوق تردي الخطى الحالمة في الممشى الآبه لمشتهى لم يصل بعد إلى مرافئ حواسهم البائرة.

وحيال هذا الأمر خالط بعض من انتهوا من الاشتغال بالدنس، والمسخ العبودي، لم يكن - خرثيتا - كي يتطهر من أزلام الحكايات البائدة، وأساطير القيامة واللاهوت المخيف، وطقوس دفن ما عرج به الآفلون سرا، من جنح الافتداء، وقربانا لغضب الآلهة .

هو رماد من لهيب شجرة، تلعن انشقاق السماء، على طيور هاجرت الرحيل، ونكست أوراقها الهلامية، شلالا من غبار الآدميين. العارفين بأحوال الطقوس الواعدة، من صور تمزقت أجسادها، وتعانقت أنفاسها غصة في السد يم الناتئ صخرا، على صدر امرأة كانت غيمة نفضت رغبتها جناحا، هفهف شراع الناسكين على سفن من رمال.

تنسي الوعد وتعيده سرابا، فيه بعض أغاني الرعاة، وصراخ ينشد الماء والزهر الذابل، على أكف تحمل البياض، وتلمح بابتسامة ضاعت ملامحها في صباغة مائية، رسمت بها خيالات لا تنبت إلا من فوق الأسوار الخائفة من حراسها، هم شوك وقليل من ياسمين، لا يزين إلا خرائط فقدت المدن والحارات، كما فقدت ملحها الآسن، في هدايا تبشر بليالي الميلاد، بعد أن تطفئ المنارات أضواءها.

صباحه لم يعد كما كان، يدرك أن البداية قرمز سادر، على لهاث يشرق من الغدر المدان، في سبع سنبلات وتين، وطلاسم لم تفك من سبأ، تعشق وتصيح انفلات الخيط من الديباج، الذي لم يلثم فما، يحمل وجعا وقرنفلا يسمى الفراغ غياب الحاضرين، وينوء صهيلا جامحا نحو شمال الهروب، ومملكات الطين، وعرائس الريش، التي محت أخر أشعار الملاحم وكتبت تقول : إن اللقالق تبني أعشاشها فوق المداخن.

يسالم الزيف في الزخارف التي نقشت حرابا للنسيان، تأبى أن تعمد جذورها الآسلة فجرا من قضب وريحان يزهر امتلاك الشجن، وغيبا يأسر الفجاج الخاتلة ديجورا في شعاب الروح القادم علنا من ضياء ثلجي، يمور ويمور شاهدا في الأنصاب كنهه، وكلومه تنزف القطن حبا، وتلسغ الأحمر شقائق نعمان، إحور شمعا يقطر على الأواصر المقطعة أنصالها، جمرا يحرق الجوى، وينوء ساحرا على الضفاف المخملية، التي لم تلمسها أنفاسه، احتار في هذا الطيف الذي توارى خلف أيامه، كان تما هيا يحوم حول روحه المتشظية كلاما أو نبراسا من سديل، نطق، همس، نبس، وذاب.....

-المغرب

بقلم: إسماعيل واري

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى