الأربعاء ١٣ نيسان (أبريل) ٢٠٢٢

ناجي نعمان في «الزَّائِرُ، أو عَهْدُ اللاعَهْد»

أدبُ فِكرٍ يُقْرَأُ حتَّى التَّمَلِّي!

صدرَ عن مؤسَّسة الثَّقافة بالمجَّان مُؤلَّفٌ جديدٌ للأديب ناجي نعمان بِعُنوان "الزَّائِرُ أو عَهْدُ اللاعَهْد" ويضمُّ "زائِراتٌ شارِدات"، وهو في عِدادِ جَديدِ إصداراتِه الَّتي فاقَتِ التِّسعين، ويُدرَجُ في سلسلةِ "حياةٌ أدبًا"، ويحملُ الرَّقمَ 13 فيها.

ويَجْمَعُ العُنوانُ أعلاه كِتابَتَيْنِ مُختَلِفَتَيْن، وإنْ مُتَكامِلَتَيْنِ في الجُزءِ الأكبَرِ منهما:

فالكِتابَةُ الأولى المُعَنْوَنَةُ "الزَّائِرُ، أو عَهْدُ اللاعَهْد"، يَعودُ تَصميمُها إلى العام 2005، وكذلك بَعضُ مََقاطِعِها، فيما بَعضُ أفكارِها أقدَمُ بِكَثير. أمَّا صِياغتُها الفِعليَّةُ فبَدأتْ في العام 2006 وتَوَقَّفَتْ؛ ثُمَّ تُوبِعَتْ ورُسِمَ لها أنْ تَنْتَهيَ في صَيفِ العام 2010، لكنَّها تَوَقَّفتْ مِن جَديدٍ إلى أنْ صَحا مُؤلِّفُها مِن بينِ أهْلِ الكَهْفِ، وقَرَّرَ أنْ يَضَعَ حَدًّا لها في نيسان 2014، فَقَبْلَ نِهايةِ العام 2018، ولَم يَكُ له ذلكَ إلاَّ في ربيعِ العام 2020 بِـ "فَضْلِ جائِحَةِ الكورونا مَشْكورَةً"!

والكِتابَةُ الثَّانيةُ المُعَنوَنَةُ "زائِراتٌ شارِدات" تَضُمُّ خَواطِرَ مُختَلِفَةً لَمْ تُنْشَرْ سابقًا، وقد جَرى تَرتيبُها بِحَسَبِ تَواريخِها، أي ما بينَ العامَين 2004 و2015، فيما مُعظَمُها لَصيقٌ بِالكِتابَةِ الأولى.

وفيما تَحكي الكتابةُ الأولى الَّتي عُنوانُها "الزَّائِرُ" زيارةً مِن "صاحِبِ العُهودِ" إلى "المُنْعَتِق"، تُفْضي إلى عَهدٍ جديدٍ هو "عَهْدُ اللاعَهْد" (العُنوانُ الثَّانَوِيُّ للكِتابة)، فإنَّ الكِتابَةَ الثَّانيةَ الَّتي عُنوانُها "زائِراتٌ شارِدات" تَضُمُّ أفكارًا مُهَرْوِلَةً مُختلِفَةً، وإنِ أمكَنَ إدراجُ مُعظَمِها في خانَةِ الشَّارِدِ مِن الكتابةِ الأولى أو المُفَسِّرِ إيَّاها.

هذا، وسَبَقَ لِلكاتِبِ أنْ عَبَّرَ عن فِكرةِ عَهْدِ اللاعَهْد في "الرُّؤيا"، وهي الرِّسالةُ العِشرونَ الَّتي أَضافَها في العام 1999 إلى كِتابِهِ المُعَنْوَنِ "الرَّسائِل"، ونَشَرَها في طَبعَةِ ذلكَ الكِتابِ الثَّالثة. كَما عَبَّرَ عنها تحت عنوانِ "عَهْدُ اللاعَهْدِ - عَهْدُ الأنْسَنَة" في المَدخَلِ الثَّاني لكِتابِهِ المُعَنْوَنِ "بِأَلَمٍ وذَكاءِ قَلبٍ" الصَّادِرِ في العام 2016.

وقدَّمَ الأديبُ إميل كَبا الكِتابَ وصاحبَه بتقريظٍ عُنوانُه: "كتابُكَ.. أنتَ وأنا، في رسالة!"، فكتب:

"صَديقي..

"مِن مسافةِ دهرٍ في سنةٍ أُخاطِبُكَ، والجائِحَةُ كُمُونُ أشداقٍ لافتِراس، ومَخطوطُكَ بِكتابَتَيْهِ الأولى والثَّانية، بينَ يديَّ أنيس. قَرَأْتُهُ حتَّى التَّمَلِّي، فأَدْناني مِنكَ أكثَرَ لأنَّكَ شَبَهي، أو أنا شَبَهُك، لا فَرْق، تأمُّلاً في الوجودِ، وعاءِ الحضارةِ، أرضًا وبَشَرًا وعواديَ ومُفارقات، وحتَّى إلهًا مُتَفَرِّجًا في أحيان.. ومِن بَعيد.

"وجُزْتُ كتابتَيْكَ الأولى والثَّانية بِالشَّغَفِ عَيْنِه، "الزَّائرُ أو عَهْدُ اللاعَهْد"، و"زائِراتٌ شارِدات"، فتَحَصَّلَ لي عنكَ أنَّكَ مُمْتَلِئٌ حبًّا حتَّى حِيالَ مَنْ يُخْرِجُكَ عن طَوْرِكَ مِن مآسي الحَياة، كأنَّكَ تَحْفَظُ عن ظَهْرِ قلبٍ ما يَقولُه رينان مِن أنَّه يَجِبُ ألاَّ نَكْتُبَ إلاَّ في مَنْ نُحِبّ، فالنِّسيانُ والصَّمتُ عقابٌ نُغرِّمُ به مَن وجَدناهُم قَبيحينَ أو مُشتَرِكينَ في رحلتِنا عبرَ الحَياة.

 وبَعْدُ.. ماذا عن أسباب شَغَفي بِكتابِكَ وأصلِ غَبْطي إيَّاك؟

"كثيرٌ كثيرٌ في الحَقيقة، ومِنه على سبيل الدَّلالةِ لا الحَصْر:

* أنَّ كتابَكَ "الزَّائِرُ" مَضْبطَةُ اتِّهامٍ لِلحضارةِ مع إيماءٍ مُعَجَّلٍ مُكَرَّرٍ إلى حُلول. ففيهِ تعدادٌ لِلجرائمِ والموبِقاتِ على امتِدادِ التَّاريخِ الإنسانيّ، وبُحوثٌ في الدِّين والشَّرائِع والعدالة والمال وعوامِل الطَّبيعة، وفي الله والعادات، فتَتَلاحَقُ الأفكارُ خَواطِرَ حائِرَةً مُستَفْهِمَةً غالِبَ الأوقات، وتُدْني قُرَّاءَكَ مِن واقعِ العَصْرِ الَّذي يَخْتَرِقُنا أحياءً كالأموات، وتُشَوِّقُنا بِمُرتَجى خَلاص.

"أمَّا الحُلولُ فأكثرُها طوباويَّةً وصَدْمًا إزالةُ الفروقات المُجتمعيَّةِ والطَّبَقيَّة، ومعها الخُصوصيَّاتُ الدِّينيَّةُ اسْتِحداثًا لِلتَّقاربِ بينَ الأفرادِ والشُّعوب، الَّذي بَعدَه في رأيكَ كلُّ اختِصامٍ إلى وئام. حُلْم؟ حقيقةً هو كذلك، بديلٌ للانتِحار هربًا مِن الالتِباسِ المُحيق ِ بِفكرةِ العدالةِ الَّتي تُحابي ولا تُنْصِفُ في هذا الوجود، حتَّى لَنَجِدُهُ حُلْمًا يَحْمِلُنا على الانتِظار، كما في تعبيرٍ لِلفرنسيِّ غي دُه موپَسَّان؛

* وأنَّ في كتابكَ المُزاوجَةَ بينَ التَّجربةِ الشَّخصيَّةِ والحالةِ المُجتمعيَّةِ الإنسانيَّة، فتُكْثِرُ مِن الأمثالِ مُستَقاةً من تاريخِ بلادك وطُروسِ الشُّعوب، ناحِيًا في مَأْتاكَ ناحِيَةَ الخَيْرِ بِمَضامينِه الخُلُقيَّةِ المِثاليَّة، وهو في بُعْدِهِ الأخيرِ مُحْزِنٌ مُكَدِّرٌ كما يَقولُ كافْكا. ولَعَلَّ السَّببَ أنَّه بِمُثولِهِ يَسْتَحْضِرُ كلَّ ما يُناقِضُه مِن بَشاعات، مع استِحالةِ الوصولِ إليه. حالاتٌ ووَقائِعُ مُزِجَتْ كلُّها في اللَحظة الفنِّيَّة بِرؤياكَ الوجودَ ومَسْرى الأَقران في مَدى التَّاريخ، فتُثْبِتُ مع زُولا أنَّ العملَ الفنِّيَّ زاويةٌ لِلخَلْق ِ مَرهونَةٌ بِمِزاج؛

* ومِنهُ أنَّ كتابَكَ في مُجملِه كلامُ الإقناع والتَّأثير بِغايَةِ الاستِمالة، كما في العَمَل الخَطابيّ، بِمُماحكاتِ المَنطِقِ الَّتي فيه وإثارةِ الشُّكوك بِالاستِفهاماتِ الكَثَّةِ وصولاً إلى يَقين، وكذلك الثُّنائيَّاتِ المُعتَمِدَةِ على تَضادّ، فتُضاءُ الحقائقُ بِأكثرَ مِن جانِب، دَيْدَنُكَ فيها كلِّها مُباشرةٌ وتِلقائيَّةٌ فِطْريَّة، وأدائيَّةٌ صارخةُ الوَقعِ بِأسلوبِها المُبَسَّطِ الَّذي يُحاكي ما يُسَمِّيهِ الفرنسيُّ أناتول فْرانْس الوضوحَ الأبيض؛

* ويَغيمُ نَفَسُ القَصِّ فيه كما عندَ الكُتَّاب الإصلاحيِّين، وسَرديَّاتُ جبران مِثالٌ في كتابه "عرائسُ المُروج"، بِأداءٍ يَتَخَطَّى الأنواعَ، فتَشيعُ فيه الاستِغراقاتُ الوَعْظيَّة، وقَطْفُ الفكرةِ المُجتمعيَّةِ الهادِفَة، ولَو في سياقٍ ضعيفٍ مِن القَصَص، عِلمًا بِأنَّ لهذا النَّسقِ مِن الكتابة عائداتٍ في صالِحِ المُنَقِّبِ عن الدَّسَمِ الخُلُقيّ، إذْ مِن شأنه استِبعادُ ما يُسمِّيه نُقَّادٌ بِالبَدانة الرِّوائيَّة، بل الأورامِ السَّرديَّةِ في تقديري، ويَبينُ الجُرحُ بِلَحمِه الحيِّ النَّازِف، معزولاً عمَّا يَكْتَنِفُه مِن قَيْحِ الأوبِئَةِ الدَّخيلَةِ الأخرى؛

* ومِن أَسبابِ شَغَفي بِكتابِكَ، قُدرَتُكَ فيه على اسْتِنباط التَّعبيرِ الجَميل، ثَرِيًّا بِمَخزونِه الفِكريّ، حيثُ الجَمْعُ لِلمسألةِ ونَقيضِها في إبَّانٍ واحِد، وتَوَكُّؤُكَ على الأوصافِ والتَّشابيهِ شَرْحًا لِمَطاوي النَّفسِ وأبعادِ التَّصَرُّف، بِالإضافةِ إلى جهدِكَ الكبيرِ المَبذولِ بِتَشكيلِ الكَلِمِ دَرْءًا لِلَّحْنِ المُنتَقِصِ مِن قيمةِ ما تَقول، وحِرْصِكَ على الإفادة بِشروحاتٍ ومُوَثِّقات؛

* وأنَّ القِسمَ الثَّاني مِن الكتاب، أي "زائِراتٌ شارِدات" مِن طراز الفِكر المُهَروِل الَّذي نَعَتُّ به بعضَ أعمالِكَ في جَولاتٍ نقديَّةٍ سابقة، كخَواطرَ مَوسومَةٍ بِأسبابِها الدَّافِعَة، يُقْحَمُ عَبرَها الواقعيُّ المُستَمَدُّ مِن الحَياة الفِعليَّة في داخل الافتِراضيِّ الاتِّفاقيِّ الَّذي هو الأدب، وإذا أنتَ على خُطى كِبار، ليسَ بِالطَّريقة والابتِكار بل بِالسَّعَةِ والامتِداد كما في تعبيرٍ لإِمِرْسون(1)، كَمَوْشُورِ حجرٍ كريمٍ تَأْخُذُ عَيْنَكَ جَنَباتُه المُشِعَّةُ إلى أَكثَرَ مِن حالةٍ وقضيَّةٍ في الوجود، وكأنَّما وَكْدُكَ مِنَ القِسمِ كلِّه أنْ تَتْرُكَ آثارَ خُطاكَ على رمالِ العَيْش، بِمَنْحًى تأكيديٍّ لِثَوابتِكَ الفِكريَّةِ وآرائِكَ الشَّخصيَّةِ الَّتي نَقَعُ عليها في أعمالكَ الكاملة.

 وأَصِلُ إليكَ بِرسالتي، يا أخا الحيرَةِ الَّتي في نَفْسي مِن الكُرورِ الصَّادمِ غيرِ المَفهومِ بِدَيمومَتِه في حركةِ الوجود، فأَعْتَرِفُ لكَ بَدْءًا بِأنَّ "الزَّائِرُ" أَقْلَقَني، والفَنُّ الحقيقيُّ هو ذاك الَّذي يُقلِق، خُصوصًا بِما تَوَضَّحَ لكَ مِن قَناعاتٍ في كلامِكَ على الله، عَزَّ وجَلَّ، وقضيَّةِ الحرِّيَّةِ الإنسانيَّة.

 أتُراكَ لَمْ تَدْفَعِ المُنْعَتِقَ في "عَهْدُ اللاعَهْد" فيُتَرْجِمَ اللهَ إلى حُلْمٍ أرضيٍّ مُتَطَهِّرًا مِن الرَّزايا والآلام؟

"بل كيف تُثيرُ شُبهاتِ القُصورِ والتَّعَوُّقِ في ما خَصَّه تَعالى، فتَحْمِلَه على أنْ يُعاقِبَ بِالتَّنَدُّمِ نَفْسَه على ما خَلَق؟!

* وذاك الاندِماجُ الَّذي تَتَحَدَّثُ عنه في القِسمِ الأخيرِ مِن الكتابة الأولى.. أما يُسْقِطُ فِكرةَ الخَلاصِ بِمَعناهُ الإنسانيِّ الصِّرفِ الَّتي حاوَلْتَ جاهِدًا طَوالَ تَجْوالِكَ أنْ تَتَمَنَّاها رِدَّةً إلى الصَّوابِ والخَيْرِ في بَشَرِيَّتنا البائِسَة؟

* لذلك.. يُخالُ لي أنَّ اللاعَهْدَ في النِّهايةِ عَهْدٌ جديدٌ، بِخِلافِ ما تَزْعَم، لكنْ.. إنسانيٌّ هذه المَرَّة، تُلْقي مَهَمَّةَ إبْرامِه على الله، في حركةِ هُروبٍ مِن اللاحَلّ، لأنَّ مِن جرَّاءِ ذلك أنْ يَتَقَدَّمَ الماوَرائِيُّ الميتافيزيقِيُّ مُجَدَّدًا وتَضيعَ مِن دونِه الحُلول.

 صَديقي.. وهاجِري مِن مسافةِ دَهرٍ في سنة..

"لقد أَقْلَقَني كتابُكَ، قُلْتُ، والفَنُّ حقًّا لَيُقْلِق. آخٍ.. كَمِ التَّفكيرُ المُتمادي الجُرْأةِ باتَ يُتْعِبُني! وحتَّى لأسألُك:

* أما تُوافِقُني الرَّأيَ على أنَّنا، نحنُ الكتَّابَ الَّذين تُجَوِّفُ أعمارَهم المِثاليَّاتُ، نُغالي في إظهارِ الجِدِّيَّة والرَّصانة مُتَتَبِّعينَ حركةَ الوجود، وربَّما الخطيئةُ الأصليَّةُ فيه بسبب ذلك؟

* ثُمَّ أدبُكَ العميقُ هذا، المَشدودُ الأواصِرِ كالدَّساتيرِ والمُعاهداتِ والعُهودِ في وثائقِ الكُتَّابِ بِالعَدْل، ألا تَرى معي، وحالُه هي هذه، أنَّه يَفْقِدُ الكثيرَ مِن جَمالِه كلَّما خَطا ناحِيَةَ التَّعبيرِ المُعَقْلَن؟ وأنَّ الذَّكاءَ، أو ما أُسَمِّيهِ النُّمُوَّ الزَّائدَ، يُفْسِدُ أحيانًا التَّناغُمَ بينَ مَراحلِه، على غِرارِ ما يَفْعَلُ الإفْراطُ في "المَكْيَجَةِ" مَحْوًا لِبِشْر الوجوه؟

* وبَعدُ.. ما الجَدوى مِن تَتَبُّعِ كلِّ عارَّةٍ على مَدى هذا الكَون، في عَجزِنا عن اجتِراحِ الحُلول النِّهائيَّة مِن داخله؟ وإذا نحنُ في نِهاية المَطاف إلى تَعَبِنا المُعَنِّي، فيما الدُّنيا إلى اطِّرادِ مَسير، بِالحَلالِ وبِالحَرام، نَظيرَ سَجَّانٍ ومَسجونينَ، أكثَرُهم تَحَرُّقًا وانْشِغالَ بالٍ هو السَّجَّانُ نَفْسُه في تَصَوُّرٍ لِبِرنار شو، فيما الآخرونَ لِمَحكومِيَّتِهم بِاستِسلامٍ ضاحِكٍ وسُخرِيَةِ تَبَطُّل.

"إلاَّ إنِّي في هذه المَرحلةِ مِن حياتي، على مِثالِك ربَّما في خَيْبَةِ آمالِكَ آخِرًا، جَرَّاءَ الواقعِ الفاجِعِ في هذا الكَوْن، واستِحالةِ مُداواتِه إلاَّ مِن طريقِ الغَيْبِيَّات، عِلمًا أنَّ السِّرَّ الحقيقيَّ الَّذي نَبْحَثُ عنه بِهذا الصَّدَدِ يَكْمُنُ في المَرئِيِّ وليسَ في الخَفِيِّ غيرِ المُتَرائِي؛ أَجِدُني.. بِعَكسِ ما تَقومُ به أنتَ مُتَصَدِّيًا لِطَلاسِمِ الوجود، لِحَنينٍ هائِلٍ إلى البَلادَةِ وبَداءَةِ التَّفكير، مُتَخَلِّيًا مِن الأفكارِ المُسْبَقَة، أَنْدَفِعُ مُتَحَرِّرًا مِن جاذبيَّةِ التَّنقيبِ عن المَعاني الكبيرةِ داخلَ مَدايَ المُغلَقِ المُتَناقِصِ إلى حدودِ التَّلاشي في النِّهاية، لا أَفْعَلُ أكثرَ مِن أنْ أُحِبَّ وأُصَلِّيَ وأُغَنِّي، كما في شِعْرٍ لأَلْفونْس دُه لامارْتين، وبِثُلاثِيَّتي هذه كَمالُ حياتي.

"واعْلَمْ، أيُّها الصَّديق، أنَّنا إذْ نَحْيا إنَّما نولَدُ على نَحوٍ دائِمٍ، مِن العِثارِ نَقومُ، مِن الإثْمِ، مِن الكُفْرِ، مِن الضَّياعِ، مِن خيانةِ الذَّاتِ وحتَّى القِيَمِ على كُلِّ صَعيد. وما أروَعَها مِن بَعدُ حياةً جُلْجُلَةً نَنْتَصِرُ فيها عليها بِرَجاءِ القيامة!

"وفي ما خَصَّنا معًا في خِتامٍ، سَدَنَةَ قَلَمٍ وقِرْطاس، يَقيني أنَّنا إذْ نَكْتُبُ ونَعْقِدُ الجَبينَ لا نَعيشُ مع الأسَف، بل نُقاوِمُ حيث لا ضمانةَ لنا بِنَجاحِ انْتِصار. ولذلك حَرِيٌّ بِنا القولُ إنَّنا إذْ نَكْتُبُ نَسْتقيل.

"كَم بِتُّ، يا صَديقي، أَشْتَهي سلامةَ الأشياء الصَّغيرة ولو كأنَّها لا شيء. فهي تُحْدِثُ السَّلامَ، على مِثالِ أزهارِ الحُقول، نَظُنُّها بلا أرَجٍ، فيما هي معًا تُعَطِّرُ الأرجاء. هو انتِمائي إليها، مِن الآنَ فصاعِدًا، هذه الصَّغيرةِ المُتَواضعةِ غيرِ المَزْهُوَّةِ المِسكينةِ، لأنَّ مَظهَرَها مَظهَرُ بَراءة، وفي كلِّ صَغيرٍ مَلاك.

"واقْبَلْها مِنِّي، بل قُلْها عنِّي، أنا لا أُفَكِّرُ إذًا أنا مَوجود. أهَنِّئُكَ على جَلَدِكَ ونُشدانِكَ، على الرُّغم مِن خيباتِ بَشَرِيَّتِنا البائِسَة، شُروقًا آخَرَ لِوجودنا مِن أُفُقِ الغُروب.

"واسْلَمْ لِصَديقكَ وأخيك.."

مَلحوظَة: يُقرأُ الكتابُ مجَّانًا مِن طريق أحد الرَّابِطَين المَذكورَين أدناه:

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=4375948679172865&id=668704876563949

أو

https://drive.google.com/file/d/1oNne7Yk0Q8hlHGQMybUQD8cSvtZVrZ3Z/view? usp=sharing


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى