الثلاثاء ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٢٢
بقلم مكرم رشيد الطالباني

نجوى لنفسي وللسماء

سُحُبُ الهدوء في سماء المعاني
تختارُ آخرَ كلماتِ الإيقاعِ
أناجي خمس مرّاتٍ لنفسيَ
ومرّتينِ للأرضِ
ومرّةً للسماء
الماءُ دربٌ في ماجرياتٍ الأيامِ
لن يندَفِعَ نحو أعاليَ التاريخِ
والتاريخُ يُراجِعُ مظهرهِ عدةَ مرّاتٍ
والمَظهَرُ ميدانٌ شاسِعٌ
تحتلُّها أكاذيبٌ كبرى
وكلُّ كذبةٍ تصرُخُ في وجهِ التي تليها
والصُراخُ ترمي باحجارِها في وجهِ النُعوتِ
وتُدمى وجهُ التاريخِ
ليراجِعَ التاريخُ مسيرَته
لمْ أدركُ أن القافلةَ ستتَعَثّرَ في هذا الدربِ
لمْ أدرِك أن التاريخَ سيَتسلّلَ من هذه المنطِقَةِ
لمْ أدرِك أن هذه المنطقة في وضعٍ مزرٍ
وأظلمتِ السّماءُ
جرّاء إجتياحِ عواصفَ الأيامِ الترابية
لمْ أدرِك أن السماءَ
لنْ تستنجِدَ الماءَ
والماءُ يُدهشُهُ البخارُ
والبُخارُ يعشِقُ السماءَ
والوضعُ يتَطلّبَ أن يَمتَطي المعنى
صَهوَةَ جواد الحُلُمِ
وميدانُ الجري والتسابق جملَةٌ إسمية
لن تختَلِس فيها الفعلَ والفاعِلَ والضمائر النظرَ
لا بدايةَ لهذه القَهقهة
وهي تقترِبُ من النهاية
ولنْ تتقرّبَ من مباديء الكيانِ
والرّيحُ عناوين أنباء اليومِ
تهمسُ في آذانِ الهمساتِ
تُحرّكُ أغصانَ الأيامِ
لا يبدو أن هذا المطر المدرارِ
لِيبتلَ حُلُمِ عناوين الأنباء
لا يبدو أن هذه الرعود والبروق
لِتَصُمَّ آذانِ الرغباتِ
فالأذنُ بدوره يَصيخُ السمعَ لإيقاعِ الألحانِ
والألحانُ جوهرةٌ تتدلّى في جيدِ الغناءِ
لُعبةٌ لا أوّلَ ولا نهايةَ لها
بدايتُها في نهايتها
ونهايتُها في بدايتها
فالبداية توصِلُ حرارتها إلى عرباتِ المرحلةِ
والنهاية قِطارُ مرحلةٍ بلا عرباتٍ
لنْ ترعبه إيقاعُ التردداتِ
والإيقاعُ بدوره متقوقِعٌ في ذاته
يمتَدِحُ بغنائه شليلةِ تاريخٍ لم تُنسَج بعدُ
مرعوبٌ من لحاظ الريح المُحَدّقة
كنتُ هناكَ بنفسي
هددتها الريحُ مراتٍ ثلاثٍ بالذّبحِ
كنتُ هناكَ بنفسي
كانتِ الخيامُ في غرفِ البكاءِ تتحشرجُ
كانت تُعددُ دموعَ المواسمَ الأربعة الأجاج
وكلُّ موسمٍ تختلِطُ بالدموعِ
وكانتِ الدموعُ تُقَطّعُ قلائدَ الأحداثِ
فَتَنْحَبسَ الدموعُ في عيونِ الحشرجاتِ
وكانتِ العُيونُ سماءَ الشتاءِ
تهطِلُ مدراراً
كنتُ هناكَ بنفسي
كنتُ أناجي لنفسيَ وللسماء
كانتِ الأرضُ بإنتظارِ عروس المطرِ
فالأمطارُ تغسِلُ الجراح
فالأمطارُ تُحييَ الأمواتَ
فالأمطارُ تُزيلُ الصُدْءُ والأكدارِ
والأمطارُ توقِظُ النائمينَ
والأمطارُ شهيقٌ تُعيدُ الروحَ للحياةِ
إن أنقطَعَتِ الأمطارُ
لا تُقهقهُ الأرضُ
ويعلنُ الربيعُ المأتم العام
والخريفُ يُطيحُ برأس تساقط الأوراقِ
لكن تساقط الأوراق يقبلُ من بعيد
ليكتسحَ الأوراق
فتحتضِنُ الأوراق بعضها بعضاً
لتصل الصراخ والعويلَ إلى عنان السّماء
أرى أوراقُ الأشجارِ تبكي على بعضها البعضِ
الدموعُ تبكي على بعضها البعضِ
لو لمْ أكنْ هناكَ
كانتِ الدموعُ تسأل عن أحوالِ العيونِ
والعيونُ كلما ترنو بعيداً
لن يقتربَ الذئابُ
والعيونُ كلما ترنو بعيداً
يستضيفهُا الأفقُ
أدركُ أن الافقَ يرتدي قلاّدةِ الأيام
أُمسِكُ لجامَ الأيام بيدي
ممتطياً حصانَ العزيمةِ
أرى مُحيطاً من الكلماتِ
تطاردُ أمواجَ الحِيَلِ
برزتْ صحاريَ من العطشِ
ترميَ برمالها في عيونِ التاريخِ
تتيَبّسُ شفاهَ عطشِ الأرض
إن لمْ تستنجدها الينابيعُ
واليانبيعُ تنتظرُ ليلَ نهارٍ
تُلَفلِفُ قلادةَ الأسئلةِ
والسؤالُ حبلُ اللّغزِ الممتدِّ بعيداً
يُدخِلُ الكلماتَ في جُملِ التعجّبِ
محتضناً جيدَ المُحتوى الجزئي
مبعِداً رغبَةَ الغفوةِ
مطرّزاً ذكرياتِ الشتاء
على صدرِ الربيعِ
أدرِكُ أن الحُلُمَ أليفٌ
لنْ يَعَدّدَ النجومِ
سأدعوَ طيراً
وأُعَلّمُها جُمَلُ المساءِ
سأُمَسِدُ بيديّ على جناحِيها المُتعَبينِ
مُبدِّداً تعَبَهُ
ناصحاً إيّاهُ
ألاّ ينْخَدعَ في زرقَةِ السماءِ
فلقد كشفَ الأفقُ منذُ زمنٍ أسرار زرقةِ السماء
وأرسلَ ذلك النبأ منذ زمن
سأقفُ هناكَ لأناجيَ مرّة لنفسيَ
ومرتينِ للسّماءِ
ومرّةً للأرضِ
حتى أقلّد قلادةَ الشُعاع في جيدِ الشمسِ
وعُنُقُ الأرضِ
والشهيقِ!!
كنتُ هناكَ أناجيَ للأرضِ
كانت أعذاقُ الأحلامِ ترحلُ
وكانَ ضَبابُ الأنهار يتحرّكُ
كنتُ أقرأُ جملةَ الغدِ
كانتِ الألحانُ تنظُرُ خلسةً
رفقةِ الإيقاعِ نحو المساء
كانتِ الجُمَلُ تتَوسّلُ للشُعاعِ
والضبابُ يَحْتَضنُ الجليد
والجليدُ ضيفُ الذَوبانِ
وكان الذَوبانُ قد أصدرَ قراره القطعي
صائغاً المصيرَ النهائي
وأُحيلَتِ المسائلُ إلى القرارِ
والتراجعُ مرحلَةٌ أخيرةٌ لم يُصَغْ بعدُ
لمْ يُفَكِرُ أحدٌ في النولِ
ولمْ يَعِدْ أحدٌ النورَ لوجهِ القمرِ
ولمْ يُشّمِّرَ أحدٌ
عن ساعدِ الخطوةِ
ولم يلجاَ لقوّةِ الفِكرِ والعُهودِ
كنتُ هناكَ
أُقيمُ خيَمَ الأحلامِ
آتياً بأعمدةِ العزيمةِ
وأنا أشُقُّ جداولَ القولِ
وكانت سهولُ الرغباتِ تسعى
والصراخُ يحلُّ ضيفاً على النجوى
ممشطاً جدائلَ الأملِ
وكانَ البكاءُ يرتجفُ بعيداً
وقطعانُ السعادةِ ترحلُ بعيداً
كنتُ هناك
كنتُ أناجي لنفسي
وللسماء والأرضِ
أن تهطُلَ أمطارُ الحظِّ
وتنقشِعَ السُحُبُ السوداءُ قاطبِةً
وتبتَعِدَ طيورَ الشؤمِ
عنِ المدينةِ
لتتشتتَ إلى الأبدِ!!!

3/12/2019


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى