نزار صابور باحثاً عن سعادة مراوغة
في معرضه الأخير في صالة رؤى للفنون (عمان، الأردن) يواصل نزار صابور رحلته، التي بدأها مؤخراً في محاولة استبار وجوه جديدة للسعادة، تراوح ما بين تشوف سعادة مطلقة و بين القبول بسعادة ممكنة، من خلال رؤية خاصة للحياة. وهكذا تجسد لوحاته الواحد
والعشرين، الاحتمالات المختلفة لاستبطان السعادة.
ينتقل الفنان السوري نزار صابور من مرحلته الأيقونية إلى مرحلة مفتوحة على احتمالات
التشكيل المختلفة: انها لوحة سديمية مشدودة ما بين قطبين: فهي صوفية وهيولية، تعكس
عفوية اللحظة ودفقات اللاشعور الآنية، وفي الوقت نفسه تواري وجود قطب آخر مضمر: هو
ذلك النوع من العقلانية والتنظيم والتجهيز المحكم لعناصر السطح واللون والأثر.
إنها النتيجة الحتمية لمهنية نزار صابور الذي تخرج من الاكاديميات السوفياتية
بدكتوراه فلسفة في علوم الفن عام 1990.
يهجس نزار
صابور بالسعي الإنساني الأبدي للسعادة. انه يبحث عنها في الحياة منذ كانت بدائية
وبسيطة إلى أن أصبحت حياة صناعية، مركبة ومعولمة. ويساءل نفسه أين هو من هذه
الحياة؟ وكيف يفهمها ويعايشها ويفسرها؟! إنها أسئلة في المطلق، اللانهائي، وهي
أسئلة أبدية، قديمة – جديدة، لاتنى الحياة اليومية أن تواصل طرحها على نزار، وكل
آدمي. إنها ليست فقط سؤال الماضي والراهن، وإنما هي أيضاً أسئلة الأبناء والأحفاد
والقادمين من بعدهم.
في رحلته
الخطرة للبحث عن أجوبة عن حقيقة السعادة ومكانها، ما بين الأرض والسماء، يشكو
الفنان من مخاطر "الهوس" الذي لا حدود له ولا وقت. إنه سؤال مفتوح يلتهم
السائل.
كيف يمكن
للبحث عن السعادة أن يجسد سؤاله واكتشافه النسبي لها؟!
بصرياً، بدأ نزار صابور بإزالة الحدود ما بين
الرسم والتشكيل، وبنائياً عمل على "تحطيم" المعمار القديم للوحة، فهي باتت
ذات بناء مفتوح وحر، ينطوي على احتمالات اللحظة والعفوية والارتجال والمفاجأة.
أنها لوحة لا تعكس فقط مكوناتها الراهنة بقدر ما تثير الخيال لاستحضار احتمالاتها
الممكنة الأخرى. إنها لوحة لاينفذها صاحبها لنراها فقط، وانما هو يقترحها لنكملها
أو لنعكسها أو لنبني عليها. أن المشاهد شريك في تحديد النهايات والاحتمالات
الأخرى. أن لوحته بالأحرى دعوة لاعادة رسمها مجدداً.
وبقدر ما تنم
لوحة نزار صابور عن روحانية، فإن روحانيتها هذه مستمدة من خاماتها المادية.
فهي
تعتمد على خامات طبيعية ومصنوعة. إذ تمتد على مساحة قماشتها بقع رملية متعددة
الدرجات اللونية وبسماكات مختلفة وملامس
متباينة، وكأنها سطح كوكب فضائي غامض. ويرشم صابور هذه الملامس غير المتناظرة من
حيث المساحة والسمك على لوحته أو يقسمها إلى قسمين أو أكثر. وبكلام آخر فإن سطوح
أعمال نزار صابور تنطوي على طوبوغرافية للتنوع والتعدد. فهي، من ناحية، مساحة خصبة
بالمواد والخامات، وهي من ناحية أخرى فرصة للتأمل في المقتصدة تضاريس السطح الذي
بات حقلاً يجمع ما بين البارز والغائر والمسطح في هارمونية تعززها الفوارق اللونية
المحتشمة للسطوح. فهي غالباً فوارق لونية تدرجية تقطعها مفاجآت "وصدمات"
لونية، تثيرها بقعة شديدة القتامة أو التناقض مع محيطها اللوني.
روحانية
أعمال نزار صابور لا تتولد فقط عن معمار لوحته ونسيجها وسطوحها، وإنما أيضاً عن
لجوئه الواسع إلى اللون الأبيض وتدرجاته وسماكاته وتنوع استعمالاته، ما بين الأبيض
النقي، والابيضات "المتسخة" بألوان أخرى. فالأبيض، اذن، هو قاعدة لوحة
نزار صابور وأساسها. وهو كما يعرف الفنانون، مادة خطرة لمن لا يحسن التعامل معها،
لكنها بالنسبة لنزار مادة محورية في رحلته للبحث عن السعادة والحرية والضوء.
لكن الأبيض
لا يظهر معانيه بعيداً عن الألوان الأخرى، ولا سيما نقيضه الأسود. وهو أسود فاحم
غالباً، أو أسود مشوب بألوان أخرى تجعله متنوعاً في رمادياته.
لا يستخرج نزار
صابور الأسود من أنبوبه الألوان الجاهزة، وإنما من المواد الطبيعية، ولا سيما من
الجفت أو مصحوق بذور الزيتون وبقايا الزيتون بعد عصره، اضافة إلى مواد أخرى. ولذلك
يدرك المشاهد أن لا أسود مثل أسود نزار صابور. واستطراداً نقول أن العديد من
مكونات لوحته من أصباغ ومعاجين هي نتاج بحثه الشخصي عن مواده الخاصة.
إذن يتقاسم
لوحات نزار صابور لونان أساسيان (هما في الحقيقة ليسا، بالمعنى العلمي، لونان) هما
الابيض والاسود. وللونين دلالات ومعانٍ قيمية مضمرة ودلالات حسية ظاهرة. فهما قد
يمثلان الضوء والظل، الليل والنهار، الخير والشر، الحقيقة (أو الوضوح) والغموض...
الخ. فهل يمكن تأويل المساحات البيضاء والسوداء في لوحات نزار صابور، انطلاقاً من
الدلالات القيمية والرمزية، أو انطلاقاً من الدلالات الحسية والاعتبارات الجمالية،
أم من خلال تأويل يأخذ بالاثنين معاً؟!
ليس من
السهل الاجابة على هذا السؤال، ولعل الفنان نزار صابور أقل القادرين على إعطاء
اجابة عليه. فالفنان لا يعمل بموجب وصفة أو خارطة مسبقة لطريق لوحته، وانما هو
يتبع بوصلة داخلية، لا يدرك تماما لماذا توجهه إلى هنا او هناك. ولذلك فإن لوحة
نزار صابور تدعوك لتجاهل القواميس وأدوات القياس النمطية قبل أن تحاول رؤيتها، وهي
بالأحرى تدعوك للاستسلام للسجية والعواطف الداخلية وحس الطفولة في داخلك.
رحلة نزار
صابور (مواليد اللاذقية، سورية، عام 1958)، كما عبرت عنها عشرات المعارض الشخصية
والجماعية والبيناليات الاقليمية والدولية، انتقلت به من المدرسية الصارمة التي
تلقاها في الاكاديميات الروسية للفنون إلى شواطئ متنوعة للحداثة الفنية. إنها رحلة
هضمت الأساليب والتقنيات الغربية وفي الوقت نفسه أبقت على رموز ومفردات الحضارة البصرية
السورية القديمة والعربية المعاصرة وروحها متقدة. وخلال ذلك كله لم يتوقف نزار
صابور عن مسائلة نفسه عن المعانِ الكامنة وراء الفن، وعن البحث عن السعادة، التي تقود
حتماً للبحث عن الحقيقة والحرية.
