السبت ٢٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢١
بقلم رباب سرحان

«نوّار العِلت» والتّوق إلى تحقّق الحلم

(نصّ المداخلة التي أُلقيت في نادي حيفا الثّقافي بتاريخ 11.11.2021، في أمسية الكاتب محمّد علي طه).

رواية "نوّار العلت" هي الإصدار الأخير للأديب محمّد علي طه الذي بدأ مشواره الأدبيّ الإبداعيّ في كتابة القصّة القصيرة في أواخر الخمسينات من القرن العشرين. وهو يُعتبر من أبرز كُتّاب القصّة القصيرة المحلّيّة وأحد أهمّ أعلامها. و"نوّار العلت" هي الرّواية الثّانية بعد روايته الأولى "سيرة بني بلّوط" التي صدرت عام 2004.
عنوان الرّواية

يُبدع الأديب محمد علي طه مرّة أخرى في اختيار عنوان إصداره الجديد. فبعد أن سحَرَنا بعنوان سيرته الذاتيّة "نوم الغزلان"، يأتي "نوّار العلت" ليُثير في القارئ هذا الشّعور الجميل والحنين الدّافق، فيأخُذُه إلى الماضي الجميل ويشدّه إلى الأرض والجذور ورائحة التّراب والأصالة والطّبيعة الجميلة النقيّة. علمًا أنّ الكاتب لم يخلق هذا العنوان أو يؤلّفه، كذلك عنوان سيرته الذّاتيّة "نوم الغزلان"؛ فنوّار العلت/زهرة العلت يعرفه الجميع ومصطلح "نوم الغزلان" كذلك معروف لدى الجميع، ولكن، إبداع محمّد علي طه في السّياق الذي يورد فيه العنوان وفي الدّلالة التي تنبثق عن ذلك، ومن ثمّ التّأثير العميق الذي يُحدثه على القارئ. ففي الوقت الذي يرسم العنوان "نوّار العلت" أفق توقّعاتنا ويحدّدها في الجانب العربيّ الفلسطينيّ، سرعان ما يكسر الكاتب هذه التوقّعات حين يكتشف القارئ أنّ "نوّار العلت" ورد في الرّواية كتشبيه لعينيّ فتاة يهوديّة. وكان محمّد علي طه قد فعل ذلك في عنوان سيرته الذاتيّة "نوم الغزلان"، حين حوّل مشاعر القارئ الإيجابيّة التي أوحى بها العنوان إلى مشاعر حزن وألم وهو يُخبره بقصّة والده وأرضه في مشهد مؤلم وموجع. إذًا، "نوّار العلت" جاء في الرّواية في سياق تشبيه عينيّ الفتاة اليهوديّة الزرقاوتين به؟ وممّن؟ من امرأة فلسطينيّة تهجّرت عائلتها وقت النّكبة، هذه المرأة انفعلت من لون عينيّ يافا الأزرق. بدون شكّ، الكاتب وُفّق في اختيار عنوان روايته، فهو يحمل عنصر المفارقة والمفاجأة ويُضفي على النّصّ أبعادًا دلاليّة ورمزيّة من شأنها أن تُحدث أثرًا أعمق في نفس القارئ. ففاطمة التي هُجّرت عائلتها من الطنطورة وهُدّم بيتها وصادرت الحكومة أرضَها، تملك كلّ أسباب العالم لأن تكره الآخر- العدوّ، وأن تغضب عليه وترفضه، ولكن، نجدها تستقبل يافا بكلّ حبّ وترحاب وتضمّها إلى صدرها وتقبّل وجنتيها وتقول لها: "شو هالحلاوة؟ عيناك مثل نوّار العلت". تُشبّه عينيها بشيء متّصل إلى درجة كبيرة بكوننا عربًا، بتراثنا، بطعامنا. وما يريد أن يبيّنه الكاتب هنا أنّ الإنسان الفلسطينيّ رغم المعاناة القاسية إلّا أنّه لا يسمح لمشاعر الكره والحقد على الآخر أن تسيطر عليه، بل يبقى منفتحًا تجاهه ومستعدًّا لسماعه وللتّحاور معه. ومن الجدير ذكره، أنّ تقبّل الآخر ليس بالأمر السّهل. وعليه، فإنّ شخصيّة فاطمة تحمل بعدًا عميقًا جدًّا، ذلك لانّ تقبّل الآخر يحتاج إلى قدرة عند الشخص وإلى مستوى عالٍ وعميق من الفهم، وليس كلّ شخص لديه هذه القدرة! ومحمّد علي طه يتعامل مع القضيّة بهذا الشكل. هو لا ينفي الآخر ولا يجرّده من الإنسانيّة لأنّه عدوّ. هو يعرف ويعي خطورة سيطرة مشاعر الكراهية علينا، لأنّ الكره يقود إلى العمى والعمى يوقعنا في الخطأ. وهذا تحذير منه ونصيحة لنا وللأجيال القادمة. أن نتعامل مع الآخر، حتى لو كان عدوًّا، كإنسان، وإذا رأينا فيه صفات جيّدة يجب أن نعترف بها ونذكرها. هذا يدلّ على توجّه الكاتب المعتدل، عدم التحيّز الأعمى وعدم التطرّف في الموقف وتوقه إلى العيش بسلام، وإدراكه الكامل أنّ تحقّق ذلك يستوجب، بالضّرورة، مشاركة عربيّة يهوديّة.

"نوّار العلت" رواية بوليفونيّة

رواية "نوّار العلت" هي رواية بوليفونيّة، أي ذات أصوات متعدّدة، تفسّر الواقع الذي نعيشه حسب وجهات نظر عديدة ومختلفة من خلال تعدّد الشخصيات التي تواجه صراعًا أيديولوجيًّا فكريًّا فيما بينها، الأمر الذي يُقرّبها إلى الرواية الحواريّة الديموقراطيّة التعدّديّة ويُبعدها عن الرواية التقليديّة ذات الصّوت الواحد، إذ ينتقل محمّد علي طه عبر شخصيّات روايته من وجهة نظر إلى أخرى، كما ينوّع في الضّمائر السرديّة، ويعمل على دمج العناصر المتناقضة والمتنافرة جدليّا داخل إطار سرديّ متكامل ذي وحدة موضوعيّة وعضويّة، ممّا يؤكّد براعة الكاتب في إخضاع التّقنيّات السرديّة للمرجعيّ وهو الاحتلال والواقع المركّب والمعقّد الذي نعيشه نحن العرب في إسرائيل.

الرّاوي في "نوّار العلت"

بات من المعروف أنّ الرّاوي في العمل الأدبيّ ليس صوتًا مجرّدًا يقوم بالسّرد فقط، وإنّما هو شكل وراءه مداليل مرتبطة بكاتب يحمل همومًا وفكرًا ومواقف ووجهات نظر يحاول أن يوصلها إلى القارئ ويجعله يتأثّر بها، وهو أحد "الأقنعة" العديدة التي يعبّر الكاتب من خلاله عن رؤيته الفكريّة والفنيّة. ومن نقاط التحوّل الهامّة التي طرأت على عمليّة التوصيل الأدبيّ، اختفاء الكاتب نتيجة موقف ينادي بنفي شخصيّته أو موته أو اعتباره حاضرًا غائبًا في العمل الأدبيّ. ومَن يعرف محمّد علي طه يعرف بأنّه لن يرضى أن يكون حاضرًا غائبًا، بل حاضرًا وبقوّة أيضًا، تمامًا كقوّة حضوره في أيّ مكان يتواجد فيه. في "نوّار العلت" يبدو جليًّا أنّ محمّد علي طه ملّ الأقنعة تمامًا، فانتزعها ولم يعد يعنيه هذا التستّر والتّخفّي لا من قريب ولا من بعيد، بل يريد أن يقول كلّ ما يريد ومصرّ على ذلك. الراوي في "نوّار العلت" عليم بكلّ الأمور بتفاصيلها كاملة، حتى لنكاد نتخيّل الكاتب وهو ينطق بكلام الشخصيّات، جميعها، وعلى اختلاف مواقفها السّياسيّة والإنسانيّة والأيديولوجيّة. ليكون الكاتب الضمنيّ ليس إلّا صورة عن الكاتب الحقيقيّ.

فينطق على لسان أحمد وسمير وفاطمة ما يؤمن به، وينطق على لسان يافا ويوسف أهروني ونفتالي ما يؤمن أنّهم يؤمنون به. الكاتب مُسيطر على النصّ بشكل واضح. يقول مثلًا على لسان يوسف أهروني: "ما حدث في العام 1948 لن يحدث مرّة ثانية لأنّ العرب قد تعلّموا الدرس، ولن يغادروا مدنهم وقراهم، ولن يتركوا لنا بيوتهم الجميلة كما إنّ العالم اليوم قد تغيّر.. هناك تلفزيون وإعلام ورأي عام" (ص 211). وعلى لسان سمير: "صار كلّ فلسطينيّ مخرّبًا، فالطفل الذي يرجم الجنود بحجر هو مخرّب، والفتاة التي ترفع علمًا فلسطينيًّا هي مخرّبة، وكلّ من يقاوم الاحتلال سواء أكان مغنّيًا أو شاعرًا أو ممثّلًا أو أستاذًا جامعيًّا أو طالبًا أو عاملًا فهو مخرّب. إسرائيل تريد احتلالًا دون مقاومة، وهذا لن يحدث. يحقّ لكلّ شعب تحت نير الاحلال أن يقاوم الاحتلال بالطرق التي يراها مناسبة له، بالمظاهرة أو بالحجارة أو بالأغاني" (ص 225-226). وعلى لسان فاطمة: "نحن يا يافا نعيش معركة البقاء. نريد أن نعيش بهدوء وبكرامة وبمساواة" (ص 231).

أمّا شخصيّة "أحمد أبو مراد" فقد جعلها الكاتب الوعاء الأكبر والأوسع لصبّ مواقفه وآرائه ومبادئه وهمومه وتخبّطاته وخلاصة تجاربه وحكمته في الحياة. يُعرّف نفسه: "أنا عربيّ فلسطينيّ يعاني من الاضطهاد ومن التمييز ويرى شعبه يقاسي الأمرّين من الاحتلال البغيض" (ص 49). "هل يستطيع المرء أن يخلع ماضيه كما يخلع ثوبه؟ هذا أمر مستحيل" (ص 15)، "أنا أحترم الإنسان ولا فرق عندي في لونه أو لغة أمّه أو دينه" (ص71)، "أنا ضدّ الحرب وضدّ الاضطهاد وضدّ التمييز. كذلك ضدّ قتل المدنيين سواء أكانوا إسرائيليين أو فلسطينيين أو إنكليز أو فرنسيين" (ص 71)، "يرث الإنسان من والديه الاسم واللغة والدين فلا أحد اختار اسمه أو لغة أمّه أو دينه" (ص 100)، "البقاء في الوطن وعدم هجرانه هو مبدأ وعقيدة ووجود- هذا أن نكون أو لا نكون" (ص 181).

والسّؤال هنا: هل نعتبر هذا الصّوت الطّاغي للكاتب مأخذًا؟ وهذا يقودني إلى سؤال آخر: هل يصبح الأديب في مرحلة ما فوق النّقد؟ ولا أقصد هنا الاستعلاء، بل التّصالح مع النّقد أو العكس هو الأدقّ: النّقد يتصالح مع الكاتب. يعني على سبيل المثال: الكاتب الكبير مُحمّد نفّاع كان يُؤخذ عليه مثلًا تمسّكه بقريته بيت جن في جميع إبداعاته، كذلك استخدامه للألفاظ القرويّة الصّعبة، ولكن في الحقيقة، ما يؤخذ عليه هو عمليًّا ما يميّزه ويميّز أدبه. بمعنى، أنا أرى أنّ صوت محمّد علي طه هنا، نحن بحاجة إليه، وهو مطلوب في هذه المرحلة من العمر وبعد هذا الكمّ العظيم من الإبداع وبعد أن عركته الحياة وعاش القضيّة الفلسطينيّة بطولها وعرضها، بكلّ مرارتها وتقلّباتها وتحوّلاتها.

صرخة الكاتب وغضبه وألمه

أكاد أتخيّل محمّد علي طه بقامته العالية الثّابتة يقف غاضبًا ويقول بصوته الجهوريّ المتحدّي: "يا أوري ما الذي دعا شابا في ريعان الشباب أن يفجّر نفسه؟ هل هي الحياة الجميلة التي يحياها؟ هل هو رغد العيش؟ هل هي الحرية؟ أم مداهمة الجنود للبيوت في منتصف الليل والإذلال في الحواجز؟ الاحتلال السّبب في كلّ هذا. يا أوري لقد جرّبتم سلاح الطيران والدبابات والصواريخ والرشاشات والبنادق والمعتقلات والسجون والتعذيب والتجويع والنفي والإبعاد، ولم تنجحوا في تدجين هذا الشعب. لماذا لا تجرّبون الانسحاب؟ ارحلوا عن الأراضي المحتلّة. ارحلوا!" (ص 72).

وبالمقابل، أكاد أراه دامع العينين متألّمًا وهو يصف منظرًا يوجع القلب والعين: إطلالة بيت نفتالي المستوطن اليهوديّ العنصريّ: "يقع بيت نفتالي في منطقة ساحرة، يطلّ على كروم الزيتون الخضراء على سفوح الجبال التي تدلّ على نشاط الفلاحين الذين غرسوها في مناطق وعريّة قاسية، وفي قطع من الأرض المعلّقة على سفح الجبل مثل درجات السلّم. قطعان الماعز السمراء التي تسرح وتمرح وتقفز من صخرة إلى صخرة. أصوات الطيور وزقزقات العصافير وطنين النحل وألوان الفراشات" (ص 207).

ما يؤرّق الكاتب في هذا الزّمن الرّديء

محمّد علي طه شاهد على سوء الواقع الذي نعيشه نحن الأقليّة العربيّة في إسرائيل في ظلّ تردّي القيم الأخلاقيّة وتسرّب العادات السيّئة وسيطرة الأمور السّطحيّة والسّخيفة على حياتنا. هو شاهد على مجتمع ينحلّ ويتدمّر. وممّا يقلق الكاتب ويقضّ مضجعه: تحوّل الإنسان إلى عبد للهاتف النقّال، ظاهرة انتشار السلاح غير المرخّص في قرانا ومدننا، والشرطة تغضّ الطرف عن البائعين وعن المشترين ما دام الطرفان عربًا، ظاهرة الشبّاب "الملتحين المدشدشين" من رجال الدّين المتشدّدين وضحالة ثقافتهم الدينيّة والعلمية، دفع الخاوة والتّهديد في حال عدم دفعها، تسلّل العنف إلى بلداتنا حتى صرنا نصرخ متوجّعين منه، القتل على ما يسمّى كذبًا بشرف العائلة، الترقّية في العمل لا تتحقّق لطالبها إلّا بالتذلّل للمسؤول، استبدال قراءة الكتاب بالإنترنت، جيل اليوم الذي لا يقبل النصيحة ويعتقد أنّه يفهم أكثر من الآباء والأمّهات، أزمة السير في بلادنا، تناول السيّدات الصغيرات وطالبات الجامعة وتلميذات المدارس الثانوية الفطور في مطعم أروما، ويصفه بأنّه "جيل دلع ومدلّل، جيل الأيدي الناعمة، جيل لا يريد أن يعمل في المطبخ، ولا يعرف قيمة القرش. جيل مطاعم ورحلات إلى الخارج". فكرة أنّ السجن للرجال فقط ويتساءل: "لماذا ينسون أنّ نساء مناضلات دخلن السجون؟" (ص 171).

كلّ هذا يرافقه حنين إلى الشّعور بالأمان.. إلى أيّام زمان حين كانت مداخل البيوت مفتوحة على مصراعيها، وعلى الرّغم من الفقر والقلّة، كانت المحبّة والألفة تجمعان بين النّاس.

في تضاعيف الرّواية طرح الكاتب قضايا أخرى هامّة تخصّ الإنسان العربيّ هنا وطبيعة العلاقة بين الشّعبين. طرح قضيّة جهل المواطن اليهوديّ في قضايا المواطنين العرب والقضيّة الفلسطينيّة، والتّمييز اللّاحق بالمواطنين العرب في البلاد في قضايا البناء والتّعليم والصّحّة والزّراعة وغير ذلك، تعامُل الشّرطة مع العربيّ على أنّه عدوّ وسماحها لأفرادها بضرب العربيّ وبإطلاق الرّصاص عليه وقتله، فكرة اليهود أنّ العرب يقتلون النّساء وأنّ هذا من تراثهم ومن عاداتهم، عدم تدريس اللّغة العربيّة في المدارس العبريّة، ومَن يدرّسها منهم، فذلك لأسباب أمنيّة، غَرْس الشّعب اليهوديّ في عقول أبنائه أنّ القاتل يجب أن يكون عربيًّا، الشّيطان عربيّ، واللصّ عربيّ، والمغتصب عربيّ، والمخرّب عربيّ.

المرونة العقليّة التي يدعو إليها الكاتب

يدعونا الكاتب في روايته وعبر عدّة شخصيّات إلى المرونة العقليّة، وإلى عدم التعصّب لرأي وموقف نتمسّك به وننغلق على جانب واحد فيه دون غيره. فالمرونة العقليّة هي استجابة أساسيّة للتّغيير في واقعنا دائم التغيّر، وهي ضروريّة لبقائنا واستمرارنا وثباتنا. وعليه، هو يحذّرنا من التّقوقع بالتّفكير الثنائيّ، ويدعونا إلى التّفكير في أمر معيّن بأكثر من طريقة، وأن ننظر إلى الأشياء من وجهات نظر مختلفة، وأن نكون قادرين على طرح حلول وإمكانيات مختلفة، ممّا سيجعلنا نُعيد تصوّر طرائق جديدة لحلّ المشكلات. هذه المرونة العقليّة شهدناها في عدّة شخصيّات في الرّواية مثل: يافا، يوسف أهروني فيما بعد، فاطمة- والدة أحمد وسمير في تقبّلها ليافا. يقول يوسف أهروني (والد يافا) مثلًا وهو ضابط متقاعد، قاتَلَ في لبنان واقتحم مخيّمات اللّاجئين في الضفّة: "والحق أقول.. يحقّ للعرب أن يكرهونا، فنحن نداهم بيوتهم ليلًا ونوقفهم على الحواجز" (ص 95). "هل تظنّ أنّ عربيًّا من مخيّم الدهيشة داهمنا منزله في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، في ليلة باردة، وأيقظنا زوجته وأولاده الصغار وأجلسناهم في العراء وأيديهم وراء ظهورهم وشتمناهم.. سينسى ذلك؟" (ص 95). "سرقنا النوم من عيونهم، وطردنا الهدوء والدفء من بيوتهم، وأهنّاهم وأذللناهم" (ص 95).

كذلك "يافا" عندما عرفها سمير كانت تحمل أفكارًا سيّئة عن العرب، وتُحمّل الفلسطينيّين مسؤوليّة استمرار الصّراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، ومقتنعة أنّ الدين الإسلاميّ يشجّع الإرهاب. ولكنّنا نراها وبعد أن تجوّلت في القرية مع سمير، وقابلت الناس وتحدّثت معهم عن قرب. وجدت أنّهم أناس عاديّون، طيّبون، يضحكون ويمزحون. تقول: "تخلّصتُ من الأفكار المسبقة عن الآخر. الآخر إنسان من لحم ودم. الآخر يحبّ ويكره، يفرح ويحزن، يضحك ويبكي" (ص 238). ونجدها تستغرب من موقف نفتالي العنصريّ من العرب ومن اعتدائه على الفلاحين الفلسطينيّين وتخريب كرومهم. نفتالي الذي يريد ترانسفير لانّ "لولا الترانسفير لما كانت الدولة" (ص 164). يريد أن يطرد جميع العرب من بيوتهم. تقول يافا: "كان يصدمني أحيانا بآرائه، فهو لا يرى إلّا اليهودي، ولا يعترف بحقّ إنسان إلا بحقّ اليهودي" (ص 208).

هذه المرونة العقليّة نشهدها كذلك حين يطرح محمّد علي طه قضيّة معيّنة طرحًا يمتاز بالمصداقيّة والأمانة، ذلك لأنّه يحرص على طرحها من وجهة نظر الطّرفين: العربيّ واليهوديّ. هو لا يعمل على إلغاء الآخر. مثلًا يقول أحمد: "اغتال اليمين الإسرائيليّ اتّفاق أوسلو مرّتين، فقد اغتاله أوّلًا الطبيب الإرهابيّ باروخ غولدشتاين في الحرم الإبراهيميّ عندما ارتكب المجزرة البشعة، ثمّ اغتاله يجئال عمير في ميدان الدولة في مدينة تل أبيب عندما أطلق ثلاث رصاصات على رابين وأرداه قتيلًا" (ص 16). فكان ردّ الصحافيّة اليهوديّة: "أوافقك على ما تقوله، ولكن للعملة وجهين، فلماذا لا تسأل نفسك عن عدد المرّات التي اغتال الفلسطينيّون بها اتّفاق أوسلو؟ وبالأحرى، كم مرّة فجّرته حماس في الحافلات وفي المطاعم وفي الأسواق" (ص 16). مثال آخر على ذلك: عرض الموقف المختلف لكلّ من سمير ويافا من يوم استقلال دولة إسرائيل. فبينما رأت يافا أنّه عيد الحريّة والاستقلال من الاستعمار الإنجليزيّ وعودة اليهود إلى وطنهم التاريخيّ، رأى سمير فيه ذكرى النّكبة التي تعني ملايين اللّاجئين ومخيّمات الفقر ومئات القرى المهجّرة.

ما الذي حدث؟ الحبّ ذلّل كلّ هذه الخلافات. علاقة الحبّ التي جمعت بين سمير ويافا أوصلتهما إلى نقطة إلتقاء من خلال الحوار. بالحوار الهادئ العقلانيّ يستطيع الشّعبان أن يتوصّلا إلى حلّ وأن يعيشا بسلام. لا يوجد مستحيل، فسمير تحدّى الجميع حين اصطحب يافا إلى بيته وقال لها: "أنا لك وأنت لي، وأنا وأنت يا يافا سنغيّر الواقع.. سنغيّر الهواء والفضاء. سوف ننتصر على العنصريّين" (ص 139). إذًا، الحبّ.. هذا الشعور الكونيّ، هو شعور لا يجمع بين الأشخاص فقط بل بين الشّعوب.

على امتداد الرّواية تكرّرت على لسان الشخصيّات اليهوديّة المتعصّبة والعنصريّة أوصاف سيّئة نُسبت للعربيّ: العربي قاتل، العربي إرهابيّ، العربي مخرّب. جميعها انقلبت في نهاية الرّواية على القائل. ففي النّهاية القاتل هو اليهودي- نفتالي والمخادع والانتهازيّ والمستغلّ هو إبراهام الضّابط اليهوديّ. طبعًا ليس قصد الكاتب أن نخرج بفكرة أن اليهوديّ هو قاتل، وإنّما أن نعي خطورة التعصّب الأعمى لفكرة والتطرّف في الموقف، من قِبل الطرفين.

اللّغة الجميلة

الأديب محمّد علي طه معروف بلغته التي تُسحر القارئ وتشدّه إلى النصّ فرحًا مسترسلًا معها. فنشهد جمال هذه الّلغة في هذا الوصف الجميل مثلًا: "هبّت رياح شرقيّة ساخنة ولعبت بأوراق الأشجار وطيّرتها في الفضاء، وهزّت الأغصان وراقصتها رقصة متعبة طويلة، ولم ترأف بأوراق الورد الجوريّ أو بنبات الحبق، فتكسّر بعضها وخجل البعض الآخر فانحنى محتميًا بالتراب" (ص 243). ونراه في وصفه لأحمد مثلًا يستخدم كلمات من عالم القارئ الشاب وهو منتبه إلى أهميّة تقريب شريحة الشباب وجذبها إلى عمله الأدبيّ عبر الدخول إلى عالمهم من خلال هذه الألفاظ، فيقول: "كان شابًّا جميلًا، أسمر اللون، طويل الجسم، ضامر البطن، أنيقًا في لباسه، يتعطّر بآفترشيف جيّد، بنطلون الجينز من ماركة جيّدة، أمّا القميص أو التي شيرت فإمّا بوس أو ناوتكا أو ماركة أخرى فاخرة" (ص 10).

خلال سرده، كما عوّدنا في إبداعاته السّابقة، يُعرّفنا على أسماء الحيوانات: بنات آوى، الأرانب البريّة، القنافذ، النّياص، الثعالب والنسانيس. وعلى أسماء النباتات: القندول والبلّان والبطم والسرّيس والسنديان.

أمّا اللّغة الشعريّة الفاتنة فنشهدها في قوله مثلًا: "يافا. يافا عروس البحر. فيها بحر أزرق عميق، وفيها بيّارات ذات أزهار وعبير، وفيها شاطئ ورمال، وفيها عبق التاريخ وسحر الأساطير" (ص 124).

كذلك، أبدع الكاتب حقيقة في الانتقال والتنقّل بين السّرد والحوار بشكلَيْه: الخارجيّ والداخليّ، وأيضًا بين الضّمائر مستخدمًا أسلوب الالتفات ببراعة واضحة.

وأخيرًا

محمّد علي طه كاتب ملتزم بقضايا شعبه، كاتب مُتجدّد، مواكب للعصر. هو متفائل دائمًا ويعرف أنّنا شعب يستحقّ الحياة ويستحقّ الضحكة ويستحقّ الفرح، وأنّنا شعب أصيل وقويّ وصاحب قضيّة عادلة.

في أواخر الرّواية، يرسم الكاتب مشهدًا يُجسّد الحلم؛ حلم كلّ إنسان عاديّ منّا ومنهم- الشعب اليهوديّ- يرغب في أن يعيش بأمان واستقرار. مشهد يدغدغ عقولنا ويوقظ ويثير فينا رغبتنا الجامحة والمتوجّعة والمستميتة في أن نعيش بكرامة وبسلام.

يجلس سمير العربيّ ويافا اليهوديّة معًا ويتصوّران الوطن في عهد السّلام، ويُقبّلها وتقبّله ويحلّان قضيّة القضايا. يقول لها: "أنا وأنت.. بل أنت وأنا سنشرق غدًا جميلًا. فتقول له: أنا وأنت سنغيّر العالم. كفى حربًا. كفى قتالا. كفى دمارًا. كفى سجونًا. كفى متفجّرات. كفى انتحارًا. أنا وأنت سنغيّر العالم" (ص 239).

فهل سيتحقّق هذا الحلم البعيد؟ وهل ستكون رواية "نوّار العلت" هي المتنبِّئة بتحقّقه؟ مَن يعلم؟!

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى