الثلاثاء ٢ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
بانتظار الشاعرة
بقلم ناصر الريماوي

هيرات الغوص

أمام طاولة مجدولة بخيوط عناكب قزحية، تدلت تحت سقف المقهى التراثي والذي تقعّر جوفه منذ زمن بعيد، كنتُ أحاكي على بُعد خطوات مزينة بروح الماضي جدولاً يذرف عبراته بخشوع نحو مرافىء الخور، تفيضُ من حدقات تطل من بقايا "براجيل" لا زالت تطالع وجه الماء كنخلة عجوز، وأحاول شق صفوف الشعر النابت من بين رمال الصحراء المقفلة على عشق يداعب ترتيب القصائد النبطية فوق أرفف الزمن العابق، وكنتُ أشدُّ على جريد النخل المرصوص برقاقة بيضاء من سحابة دخان نفثها سقف المقهى في الرمق الاخير لإنعاش شرود جللني منذ اللحظة الأولى، كانت قد مرّتْ ذات يوم من هنا... ولم تترك لنا غير هذه القراطيس، مكدسة على ارفف تهجع في حضن أبراج حديثة مصقولة بزجاج المرايا تشهق في وجه الغيم على برّها المقابل، ظللت بيوتها القديمة، وبعض بقايا أثرية "لبراجيل" لم تزل شامخة، خطفت مني لحظة الشعر والشرود معاً، أمد يدي لكتاب الشاعرة حتى لا افقد خيط الوصل، فتنقشع السحابة من جوف المقهى عن " براجيل " وحيدة متسامقة، وبيوت طينية لها اثر العنبر، وشرفة مضاءة تحاور الليل، تفسح الطريق للعابرين نحو اول رمل ياتي بفصيح الشعر، كان للسفن التي تشق عباب الماء نحو برها الآخر، أثر يشبه الحلم في النفس، أين تلك الابراج المصقولة؟؟ وكيف أختفت، على برها المقابل، وأين ذهبتْ بأرفف الشعر المنشور،...لست ادري؟ وحدها النادلة تخرق حظر الضوء بملامح أسيوية وابتسامة كالحة، "رُقاعة" ممهورة بصفرة داكنة بين فكّي محارة ترَكَتْها هناك فوق طاولتي... ورحَلَتْ.

لتلك الشرفة المطلة على جانب الخور، صدى الإنكسارات العالقة على صفحة الماء،

يعتلي شغف المصابيح أرجاءها القديمة، فتغدو أكثر وهجاً،

تعيد إقتسام الطريق المعبّدة مع رحيل الشفق المخضب، إلى دروب رملية،

وأنفاق مسكونة بهمس أرواح عبرتْ من هنا، نحو البحر، وفي شرود يخلصني من ضوضاء المباني الشاهقة،

ينحسر الماء وغمامة القرن العشرين عن هودج يتهادى نحو شرفة لم تزل على حالها، تمر القافلة بمحاذاة المكان، فيعتدل الرمل تحت كرسي الانتظار، وينساب ما تبقَى نحو كثبانه التي تنتظر، مراكب الصيد تطفو غير بعيدة تعلق شباكها المهترئة على حبال الصواري وتطلق العنان لحزمة الضوء الذابلة لتلحق بالقافلة، تسعى خلفها حتى يهمد أخر فانوس ليليّ كان يكنس من دربها غبار العتمة، رائحة تشبه المسك كان مصدرها الوحيد ذلك الهودج، هبّتْ كأنها خرافة، جذبتني إليها وسط العتمة، طويت "الرقاعة" تحت ابطي، وهممت بالمغادرة، تخلف اثنان كانا على مقربة من هودج القافلة، نظرا إلي، ثم هرولا نحوي، انتزع أحدهما تلك "الرقاعة" بطريقة فظة لم أتوقعها، ثم دسها في جيب ثوبه، ركلني الآخر بعنف غير مبرر وأجبرني على السير خلف آخر جمل كان يذيل القافلة.

احتدم المسير نحو تلةٍ منبسطة، تخالها لفرط التحامها بعتمة الليل - وقد لفظت الى سطحها بيوتاً مائلة بلون الرمل- متحفزة على وشك الانقضاض نحو كل شيء يقترب، دروب رملية ضيقة تفوح برائحة السمك، تقود الى زقاق عريض، أفضى إلى بيت مرتفع تصدر بإطلالته واجهة البيوت المحيطة، توقف الرحل خارج الباحة، وحده الهودج ترنح فوق الراحلة وهو يعبر البوابة برفقة الرجلين... وأنا، حين تلج البوابة تدرك بأن البيت ينغلق على طبقتين تذرع الأولى رواقاً مضاءً بمشاعل جانبية يتوسط مجلساً واسعاً وغرفاً متجاورة مهيأة لأستقبال وفود قد تصل في أية لحظة، اما الثانية فتمتد نحو البحر بعنق أحاطت به شرفة نافرة للأمام مضاءة بمصباح ضخم، باحة البيت مستطيلة واسعة تحفها أشجار النخيل الباسقة، قيدني رجل لم يتلقَ إيضاحاً حولي، واقتادني آخر نحو غرفةٍ جانبية في الطابق الأرضي، دفعني بقوة اليها واغلق الباب بمزلاج خارجي ثقيل، ثم أطبق صمت مخيف، تلمستُ المكان على وهج ضوء شاحب تسرب من فتحة مرتفعة وانا أتعثر بمحتويات لم أقوى على تمييزها كانت تزدحم بها تلك الغرفة.

صوت يفيض عذوبة، توحد مع ضوء الغرفة الشاحب حين توغل مع هدأة الليل، أحسست بحاجتي لأن أتبع الوهج، كانت نسائم آخر الصيف تتدفق برفقته ايضاً، تندفع تحت بقعة محددة في تلك الغرفة الواسعة، تسمرت تحتها حتى بللتني تماماً، لم اكن واهماً، كان الصوت ينبثق في ظل لوعة تطغى على صاحبته، كان قريباً خالطته تنهيدة حارقة قبل أن تشرع بأهزوجة جديدة لشعر نبطي جميل... كنتُ أعرفه، رددتُه معها، لعشق يغمر البحار، بعودة قريبة كنت ألفظ انفاس يقظتي، حتى رحلتُ مع الريح، برفقة الصوت ثم ُرحت في سبات عميق.

أيقظتني رائحة ثقيلة تنزّ من جسد المكان كان مصدرها البحر، قبل أن تتلطخ جدران الغرفة الواسعة بشعاع شمس الصباح، الهواء لم يزل يندفع بارداً نحو تلك البقعة فلذتُ بها، على ضوء النهار تبينتُ المكان اكثر، كنت أرقد تحت برج التهوية، إحدى "براجيل" ذلك البيت الغامض، بفتحاته العلوية المشرعة على كل الإتجاهات...

فقط أريد العودة للمقهى التراثي... خذني إليه من فضلكْ.
أيُ مقهى وأي تراث تعني؟! على أيّ حال لك ما تشاء... فقط أخبرنا لمن تلك الرقاعة، ومن أعطاكَ إياها؟
لست اذكر كيف وصلت إلي... ولست على اطلاع بما تحتويه... ثم ما اهميتها، وهل فيها ما يستدعي كل هذا؟؟
لا تعلم... أحقاً لا تعلم؟ قالها الرجل في ريبة وسخرية، كان فظاً إلى حد يتفق مع ما توحي به ملامحه التي تغضنت بفعل الرطوبة وملح البحر، أما تلك الوزرة والتي بالكاد تستر عورته فهي الشيء الوحيد الذي كان يعتذر نيابة عن سلوكه.
حنى قامته ليلتقط عن أرض الغرفة بعضاً من أدوات الصيد، ثم أردف موضحاً: أو تنتظر هنا حتى يعود "النوخذة الأكبر".

ومن يكون هذا النوخذة؟ وأي شأن له بما تحويه الرسالة؟ كنت أستخف بهالة الإحترام التي جللته عندما أتى على ذكر ذلك النوخذة وأنا أمطره بأسئلتي.. لكنه لم يعقب، فقط تأملني بنظرة فاحصة، توحي بفكرة هبطت عليه فجأة، ثم قال في استخفاف مماثل: ما هذه الملابس الغريبة، وكيف تقوى على المشي بها، هة؟ أنتَ غريب عن هذه الديار، أليس كذلك؟ على أي حال لا أظنك نافعاً لشيء أبداً...
ثم نادى على رفيقه الآخر، وأسرّ له بحديث جانبي... ثم نظر إلي وقال في غلظة:

إتبعني....

تخطينا قرية الصيد، وفم الخور، وأنا أنوء بحمل السلال، وحبال الصيد، أتعثر بالوزرة الجديدة، تغوص قدماي في الرمل فتلسعني حرارة واحدة توزعت بانتظام حول جسدي كله، كنت أتبع ذلك الرجل مرغماً، مُخفياً حنقي، لخشيتي غلظته، حسدته لخفته وعدم إكتراثه لأي شيء، مررنا بعريش مسقوف من الخوص لرجل يكتسح ارضيته الرملية غير قادرٍ على الوقوف لورم منفر تفشى في إحدى ساقيه، ألقيتُ بالسلال لرتقها بخيوط السعف الطرية هناك، ثم تابعتُ المسير خلفه، سلك دروباً ملتوية بين بيوت طينية بائسة بدتْ خالية إلا من بعض الصبية وقد رجعوا للتو من تخوم الخور القريبة، وقلة من النسوة إفترشن أرض المصاطب الخارجية، للحياكة وطرد السأم، تسرب عرق مالح إلى عينيّ فلم أقوَ على الرؤية كما ينبغي، بينما يتنامى حقد آخر نحو خادم النوخذة كلما رمقني بنظرته المتبرمة وهو يحثني على المتابعة، دلفنا اخيراً إلى ساحة تطل على السوق تكدست فيها حبال سقيمة وأخرى مفتولة جديدة، وعيدان مجترة من جسد النخل الضامر، القيت بباقي حمولتي من الحبال، رحب الرجل بنا والذي كان يرتدي واقياً جلدياً على إحدى عينيه، ويبذل جهدا ملحوظاً ليرانا، ودعا خادم النوخذة بأسم الريس "عبيد"، كان يبدو عليه التذمر حين قال: ياريس عبيد، ألم يصلك "طارش" عن يوم "القفال" وعودة مراكب الصيد محملة بالخير... فكما تعلم الكل ينتظر عودة الجميع ليعم الفرج....

رد عبيد بسخرية ولهجة صارمة: لم يصل بعد طائر الرخ من رحلته ليخبرني، عليك بفتل الحبال فقط ولا تجهد نفسك في أمور لا تخصك.

تربّع فوق مقعد ثقيل، كان يشير للأشياء بعصاه الطويله، نزع الصبية "غِرَشْ" الماء المطمورة في رمل الفناء، ثم تفرقوا لحظة وصولنا بإشارة من يده، فَرَدَ اللفافة بين يديه، ثم أوجز محدثاً " عبيد ": هذه الرسالة تتحدث عن " هيرات " جديدة للغوص... يبدو انها غنية بالمحار، هناك اسماء لم أسمع بها مسبقاً، ثم... لكن " الشيخ" توقف وقد بدى حائراً، أما " عبيد" فقد كان متلهفاً أكثر مما ظننتْ، عندما اظهر إحتراماً مميزاً وهو يستحث الشيخ ويقول: سيدي " المطوع" أليس من إشارة ولو غامضة قد تشير إلى تلك الاماكن؟؟

ليس هذا ما عنيته... نظر إلي هذه المرة وهو يُكمل: يا ولدي هذه الرقعة موقعة بتواريخ لزمن لاحق يأتي بعد زمننا هذا بعشرات السنين، تشير ايضاً لوقائع لم تحدث بعد، كيف عثرتَ عليها؟
لم ينتظر " عبيد" رد أحد، انتصب واقفاً حدق في قوارب "البوم" الراكدة على جانب الخور في غيظ، ثم قال لي: تبقى بيننا حتى عودة النوخذة....

تدفق أهل القرية مع الصباح إلى تخوم الخور، ورأس الشاطىء البحري على الجانب الآخر، في همةٍ عالية، يسبقهم شدو بعض النهام، كان أغلبهم من النسوة والصبية الصغار، راعني تقاطر المزيد من كبار السن في مسير يشبه الزحف، وانا اتخطى حدود القرية نحو سوق البلدة برفقة "عبيد "، لاح هودج الأمس من بينهم ثم تقدم الجميع نحو غاية لم أدركها، فكرتُ أن ألحق به وأن أتبعه فلربما يسلك الطريق ذاتها والتي جاء منها ليلة الأمس فأعثر على مقهى التراث وينتهي هذا الكابوس، لكنني خشيت العاقبة وعدم جدوى الفرار، فعدلت عن رأيي واكتفيتُ بالمراقبة.

بعد توغل للشمس في سماء الظهيرة، نفر الجميع، ثم تفرقوا على مداخل الدروب في تثاقل، تردد صخب بدد الهدوء في اوردة الفريج المتشعبة، لتراكض الصبية وصيحاتهم، أما ملامح النسوة فقد علتها كآبة وخيبة، ميزْتُها من خلال لثماتٍ ممزقة تدلت في كسل عن وجوههن، وحده الهودج تحول نحو السوق، أما "عبيد" فقد شق طريقه في خفة نحو ملتقى الدكاكين بورشة "القرفطة" وهو يزفر مهموماً متوعداً، دفعني إلى مراكب الصيد الراكدة على تخوم الخور، تشجنت ملامحة الغائرة وهو يصيح: هل يبتلع البحرُ سُمّاره؟! جميعهم تأخروا هذا الصيف... حتى " محامل " التجار لم تعد!! أي نحس هذا...

تحلقوا في نصف دائرة بأجسادٍ ناحلة وعيون منكسرة ظللتها جباهٌ سمراء داكنة لوحتها شمس الخليج، جحظت في دهشة، حين غاص "عبيد" بكامل جثته نحو قوارب الصيد الجاثمة على أرضية الورشة وطفق يلطم جنباتها بعنف وينتزع ما برز من اخشابها ويلقي بها بعيداً، ويصرخ في الجميع، ماذا ننتظر؟!! ألن نبدأ بترميمها؟ لقد فات موعد " القفال" مما يجعل عودة النوخذة وكل البحارة وشيكة وفي أي وقت، هناك أيضاً قواربهم... موسم للترميم بلا خشب، هل يعقل هذا؟؟

تذرعوا بعذر وحيد، "فالمحامل" التجارية لم تصل بعد من " مومباسا" ولا من سواحل الهند، وأن نفاذ خشب " الساج" ليس وحدهُ ما يعيق البدء، بل شح " النارجيل" والياف جوز الهند المستخدمة في ربط العوارض الخشبية هو أيضاً سبب هام...

بدا غير قانع بتلك المبررات ربما لأنه يعرفها، فصاح باحد الغلمان، أن يذهب من فوره، ليطلب من أحد النواخذة التجار دعاهُ

" بالجازي" أن يتأهب مع الصباح للإبحار بمحمله " السنيار" في رحلة عاجلة، للمرافىء القريبة على سواحل الخليج، للعثور على فائض من خشب الساج وألياف الربط وغيرها، التفتَ إلي وكأنه تفاجأ بوجودي بينهم، فارتبكتُ حين تقدم نحوي، وهو يحسم أمراً: تعرف القراءة والكتابة، بلا شك؟

نعم...!!!
إذن، تغادر برفقة "الجازي" غداً صباحاً، هممتُ أن اقول شيئاً... لكنه قاطعني بإشارة من يده، وقال في برود ساخر: هناك... في عرض البحر، يمكنك الفرار.... إن اردت.

مع الليل وبين أدوات الصيد المتناثرة أدركتُ جدية الأمر، وان كابوس الرحلة لم يعد مقتصراً على الإنهاك الجسدي فحسب بل تعداه إلى حدود التشتت الذهني، فقررت الفرار، كخطوة أولى، كنت اسفل "البرجال" تحسستُ جدرانه فوجدتها ناتئة الحواف، مدعمة بقضبان معدنية تبرز قليلا إلى الداخل، تسلقتها بقوة إضافية للخلاص حتى وصلت إلى فتحاته المشرعة على كل الإتجاهات، هناك تنسمت برودة منعشة تهب لسويعاتٍ معدودة في مثل هذا الوقت مع أول الخريف، لثوان قليلة لم أصدق ما حملته لي تلك النفحات من اصداء قريبة تشبه الهمس، لصوت يفيض عذوبة، يناجي هدأة الليل، لكنني تذكرت على الفور ليلة الأمس وما تردد في جنباتها من عذب الكلام، وأنني كدتُ أن أنساه تماماً لما لاقيته أثناء النهار، أتراها قريبة من هذا المكان، ام أنها صدى الأمنيات ووهم السفر؟ تدليتُ من إحدى فتحات " البرجال" إلى خارجه، تعلقت بعيدان خشب " الشندل" المتقاطعة عند قمة البرج، ثم تسمرتُ هناك ملجوماً بما رأيتْ، كنتُ معلقاً بمواجهة الجزء المطل على الخور من الشرفة المرتفعة، وكانت هي تقف بملء قامتها في توحد مثير لشرود يحاور الأفق البعيد ونشيد مؤثر بللته بحرقة الإنتظار لأحد ما، على تذبذب أضواء قريبة لقرية الصيد الهاجعة، لمحتها بثوب فضفاض وأكمام واسعة، حوافه مطرزة بخيوط ذهبية من الزري، توارى جزء منه خلف شعرها المنثور بعناية، استدارت نحوي ولم تفاجأ بوجودي، فقط تأملتني بنظرة صافية، تبسمتْ وهي تقول: أنتَ الغريب...؟

نعم...
من أين أتيتْ؟
كنتُ هنا، ثم تبدل كل شيء... إلا أنا !!
أهلا بكْ، انا " الدانة" "أبنة النوخذة الاكبر"
توقعتُ ذلك

كنت مشدوها بهالة وجودها، أردُ بتلقائية، ثمة سحر ما في كحل عينيها، يجذبني فأرضخ مسروراً، خلت نفسي أدنو من تنهيدة تائهة تفور على استحياء، في دعوة صريحة للبقاء، لكنها تزفر بما تيسر منها، ثم تتلاشى عند المنتصف، ويخمد كل شيء....

لم تكن خيبة فقد دعتني لشيء مماثل يشبه التيه أو لذة الحلم، فنسيت " عبيد " واهملتُ وجوده...

هل ترافقني؟؟
من؟ تقصدينني انا؟!
نعم... أنتْ.
لكن كيف... أقصد إلى أين؟ وهل...
لا عليك، سأقودك إلى حيث تريد، فقط عليك أن تتذكر آخر شيء رأيته...
كُنّا ننزلق على نفس الدروب، بدت على وقع خطاها أكثر ألقاً، لم تكن قدماي تغوصان في الرمل، كانتا أكثر خفة، البيوت الصغيرة بجدرانها المرصوصة من حجر المرجان تحولت إلى مرايا تعكس طيف قوامها حين تسبقني بخطوة، على أمتداد انعكاساتها البعيدة رأيت شرفة وحيدة تطل من صفحة الخور بلا إنكسارات عالقة على صفحة الماء، وأبراجاً مصقولة تجابه الغيم، الطاولة وقبة العناكب المنسوجة بحرفية في تلك الزوايا والتي تقعرت عن سابق عمد، حدثتها بما رايتْ، فأومات، تدلني على استحضارها لروح المكان، قادتني إلى سفينة قديمة غائرة في رمال الصحاري، تآكلت أطرافها الظاهرة، أشارتْ إليها، فأغراني الصعود لعودة سريعة، قفزت إلى جوفها المسكون بنسيج العناكب، من بين الشقوق رايتُ الشاعرة تبتعد، ندمت حين خذلتني غبطة الرجوع، وانا اصغي لنغم شرقي كان يدل على عودتي، كيف لم أودعها، ولا حتى بتلويحة عابرة!!

طويتُ كتاب الشعر النبطي، مددتُ يدي نحو فم المحارة قرأتُ وأنا ألتقط " الرقاعة" الصفراء: "نادي إحياء التراث"، دعوة لرحلة بحرية نحو " هيرات الغوص" لإصطياد المحار واللؤلؤ...

على الجانب الآخر لمقهى التراث العائم، طالعني وجه مألوف بملامح ساخرة، صوب نحوي نظرات حانقة، تراجعتُ مشدوهاً أمامه وأنا أقبض على "الرقاعة" كان للصيادين وجوهاً أكثر ألفة، ممن تحلقوا خلفه، حين طالعوني في أسف وحيرة وهم يهزون رؤوسهم أمامي، هممت بالجري نحو المرفأ فأصطدمتُ بالرمال، كانت وزرتي لا تسمح بذلك، عقدتُ ربطة رأسي وقفزتُ في فزع نحو سيارة أجرة عبرتْ بجانب الرصيف البحري لذلك المقهى، القيتُ بجثتي فيها، ثم انطلقنا...على صدى خرير لاهث، كنت أصغي لنشيد دافىء يفيض عذوبة لا تنضب: " بانتظار الشاعرة... يتكسر الماء فوق الماء، لتداعب الريح شتلة الورد على صفحة الزبد"

 [1]

[1الهيرات: مفردها هير وهو مكان وجود اللؤلؤ في عمق البحر
النوخذة: هو ربان وقائد السفينة البحرية
النهام: المنشد في رحلات الصيد
القفال: يوم عودة السفن من رحلة صيد اللؤلؤ


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى