هي ذي غزة! وهذه جزيرة العرب!
هي ذي غزة تتوج عرس الدم النازف. هي ذي هذه الشهيدة الشاهدة تهز جزيرة العرب من الماء إلى الماء. ولا تزداد الأنفس إلا تطايرا وشعاعا. ينضاف إلى قافلة الشهود على هذه المجازر المقززة أجناس وأعراق من القارة السمراء إلى القارات الصماء. فأباة الضيم في كل مكان: في نيروبي ودكار ولندن وبروكسيل وباريس وحتى في سيدني ولوس انجلس. والشوق إلى الصبح يزداد توهجا. أطفالنا الشهداء يعدون بالمئات، وجرحانا يخطون بدماهم خارطة الميلاد. إن للمخاض لأوجاعا. وما النصر في الأخير إلا صبر ساعة. كذلك قالوا، وها قد طالت الساعات، وأعيانا الانتظار تحت ضغط الآلام والمعاناة. نفر من هذا الزمن الموبوء إلى الذاكرة. ويتراءى لنا رجال هنا وهناك صدقوا وبقوا،ثم رحلوا وما بدلوا. (أولئك أبائي فجئني بمثلهم). ورحم الله القائل الصادق!
غزة! مواكب الجنائز وأشلاء البشر ورائحة الموت والفوسفور. وفي عينيها تحد غير محدود. الجرحى بالآل. والإمكانات محدودة. والغوث الطائر من كل المطارات لا يجد من المعابر إلا التمنع. القنابل المضيئة تسمح بالتصوير لنقل هذا العبث إلى الضمائر. لك الله يا غزة. لا نجد العزاء إلا في قول الكتاب المبين: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله..صدق الله وآمنا بما قال. تسألني البنية: ولماذا يقتلونهم يا أبي؟ أخرس. وفي الذهن تجول: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين، ولتعلن علوا كبيرا..صدق الله،وها نحن شهود.
الضفة! وما أدراك ما هية؟ ترهف السمع لأزيز الطائرات وانفجارات الصواريخ، وانبجاس الدم. تتحرك الأوصال على وقع الأقدام من مراكش إلى البحرين. وأرض الكنانة قلب نابض بقوة، واثق من مركز الريادة. الضفة تصر على أن تتصدى لشلالات الدم، وتسعى لوقف الهجمة. ملعونة هذه السياسة التى فرقت بين الأشقاء. وملعون من قال يوما آمين، لتنفجر الأنهار نازفة من شريان اليد اليمنى. هي ذي النتيجة، وها هم هؤلاء يفعلون ما يشاؤون مستندين إلى تجدر عروقها وتوالد خلاياها. ومن خلف الجدران يرسل ذلك الشؤبوب الهادر رسالة: أن هذه فرصتكم لرأب الصدع وتوحيد الصف، والتصدي للخصم اللدود. فهل من آذان؟
الضفة! لم تنس خفقان قلب غزة يوم أن عض زمان لم يدع من الأمر إلا مسحتا: لقد اهتزت يومئذ وأسعفت،وضحت، واستماتت: فالدم واحد،والمصير واحد. وكذب من توهم ما يخالف.
لك العزة اليوم يا غزة: فقد برهنت على أن البذور باقية وإن طالها الجفاف: الرباط تنبري مفصحة عن انتماء لا يعرف المراء، وعن عواطف متأججة يحتاجها الصبية في زمن القهر العالمي. فضاءاتها الفسيحة تعجز عن احتضان هذا الحشد البشري. تهتز الأحشاء وألوان الطيف تتقدم المسيرة. غابت الانتماءات والحساسيات، وحضرت نصرة غزة مطلبا وغاية. وتجاوبت الأركان. كم هوعظيم هذا الشعب الذي يحتكم إلى عقله، ويستجيب لداعي الله إذا دعاه، ويتناسى ضغائنه الصغيرة. فلا شيء يعلوعلى الدم في هذه اللحظة.
شنقيط: هؤلاء الشعراء الأقحاح! لم ينسهم التاريخ ولا الجغرافيا أصولهم البعيدة. وكانت لهم جولات، ولا كجولات أبي الطيب، تماما كما كانت لجدودهم منذ ذي القروح وجرول. ما زال اللسان مبينا، وما زالت الفطرة تتبين الخبيث من الطيب رغم توابل العولمة. وقد قرأنا أن الحمية فيهم دائمة إلى يوم الدين.
أما هؤلاء الفراعنة، فكم هي عظيمة كنانتهم. وكم هوندي نيلهم وهم يتفاعلون مع آل غزة. لم يصرفهم جوار ولا جدار ولا شرط عن غاياتهم. وتحركوا من الجامعات والمساجد، من قاهرة المعز إلى طنطا إلى أسيوط والإسكندرية. تحركوا، فأيقظوا الغافل. وأوصلوا ما استطاعوا إلى رفح. لن أنسى ماحييت صورة تلك الأم الرؤوم وهي تعرض ما جمعت من رغائف وملح من كل جاراتها لأحبابها في غزة. ولن ينسى أهل غزة الشيوخ الأشاوس من أبناء الأزهر الشريف يخطبون ويحثون على البذل.لا ولن أنسى دمعها وهي تحتج على موت الصبية من مثيلاتها وعلى نواح الأمهات الثكالى. غاضبة كانت وباكية! فهنيئا لمن كانت له هذه أما.وما خنع من شرب من ماء النيل.
وإنما تحمى الشعوب السواعد. قالوها، وعلى وجوههم وجوم. من بيروت،حيث ما زال الجرح يندمل، وفي صنعاء، لكم الله أيها الأحرار الطيبون، الذين لا يصرفهم كدح ولا مسغبة عن قول الحق قبل الانصراف، والمنامة، هذه الحمامة الوديعة التي نفضت عنها السكينة لتجهر باليقين. أما في الدوحة والخرطوم ودمشق فللأمر وقع آخر حرك السواكن. عمان ترسم الأفق . وقد بحت الأصوات في كل مكان، وزغردت الرشاشات أحيانا، وما وهنوا ولا استكانوا. أبوظبي تجود. والرياض، ألم يتعلم الناس إغاثة الملهوف وإطعام كل ذي مسغبة بين كثبانها؟. الجزائر استحضرت صورة الأمس فتحركت، وطرابلس تنظر وتجود وتغيث. ولا يزداد الدم إلا نزيفا: وحدهم الغر المحجلون يصنعون التاريخ. بالأمس شرشل تحالف مع الشيطان. واليوم سيتحالف هؤلاء مع أي كان لذات الغرض. هكذا علمنا التاريخ!
استانبول! ما أنصفت إن لم أخصص لها وقفة! أية عقيدة هذه التي تحمل هذه الحشود على الارتفاع فوق عقد التاريخ؟ أية عروق تحركت بعد أن ظن الناس واهمين أنها اجتثت وتخشبت؟ كم هوعظيم هذا الدين الذي آخى بين أتباعه، وزرع تحت الضلوع بذورا لا تموت! هكذا هم المسلمون حقا: إذا اشتكى منهم عضوتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. ورحم الله بني عثمان. فالأنجال بلغوا بأمانة وما قصروا.
الأطباء تطوعوا وتظاهروا ونددوا من كل جنبات الجزيرة. والمحامون تلفعوا بالعباءات السوداء استعدادا لمهمتهم في الدفاع عن ضحايا هذا الظلم الفاحش، واستجابوا لصراخات الشيوخ والنساء والأطفال داخل غزة. لم تستثن هذه الحمية أحدا، وقميص المعتصم متوفر لكل على مقاسه وجهد مستطاعه. ولا يزداد الظالمون إلا عنادا. أي طبع هذا الذي يصم الآذان عن سماع صرخات الضمائر؟ أية لعنة تاريخية تأبى إلا أن تغذي هذا الاستكبار الملعون لدى بعض الخلق في هذا الزمن الرديء؟ أي مخلوق بشري لاتهزه هذه الصور المقرفة التي تتناقلها وكالات الأنباء العالمية لقتلى، وصبايا وأمهات يجهرن بالعويل، وبحسبي الله ونعم الوكيل؟
وهؤلاء النسوة اللواتي ينقلننا إلى حيث الحدث الدامي. كم هوكبير حجم التحدي في عيونهن. ونحتاج بلاغة جديدة لوصفها. نبراتهن تتحدى في كبرياء انفجار القنابل وسيلان الدم. واثقات كن من أنفسهن وقضيتهن. وهذه المعابر اللعينة تصر على ألا تنفتح جبناً وفزعاً.. فحتى نون النسوة هناك تبدى رجولة لا تقاوم. فلك الله غزة . أي شوق حمل هؤلاء إلى مصارعهم دفاعا عن أنفسهم وطلبا للشهادة؟ بل أي مسوغ لقتل النفس البشرية التي حرم الله إلا بالحق؟ أوتراهم المشرعون الجدد يبدلون شرع الله في هذا الزمن الرديء؟
أعود إلى المصحف الشريف وأقرأ: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض،ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.
بسم الله الرحمن الرحيم. والعصر، إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
صدق الله العظيم.
11/01/2009
