٥١ سنة على تنحى جمال عبد الناصر عن السلطة

، بقلم عمرو صابح

قراءة فى كتاب «الزحف المقدس .. مظاهرات التنحى وتشكل عبادة ناصر»

فى مساء يوم 9 يونيو 1967، تنحى جمال عبد الناصر عن رئاسة الجمهورية عقب إعترافه بمسئوليته عن الهزيمة فى حرب 5 يونيو 1967، وهى استقالة تراجع عنها الرئيس عبد الناصر فى اليوم التالى بعد رفض شعبي جماعى عربي لتنحيه، بعد خروج ملايين الناس فى مصر و فى السودان ولبنان والعراق وليبيا وتونس والجزائر وسورية والأردن، حتى الجاليات العربية فى المهجر تظاهرت رفضاً لقرار الاستقالة.

كل هذا معروف ولا جديد به، لكن النكتة البايخة أن يفنى أستاذ للتاريخ اسمه شريف يونس سنوات طويلة من عمره لدراسة جمال عبد الناصر وفكره وعهده ثم يقوم بعد ذلك بإخراج كتاب "الزحف المقدس.. مظاهرات التنحى وتشكل عبادة ناصر"، الصادر عام 2012 عن دار التنوير، لكى يخرج منه قارئه بإن هدف عبد الناصر من كل سياساته منذ توليه الحكم حتى تنحيه، كان الاستعداد للحظة التنحى، وأن تخرج الجماهير للتمسك به.

لو ان الدكتور شريف كان مد خط استنتاجاته قليلاً، كان سيصل بنفس طريقته فى البحث ان عبد الناصر هو الذى سعى للهزيمة بنفسه لكى يتنحى ثم تخرج مظاهرات رافضة لتنحيه!!
وغير مستبعد انه كان هيستنتج ان عبد الناصر هوالذى قرر الموت بكامل إرادته لكى تقام له أكبر جنازة شعبية فى التاريخ المصري والعربي، وواحدة من أكبر الجنازات فى التاريخ الإنسانى كله.

ولو عاد بالزمان قليلاً للوراء، كان سيجد ان المرحوم عبد الناصر حسين تزوج المرحومة فهيمة محمد حماد، وأنجبا أبنهما جمال لكى يحكم مصر ثم يخسر معركة عسكرية، فيقرر أن يتنحى لكى تخرج الجماهير لمطالبته بالعودة بعدما سيطرها على تفكيرها وجعلها تعبده.

الدكتور شريف يونس الأكاديمى الجامعى، المفترض انه يقوم باستخدم منهج علمى فى تحليل الاقتصاد الناصري، ترك كل الكتب العلمية اللى تمت كتابتها عن اقتصاد مصر الناصرية بالعربي والإنجليزى والفرنسي والروسي، وكتب بالنص فى كتابه ص 63 :"سوف أعتمد بالنسبة للتحليل الاقتصادى والاجتماعى بصفة أساسية على كتاب الصديق عادل العمرى: اليسار والناصرية والثورة المضادة"، صديقه ومرجعه الوحيد كاره لثورة 23 يوليو وللناصرية التى يعدها كنموذج للثورات المضادة!!!.

الدكتورشريف صاحب المنهج العلمى، لم يجد إلا كتاب صديقه المتفق معاه فكرياً، والذى لا يحتوى على أى مراجع تثبت ما يلقيه من أرقام وإحصائيات عن اقتصاد مصر الناصرية.

لم يكتف د. شريف يونس بذلك فى صفحة 116 من الكتاب، كتب بالنص عن جمال عبد الناصر:
انه شخص قلما كتب شيئاً بنفسه!!

كان الدكتور شريف يتناول الكتابات التى تتحدث عن الفكر الناصرى، فتوصل ان عبد الناصر قلما كتب شيئاً بنفسه!!

ما رأيك يا دكتور شريف فى ألاف الصفحات التى كتبها جمال عبد الناصر بخط يده، والتى نشرتها ابنته هدى تحت عنوان الأوراق الشخصية لجمال عبد الناصر، وصدر منها حتى الأن 4 مجلدات من القطع الكبير، ويتبقى مجلدان، تلك الأوراق تحتوى على يوميات لعبد الناصر وخطط عمل ومسودات لخطاباته، وكلمات مأثورة له بخط يده، وقصاصات ورقية تحتوى على خواطره

هذا هو الشخص الذى يحكم عليه شريف يونس بعدم كتابة شئ بخط يده إلا نادراً!!

والشعب المصرى الذى خرج مطالباً عبد الناصر بالبقاء بعد الهزيمة، والذى يتهمه شريف يونس بكونه شعب مستلب الوعى هو نفس الشعب المصرى الذى خرج فى مظاهرات ضخمة ضد عبد الناصر فى فبراير ونوفمبر 1968 مطالباً إياه بمحاسبة المسئولين عن الهزيمة، وبالديمقراطية.

الشعب المصرى أكثر وعياً من شريف يونس وتنظيراته، فى 9 و 10 يونيو 1967 رفض استقالة جمال عبد الناصر حتى لا تتحول الهزيمة العسكرية لهزيمة سياسية شاملة، وليس لكونه شعب مضحوك عليه أو مسلوب الوعى.

هذا مثال لرؤية واحد من أفراد النخبة الثقافية المفترض انها تتبع منهج علمى فى تحليل أحداث التاريخ.


عمرو صابح

كاتب مصري

من نفس المؤلف