الجمعة ١٤ أيار (مايو) ٢٠٠٤
بقلم إدريس ولد القابلة

متـاهة انتـظـار ـ الحلقة الاولى

الإهداء

إلى ياسمينة و خولة و نزيهة
بفضلهن تعرفت على مغزى الوجود العابر

1

في مكانه المعتاد بالمقهى يحتسي قهوته السوداء المرة مرارة الظروف التي يعيشها.

تابع دراسته وحصل على الشهادة الجامعية، ولم يتوصل إلى الحصول على عمل رغم كل المحاولات والاتصالات لأنه لم يكن يتوفر على وسيطة.

…. فشل على كل المستويات، يقتل وقته بين المقهى وممارسة الرياضة التي تتطلب لا تكاليف ولا معدات.
الساعة السادسة والنصف وبعض الدقائق، تقترب منه فتاة، يقبلها على خدها وتستقر بجانبه.
-  ماذا تريدين أن تتناولي؟
-  نفسي في كأس عصير ليمون..
-  مهلا ليس لدي إلا ثمن قهوة أو مشروب غازي.
-  لا تقلق سأكمل الباقي…
-  مادام الأمر كذلك، أكملي خبرتك ومعروفك، وأدي ثمن هذه القهوة المرة، لكي أتمكن من اقتناء سيجارة أو اثنين.
-  ما هذا، هل الزمان انقلب، أليس الرجال قوامون على النساء، وأن الرجل هو الذي يؤدي لاسيما إذا كان هو الذي دعاني للقائه هنا في هذا المقهى وليس في مكان آخر.

-  ابتسمت وأضافت:
-  لا عليك يا حبيبي لذي خمسون درهما، فأطلب ما شئت بشرط أن تترك لي ثمن تذكرة الحافلة للعودة إلى الدار.
-  دبت يده اليمنى على الطاولة الصغيرة المستديرة الشكل حتى لمست يسرى الفتاة ثم ضغط عليها بحنان وقال:
-  كم يكفيك من الصبر، يبدو أن كل الأبواب مقفولة، ظلام في ظلام، ليس هناك أي بصيص نور.
-  نادى على ماسح الأحذية وطلب منه سيجارتين " مارلبورو" شعل واحدة والفتاة تنظر إليه بين رشفتين من كأس عصير الليمون وبعد إفراغه عن آخر ه، نادت النادل أدت ثمن القهوة والعصير، وقفت وانحنت نحوه، قبلته وقالت:
-  علي الذهاب الآن، لا يمكن أن أظل معك أكثر، جئت فقط لأخبرك أنني سأسافر هذه الليلة مع أمي لقضاء بعض الأيام عند خالتي القاطنة بالشمال.
-  كان كلما قبلته يمسح شفتيه على التو بلسانه إلا انه هذه المرة لم يفعل وأخذ يمصمص شفتيه لتلذذ بصمات فم الفتاة التي مازالت عالقة بها.
-  عائشة، إنها الحب الخالص، عارية من كل الأفكار المسبقة، تقدر الظروف وتتفهم الأوضاع.
-  لم يمسح هذه المرة شفتيه لإستدامه الإحساس الناتج عن التقاء فمه بفمها.
-  التقت جانبا فرأى صورته في المرآة، وتبدى له فراغ روحه وانطفاء نظره رأي عشرة سنوات من حياته تنقضي بتكرار نفس الحركات ونفس التصرفات إلى حد الملل.
تذكر عندما كان في سن الخامسة عشر، كان يحب عينيه إلى درجة الجنون، كانتا صريحتين، وكان آنذاك يشبههما في تعاملاته وتصرفاته، لكنه اليوم لم يستطع التعرف على نظرته، أتعبه الأنتظار وأنهكه مجهول ما ينتظر.

في الأخير عقد العزم على مسح علامات أحمر الشفاه التي تركتها قبلة عائشة على خذه محاولا استرجاع رائحتها المشابهة لرائحة التفاح الطري ضمن أجواء رائحة الدخان المنتشرة والمحيطة به من كل مكان.

لم يعرف ما حل به هذا المساء، هل هو مرتبط باستكمال ظهور القمر أو بموقع برجه ضمن منظومة البروج رغم عدم إيمانه بعلم التنجيم.

يحس كأن جسده يتكئ عليه كأنه غريب عنه، يجد به إلى الأسفل دائما، إلى الأسفل إلى حد الانبطاح، يلتفت ثانية نحو المرآة ليتأكد من وجوده، تمكن من التعرف على نفسه بفضل ابتسامته الحزينة غمز غمزة خاطفة كأن عيون تراقبه من جميع الجهات والزوايا.

- " لاعليك…. إنها مجرد أزمة عابرة " قال معترفا لنفسه بجرأة.

… إنها مجرد أزمة شعور … والحمد لله لأنها ليست أزمة ضمير.

كلمات عديدة متعددة تزدحم في رأسه ككويرات اللعب الزجاجية في قاع علبة متحركة، كلمات مؤدية وأخرى شائنة، مثل تلك التي نسمعها كل يوم والتي نتلفظ بها لمجرد التلفظ دون غاية محددة.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة مهرج قدم عرضه وشرع في إزالة المساحيق من على وجهه.

لنعود إلى الجد، تذكر مقولة أستاذ علم النفس المرضي إبان درسه الأول بالجامعة.

" يقال أن الإنسان العاقل هو من يتوفر على ذرة العقل والأحمق هو من يتوفر على ذرة الحمق، لكن الإنسان يتوفر على ذرة العقل وذرة الحمق معا، لذا تعذر لمدة من الزمن التمييز الدقيق بين العاقل والأحمق، وأحيانا اعتبر العاقل أحمقا والأحمق عاقلا".
اعتقد أن أستاذه على حق، فحتى السعادة الدائمة تحفر قبرها عندما تستمر دون زوال، لأنها تصبح مجرد سلسلة من لذات يومية متتالية لا طعم له ولا ذوق.

….تذكر عندما إشتغل كبائع بمحل مواد التجميل، ومن المعروف أن علاقات بائع مواد التجميل غير واضحة وبريئة كل الوضوح والبراءة كان يقرأ ذلك في عيون الأزواج أكثر مما كان يقرؤه في عيون النساء.

فليس هناك رجل، بالمعنى الحقيقي للرجولة والفحولة، يترك زوجته تذهب لوحدها عند بائع مواد التجميل، إنه يتوفر على قدرة للتحكم في زبوناته، فالخطأ متبادل لكل دوره، البائع والزبونة فهناك من الزبونات اللائي يصبحن ملكا للبائع محل أزواجهن أحيانا رغما عنهن للحظة على الأقل تتوفر للبائع فرصة النظر في الصدور وأحيانا ما تخفيه الصدور والخصور، وأشياء أخرى لمجرد أن الزبونة أرادت التفرج على ما استجد في عالم التجميل ومقاومة أثار الدهر وتراكم الأيام والسنين.

فلم تعد المرأة تجذبه بالقدر الذي كانت تجذبه من قبل، حتى الشهوة الحيوانية لم تعد تثيره كالسابق، كما أن حب السيطرة على الجنس الأخر لم تعد تستأثر باهتمامه، لأن هناك قوة ما تجذبه خارج نفسه، تدفعه إلى اعتقاد جديد، إلى رؤية مغايرة للحياة.

فعائشة عرفها عندما كان معا في الجامعة، فتاة عادية، أنهكها الانتظار بدورها وركنت إلى حالها تقتل وقتها يوما بعد يوم، شغل البيت وقراءة مجلة " سيدتي" وتتبع المسلسلات العربية والأجنبية…. كانت ابتسامتها ترقص عينيها العسليتين.

…. تذكر إحدى مقابلاته معها بمكتبة الكلية.

….. تجلي بجانبه، من فترة لأخرى تميل إلى الوراء وهي تلعب بالقلم بين أصابعها، نظرات هاربة، تتظاهر في أرجاء قاعة المطالعة لتستقر برهة على رفوف الكتب المصففة بنظام وانتظام ثم تتحول نحوه وتنزلق لتتوجه نحو الكتاب المفتوح أمامها بعد سلسلة من الرمشات.
قال لها:
-  هل استعصى عليك فهم الكتاب؟
لم تعره أي اهتمام وهمت بالكتابة، يقوم بتجميع كل قواه ويعيد الكرة:
-  في أية شعبة أنت ؟
-  وما يهمك في ذلك؟
-  حب الاستطلاع و….
-  من الأفيد لك أن توظف حب استطلاعك في سبر أغوار الكتاب القابع أمامك، فمنذ جلست لم تقرأ منه ولو كلمة واحدة….
-  مهلا عليك ألا تودين التعارف؟
ترفع عينيها عن الكتاب، تمصمص شفتيها بامتعاص وتقول:
-  هل التعارف أصبح مفروضا في هذه الأيام، الجميع يرغب في التعارف، لكن ماذا بعد التعارف ؟ هذا هو الأهم.
- 
يقول مع نفسه أريده، وعلي أن أنالها، تستطرد قائلة:
-  لماذا ترغب في التعارف معي ؟
-  لنتعارف في الدراسة ونناقش المواضيع المختلفة، ونقوم بالجولات معا للترويج عن النفس..
تضيف مبتسمة….
-  … ونشرب عصيرا بمقهى ثم نتوجه إلى غرفتك لنسمع الموسيقى معا، أليس كذلك؟
-  لا ليس بهذه السهولة فالطريق لازال طويلا لبلوغ هذه المرحلة، لابد من التعارف والتقارب والانسجام والاتفاق على تحقيق هدف موحد أولا و….
-  ضحكت، نظرت إليه ونظر إليها وابتسما معا، رأى خصلات شعر تتحرك على جبهتها هم بوضع يده على يدها فجذبتها بسرعة ثم قذفته بكلمات جعلته يندم على ما فعله.
-  لا تقلقي لم أكن أنوي شيئا، كانت حركة عفوية، لا شعورية.
-  أستحسن هذا …. و إلا اعتبرتك لست أهلا كطالب بالجامعة وعليك الالتحاق بحديقة الحيوانات.
-  اسمحي لي، لم أتعمد…. بكلامك هذا جعلتني أكره جزءا من نفسي، الجزء الطيني فيها.
رأى نفسه صغيرا أمامها وصمت.

ترفع عينيها، نظرات تساؤل وشفتان ترتعدان.
-  كفانا مزاحا، لنرجع لدروسنا أحسن لي ولك.
-  نعم، إنك على حق…. لكن لا تتسرعي غي الحكم علي.
-  حسنا سوف لن أحكم عليك بالبتة لأن الأمر لا يهمني إطلاقا.
-  ولا هذا كذلك…
-  فماذا تريد إذن؟
-  نسيان ما وقع ونبدأ من جديد
-  نبدأ…. نبدأ ماذا؟
-  عملية التعارف على أساس صادق بريء ناصع واضح.
-  أهذا ضروري؟
-  نعم ضروري ومؤكد، بل وملزم.
-  دعني أفكر، وبعد ذلك سأجيبك.
- 
كانت لا تعلم ما يدور في رأسه وما سيقول لكنها لم تترك له الفرصة.

لا ينفي أن رغبة إشباع الشهوة الحيوانية قد ملكته لبرهة لكنها سرعان ما اختفت كليا لم يكن من الذين لا يتوفرون عن من معاكسة الفتيات في أي زمان ومكان لأنه كان على درجة من التحكم في المكون الطيني لذاته بترجيح دوما مكونها النوراني مهما كلفه الأمر، وهذا ما كان يزيد من ثقته في نفسه ويغيثه من مغريات الجسد ولذائد الفعل الشهواني.

جمعت كتبها وتناولت حقيبتها وغادرت المكتبة.

هكذا تعرفت على عائشة.

2

…….لقد غابت عائشة عن أنظاره مند مدة تذكر اللحظات الهادئة والصاخبة التي قضاها معها مازال ممتدا على الفراش، أصوات الأطفال وبائع " جافيل" تصله بالتدريج، ينهض ويتوجه إلى الحمام في طريقه يصادف جدته التي تعاتبه برفق.
-  لقد تأخرت البارحة، لم تدخل إلا قبيل الفجر.
-  بقيت مع بعض الأصدقاء، التقيت بهم بالصدفة…
-  لم تبق لدينا قهوة، هل أعد لك الشاي؟
-  لو تعرفين بمن التقيت البارحة، كريم ولد بائع الكتان وحميد ولد البرلماني وشفيق ولد القائد…. كلهم كانوا يدرسون معي وكلهم الآن يشتغلون ، هناك منهم من يعمل في التجارة أو في شركة أو يعيش من ثروة أبيه…. كلهم بخير وعلى خير…
- 
لقيهم بالصدفة في الشارع وهو عائد إلى الدار حميد ولد البرلماني برفقة فتاة شقراء قدمها له كخطيبته ابنة مدير الشركة دعاه لقضاء السهرة برفقتهم، في البداية رفض لأنه لاحظ إحساسه بالغربة بينهم، غرابة المظهر والقالب، تخوف من الظهور كنغمة نشاز ضمن سامفونية مضبوطة الوزن والإيقاع.

كان حميد يتحرك في ظل خطيبته، يؤكد على التوكل ما تتفوه به، يزكي كل اختياراتها واقتراحاتها، مكان السهرة وصفة العشاء نوع المشروبات، ومن حين لآخر تنبهه لوضعية رابطة العنق وطريقة الجلوس.

… لقد كان حميد الطالب دائم السؤال والتقصي عن كل فتاة وقع عليها نظره في الحي الجامعي، في المطعم، في المكتبة أو في المدرج، يريد أن يعرف أصلها وفصلها وانتمائها الطبقي قبل أن يشرع في أي مغامرة معها ولو عابرة.

نظرة خاصة عن الحب والارتباط بالجنس الأخر. ومرجعيته في ذلك أفكار أفلاطون في الموضوع، كان يعتبر أن البشر أنصاف، والسعادة تكمن في ارتباط النصف بالنصف المكمل له وليس أي صنف آخر، والتكامل يمكن أن يكون عاطفيا وهذا ما لم يكن يعيره أي اهتمام أو أنه يكون لحظي وهذا لا يدوم طويلا، أو يكون طبقي وهذا ما كان يجتهد في البحث عن تحقيقه.

لم يتكلم حميد كثيرا طوال السهرة لكنه كان ينظر إلي بأسف تارة وبحسد أخرى، لم أفهم مقصده، لكنه ظل يرمقني بنظرة غريبة متظللا بظل خطيبته.

…. ودعتهم قرب سيارة " مرسيديس" الخضراء وواصلت سيري إلى الدرب العتيق، مسقط رأسي وحقل طفولتي وسجن شبابي ومآلي منذ سنوات كلما انقضى النهار.

3

هو حفلة تقيمها عائلة حميد ولد البرلماني خطيب ابنة مدير الشركة.

البرلماني من الملاكين العقاريين وصاحب أسهم في عدة شركات، مولع بجمع الأواني الفخارية القديمة والخواتم العتيقة، زوجته غريبة الأطوار تبدو في تصرفاتها مسحة حمق خفيفة لا تكاد تبين.
والخطيبة، طويلة القامة رشيقة الهامة، شعرها أشقر بين الطويل والقصير تضع على الدوام نظارات ذهبية على أنفها المستقيم.

….أحسست بنفسي غريبا وسط هذا العالم، إلى درجة الاختناق، رأيت نفسي صغيرا، ذرة رمل سوداء تعكر صفو فضاء أبيض لامع.

المنزل يمتد على مساحة طابقين غارقين بين أشجار الصنوبر والزفزوف، في الحي الراقي القابع بالهضبة المطلة على النهر.

في أعلى السلم أتعرف على حميد برفقة خطيبته نازلين على إيقاع أنعام الكيطارة من عزف فنان المناسبات الواقف بركن الصالون.

….أنزوي قرب الحائط إلى حد الإتكاء على لوحة لفنان مغربي مشهور، يبيع أعماله بالخارج ويقضي عطلته السنوية بالداخل، أظل واقفا هناك.
يمر حميد رفقة خطيبته يرمقني ويرسم ابتسامته عابرة على شفتيه، وكزته الخطيبة بمرفقها فأدار وجهه وواصل السير بتأني وجوه لا أعرفها، روائح غريبة لم يسبق لي أن استنشقتها منعشة ترئم الإحساس.

تنفصل الخطيبة عن حميد وتتركه وسط القاعة، تنتقل من جماعة إلى أخرى تتكلم، تبتسم تقبل، ترحب ولا تبالي بالخطيب.

-  مرحبا يا دكتور أين " المدام"؟
- إنها خارج البلاد، لها موعد مع اختصاصي في التجميل…
تواصل دورتها
-  آه، أتذكرك يا صديقي، لقد التقينا في « كابو نيكرو أليس كذلك؟
-  نعم، أمازالت تذكرين؟
تتركه وتخاطب آخر؟
-  أهلا طبيبا هل كشفت على حماتي …. لقد قالت لي أنك أرهقتها بالأسئلة وفرضت عليها حمية لا تطيقها.
-  …. إن ذلك من أجل صحتها:
…. يقترب مني حميد ويقول:
-  مرحبا بك، مالك خجول، إنك ضيف مثل كل الضيوف.
يلاحظ أن خطيبته ترمقه، يبتعد مني بسرعة متجها نحوها، يقتربان معا من رجل مسن يسلمان عليه، فيقول.
-  ماذا قررتما؟
-  سنذهب إلى أكاد ير وبعد عودتنا سنرى ما سنفعله؟
-  فأنا دائما على وعدي، منصب حميد في الشركة مازال شاغرا.
تقترب الخطيبة من كهل أنيق، تقبله وتقول له مبتسمة:
-  عزيزي، أنت طبيب نساء، ألا تنزعج من رؤيتهن طوال النهار؟
-  لابد أن أحبهن لكي أستطيع أن أعاجلهن…
…. ترفع كتفيها وتضيف:
-  هل هذا يعني أن علي زيارتكم في العيادة؟
-  إذا كان لإجراء كشف ، ستكون العيادة المكان الأنسب ولكن….
رغبت في صفعه، لكنها تبسمت وتوجهت نحو جماعة قرب المائدة، تناولت زيتونة سوداء وكأسا من الصعب التعرف على محتواه، أحلال هو أم حرام أو بينهما.

الخطيبة جميلة لكنها متشددة في فرض شخصيتها ولو على حساب طمس شخصية الآخرين.
من وجه مستطيل تبرز عينان زرقاوان، تنمان عن نظرة تابثة، شعر دو لون التبن، يتبعثر كلما حركت رأسها وكل خصلة منه تتخذ اتجاها خاصا بها، وكانت له طريقة فريدة لإرجاعها إلى مكانها بتحريك أصابعها كمشط.

وكلما فعلت ذلك بدا إبطها الأيمن المحلوق حديثا وجزء من نهدها عندما تلقي برأسها إلى الوراء لتتحدى جبهتها السقف المزركش بإهداء حنجرتها للنحر.

البارحة كان لها موعد مستعجل مع الطبيب للتأكد من قدرتها على الحمل لاسيما وأنا استهلكت كمية ضخمة من موانعه، وعلمت أن عليها إجراء فحص دقيق لأن هناك علامات لا تدعو إلى الاطمئنان بدت على عينيها نظرة يأس جافة صامتة كسرها الطبيب قائلا.

-  تنظر إليه بتقزز مشبع بعصب بارد وتقول.
-  كنت أود معرفة المزيد، لكن لا بأس.
تنتصب أمامه، فيبادرها:
-  لا تقلقي، فما قلته هو مجرد احتمالات أولا عليك إجراء التحليلات اللازمة.
-  بالنسبة لي، فالأمر لا يقلقني ولكن أمي وأبي هما اللذان يرغبان في أن أتأكد.
-  يقاطعهما:
-  هل يعلمان باستعمالك لموانع الحمل.

تجيب دون أدنى حرج:
-  أظن ذلك وإلا ما كانا ليطلبا مني أن أزورك، كما أنهما يعتقدان أنني أستحق أن أكون أما يوما ما، أنهما لا يفكران إلا في ذلك منذ أن ارتبطت بحميد.

تحول نظرتها، يهمهم الطبيب بكلمات لم تع مدلولها.

واليوم هاهي تصول وتجول بين المدعويين كأن البيت بيتها وكأنها صاحبة الحفلة في حين أنها حسب العرف مازالت لم تحسب من العائلة، إنها لازالت في طور الاستقطاب ليس إلا، مادام لم يعلن بعد عن خطوبتها بحميد رسميا.

أظل بمكاني غريب عن العالم المحيط بي، أتابع الحركات والقبلات على أنغام موسيقي تارة هادئة وأخرى صاخبة، عالم اندثرت فيه حواجز السنين، الكل يشرب، الكل يرقص، الكل يقبل الكل…

يأتي حميد بالقرب مني ويقول:
-  مالك واقف لوحدك، أنسجم يا صاحبي، والحفل حفلي وأنت من ضيوفي، تصرف كأنك في بي….
قبل أن يتم سمع خطيبته تناديه، استدار وتركني وذهب…

…. أتذكر حميد في الجامعة وأيام الدراسة، والذاكرة ملكة خارقة، تختزن بعض عناصر وجودك في ضباب اللاشعور وفجأة، دون سابق إنذار، تسترجع لحظات مضت منذ زمان بدقائقها وأجوائها كان حميد يستقر بطاولة فارغة في المطعم الجامعي ويكلفني بإحضار الطبقين، مقابل الاحتفاظ بكرسي فارغ بجانبه، وفي الحقيقة كان يريد التفرغ للبحث عن طاولة تستقر بها إحدى الطالبات اللائي وضع عليها العين ويريد إسقاطها في شباكه وهيهات بين ذاك وحميد هذا الذي دعاني لحفل تقيمه عائلته وتسيره خطيبته المرتقبة، قبل حصولها على الصفة.

أعود عند حميد حاملين طبقين، طبقي وطبقه، وأجده واقفا.

-  ألم تعثر على مكان فارغ..
-  …. إن تلك الفتاة ت….
-  لا تكمل، دعنا نعثر على مكان نجلس فيه لسد رمقنا.
يتركني حاملا الطبقين ويتوجه إلى طاولة بها فتيات، يتحدث مع إحداهن ثم يناديني.
…. موسيقى صاخبة تثير انتباهي، تتحول القاعة إلى مرقص، الكل يرقص بغض النظر عن السن والهيئة، ثم تليها موسيقى هادئة فيلتصق كل ذكر بأنثى وتتغير وثيرة الحركة لتصبح هادئة مدروسة، أظل بمكاني أرقب وأعاين بالقرب من لوحة الفنان التشكيلي المشهور عالميا.
أبحث عن حميد وخطيبته، أراها متعانقين وسط العرمرم مستلمين لأنغام موسيقي" سلو" الهادئة.
…. أتذكر حميد أيام الجامعة.

…. في عشية من أيام الربيع الدافئة، نتمشى في الشارع الرئيسي، فتيان بفساتين قصيرة أو سراويل ضيقة طويلة أو أنصاف سراويل تتحركن ذهابا وإيابا مثنى أو وحيدات على طول الشارع، وكلما نقترب من إحداهن تعدل مشيتها أو ترمقنا بنظرة مستفزة حافزة، تنطق إحداهن:
-  …. درهم فقط أتريد؟

ضحكات مصطنعة، حركات مبالغ فيها كلام… عبارات لا معنى محدد لها، إشارات توزع الحب والشهوة شمالا ويمينا.

-  هل تريد أن تنشط هذه الليلة؟
- 
نقوم بالجولة الأولى صعودا على طول الشارع ثم نعيد الكرة نازلين…

… تتوقف الأنغام، ويتوجه المدعوون نحو طاولة شاسعة بها الحلويات والمشروبات أظل بمكاني أراقب مخلوقات هذا العالم الغريب، يأتي حميد وبيده صحن من الورق المقوى به حلويات يناولني إياه ويقول:
-  تفضل إلى الطاولة وخذ المشروبات…
يمتلكني إحساس بالتقزز واليأس وخيبة أمل، أستحضر وجه عائشة وضحكتها العادية الصادقة غير مصطنعة وهي تقول لي أكثر من مرة:
-  الصبر جميل، وإذا كان عندك غيره، وعليك أن تذلني عليه.
-  فكيف يمكن الاكتفاء بهذا الاعتقاد والنظر إلى الغد في ظل الانتظار الآتي الذي لن يأت، في وقت أصبح فيه الانتظار انتحار الدات والأحلام والآمال، بل انتحار القدرة على الاستمرار والبقاء هروبا من الفناء، في عالم، أصبح مسرحا للفقر والمرض واليأس ومصائب ينتجها ويعيد إنتاجها، منبع الخزي والشقاء وهذا كافي لوحده لتدميره، ولضمان استمرار يته عليه تزوير الماضي وكذلك منع المستقبل.
… ترفع خطيبة حميد يدها كالمشط لتعيد خصلات الشعر الثائرة إلى مكانها فيبدو جزء من نهدها وهي واقفة بصحبة حبيبها وأبوه البرلماني يودعون الضيوف، أتحرك من مكاني وأبتعد عن اللوحة التشكيلية متوجها إلى الباب. أسلم على الخطيبة وحميد ثم الأب وأغادر الفيلا.

في طريقي إلى الحي العتيق، أدلف المقهى، أستقر بطاولة وأطلب قهوة سوداء.

تقترب شابة مني بيدها سيجارة " مارلبرو" تطلب الولاعة وتستقر بكرسي أمامي، تفرق ركبتيها ببطء وترمقني بنظرة ثاقبة.

لقد سبق لي أن عاينت نساء تعرضن أنفسهن لأول طالب لكن لم يسبق لي أن أحسست بإحساس القلق العميق والاستفزاز العدائي كما أحسست به في ذلك اليوم أمام هذه الفتاة الرخيصة.

أطأطأ رأسي، أتناول فنجان القهوة وأرشف رشفات متتالية:
تعدل الفتاة من جلستها وتمصمص شفتيها الحمراء القاتمة، تغمض عينيها وترفع السيجارة المشتعلة إلى فمها تاركة بصمات حمراء على مصفاتها.

وكلما طال الوقت، كلما اجتهدت الفتاة في عرض نفسها علي بصمت، تمد يدها لتناول الفنجان من أمامي أمسكها، وأنادي النادل:
-  قهوة سوداء للشابة من فضلك…
تبتسم ابتسامة عريضة، تنفتح عيناها أكثر وتبدو نظرتها كأنها غادرت اللحظة الآنية.
وتقول:
-  شكرا لك…..
-  انتصب على الكرسي، أرفع رأسي وانظر إليها…
…. أتذكر أسطورة " أورفي" وهو يتوغل في غياهب جهنم ليعود بزوجته " أوريدس " يسمح له " هاديس" إلاه النار والجحيم بأخذها معه شريطة أن لا ينظر إليها إلا بعد مغادرتهما لعالم الأموات، لكن " أورفي" لم يحترم وعده فكان سببا في موت زوجته مرة ثانية.

أنظر إلى الفتاة وأتفحص جسدها، ذلك البدن الذي قتل أكثر من مرتين، ولا زال معروضا للقتل سواء من طرفي أو من طرف غيري وأحسست بأن علي أن أعيد له الحياة كنت أود أن أكون مغرما بهذه الفتاة لكن الصدفة لم تجمعنا في الوقت المناسب قبل فوات الأوان.

تحط حقيبتها الوردية على الطاولة، وتبدو ساعة بلاستيكية رخيصة الثمن على معصمها أرفع عيني فيبدو لي الصدر مدلى تحت قميص صيفي، أرمي بصري إلى الأسفل فأرمق السروال الضيق كابس على الخصرين المسجونين رغما عنهما متأهبين لتجاوز الثوب السميك.

أنا والفتاة فقط في هذا الركن من المقهى، الزبناء بدأوا في مغادرة المقهى.
-  اسمحي لي سأذهب الآن، ولا محالة أننا سنلتقي مرة أخرى، إلى اللقاء.
أغادر المقهى وأتوجه نحو الدرب العتيق …. مشاهد لازالت عالقة بذهني إمرأة أمام مرآة تصفف خصلات شعر ثائر…. موسيقى صاخبة …. نغمات وأنعام هادئة …. وجوه صافية وأخرى عليها تجاعيد ظاهرة رغم المساحيق والصباغات والدهون، صف من الشابات على الرصيف على طول الشارع، ومن حين لآخر تقف سيارة تركب إحداهن ونواصل سيرها.

أجد نفسي أضحك وتسكنني فكرة: علي أن أهرب

أضحك ثانية بدون سبب كالأبله.

…. في لحظة أصبح طعم وجودي لا مداق له، حتى عائشة أصبحت جزءا من هذا الوجود بدون طعم ولا لون.

أحس أنني عثرت من جديد عن الروح الإنسانية التي فقدت حضورها منذ خروجي من مرحلة المراهقة.

4

راودتني في هذا الصباح فكرة الاتصال بالأخ " أفغان" الصديق الأفغاني الذي تعرفت عليه في الجامعة، وعملت بزيارته للبلاد في إطار حملة لدعم القضية الأفغانية.

لقد كنت على اتصال به إبان دراستي الجامعية، كان إنسانا عاديا، قوي التشبث بالمبادئ معايشتي له جعلتني أعرفه كصديق قادر على فهم مرمىحدثه بواسطة نصف الكلمات.

-  أهلا " بأفغان" كيف الحال؟
-  الحمد لله مادمنا على طريقه السوي، وأنت كيف الحال؟
-  الحمد لله على كل حال، أقصدك في خدمة فلا تخذلني.
-  فما الأمر؟
-  أريد الالتحاق بالجهاد في سبيل إعلاء راية الحق.
-  لكن أليس لك بيت ؟ هل ….
-  نعم هناك الجدة والخطيبة، وأنا لم أتزوج بعد لأن المادية لم تسمح لي بذلك، فحتى الآن لم أتوفق في العثور على عمل أو وظيفة.
-  إنها أزمة عابرة يا صديقي وسوف يتحسن الحال بإذن الله.
-  إنها أكثر من ذلك، إنها قناعة، لقد اخترت عن يقين الجهاد.
-  إذن لم يبق لي إلا أن اعمل ما في وسعي لتحقيق مرادك.
-  …. أودعه بعدما حدد لي موعدا قادما.
-  أستحضر ذكريات لحظات حياة راهنة تمضي وتندثر في غياهب النسيان، تبقى وتدوم ولا تكف عن الوجود، هذه تضاف إلى أخرى قد سبقتها لتشكل مجموع ذكرياتي ورصيد تجاربي وتاريخي الذي يظل يتعبني في كل لحظة وحين.

لم أحس بتدفق الزمان وانسيابه في حياتي رغم أنني أعي حياتي وأرغب في تنظيمها داخل شبكة زمانية نسيجها الماضي والحاضر والمستقبل.

في زمان مضى، كان الغد أحب تلك اللحظات وأقربها إلى نفسي، ثم بدأت أعز الحاضر ولما فقدت الأمل ركبت إلى الماضي، وحاليا أصبحت هذه التقسيمات الزمانية لا وجود واقعي لها لأنني لم أعد أحس بالزمان لتشابه الأيام، فاليوم مثل البارحة والغد مثل اليوم، فما هي إلا تقطيعات وهمية، فالزمان ما يفتأ يحين ويبتعد ويخترقني رغما عني وينساب حولي ومعي وأنساب معه، إنه محور لما كنت ولما سأؤول إليه، وما دمت لا أحسه فهو ينساب دون فعلي فيه، لهذا نشبت بالماضي الذي يجثم بثقله، إنه يمثل وجودي الحقيقي لا أملك الفرار أو التحرير منه، فشخصيتي في نهاية المطاف سوى حصيلة مكثفة لجميع مراحل حياتي السابقة ومنذ اختزلت حياتي في الانتظار والانتظار فقط توقفت عملية التراكم واختفت الفوارق إلا التشبث بالماضي.

وحقيقتي تكمن في الماضي وكذلك أصلي الأول، ولتحمل الحاضر والمستقبل أحاول استعادة الماضي، أتذكر وأكرر التذكر.

في لقائي الثاني مع " أفغان" عرضت عليه كيف أصبح وجودي، في نظري، بدون طعم ولا لون، وكيف قررت تغييره.

-  هل فكرت جيدا في الأمر؟

-  نعم، إنه قرار لا رجعة فيه.

-  هل فكرت في الأسرة

-  ليس لدي إلا الجدة، وإنها قد سايرت كل أطوار معاناتي واقتنعت مثلي بأن حياتي كما هي عليه الآن مجرد ضياع في ضياع.

-  فماذا جرى لك بالضبط، أين هي القناعات والأفكار التي كانت تبعدنا الواحد عن الآخر بعد السماء عن الأرض عدد ما كنا بالجامعة؟

هل تأكد لك أن طريق الخلاص واحد، وعلمت أن حياة الدوابيين ليست هي الحياة المثلى، وأن على المادة أن تخدم الروح وليس العكس؟

-  نعم هذا ما حدث، وأريد أن أجسد قناعاتي الجديدة على ساحة الواقع، لهذا أرغب أن تمد لي يد المساعدة وتمكنني من الفوز بفرصة الجهاد مادام واقعي هنا لم يسمح لي بمعايشة وممارسة قناعاتي، لهذا اخترت العمل لآخرتي بتقديم حياتي جهادا في سبيل دعم كلمة الحق.
-  أأنت يائس من عيش حياتك هنا إلى هذا الحد؟
-  ليس هناك ما يعجب
-  وماذا أيضا؟
-  لا تدفعني للتنظير والرياضة الذهبية والضحك العقلي، لقد مضى زمانها لأن الحق قائم والباطل زاهق.
-  أنت محق، كم من أفكار خاوية كانت ولا زالت سببا في تعاسة البشر.
-  لقد عزمت على ترك كل ما مآله الفناء
لذا عليك أن تساعدني للالتحاق بالمجاهدين الأفغان.
-  إذا كانت هذه هي رغبتك، أعدك أنني سأعمل كل ما في وسعي لمساعدتك وعلى الله التوفيق.
-  لن أنسى لك هذا يا " أفغان" ما حييت جزاك الله عني خيرا.
-  في البداية ستعمل بمخيمات اللاجئين، وأنت على علم ما يقع في أفغانستان، سأعمل على توفير كل الترخيصات والتأشيرات اللازمة وسأتصل بك عما قريب، عليك الاستعداد لمغادرة بلدك.
-  أشكره، ينظر إلي بعمق، فأكتشف في أعماق عينيه بريقا من نوع خاص لم أر مثله من قبل ألبسني ثوب فرحة عارمة.

على رأس الدرب العتيق التقى بعائشة تصافحنا تبادلنا بعض الكلمات كالمعتاد، تنظر إلي وتقول.
-  مالك هذا اليوم؟ لست كعادتك.
-  لاشيء، أقتل الوقت، ليس هناك أي تغيير البارحة مثل اليوم ومثلها يكون الغد وبعد غد.
تبتسم وتواصل سيرها، أنظر إليها بحنان فتاة مسكينة سرقت منها قسطا من حياتها بل أكثر من ذلك بكثير، سرقت آمالها، لقد سايرتني أكثر من ثلاث سنوات منذ تخرجي من الجامعة في انتظار غد أفضل.

لم أقو على ستر المر عليها، ناديتها توقفت فهرولت إليها.
-  لقد قررت مغادرة البلاد.
تصوب نحوي نظرة حادة.
-  ماذا تقول؟ ستغادر البلاد، إلى أين؟
ابيض وجهها واقتربت منها.
-  لم يعد هناك ما يعجب، سأذهب إلى أفغانستان، على الأقل سأحس أن لوجودي معنى.
-  هل هذا إخبار، أم تريد معرفة رأيي.
-  لا بل هو قرار لا رجعة فيه.
-  وأنا، لم تعد لي أهمية في حياتك.
-  لا ولكن مادمت أنتظر هنا يمكنني الانتظار هناك بطريقة أستغل انتظاري للإحساس بمعنى لوجودي، هذا كل ما في المر، ألا تتفقين معي أن هذا الحل أحسن من عيش حياة موتى.
تبدو لي دمعة تلمح في أقصى جانب جفنها، تمسحها على التو بظهر يدها اليمنى، تحملق في عيني وتقول:
-  أنت محق، يبدو أن لا معنى لحياتنا.
صمت رهيب يفرض نفسه علينا غني بالمعاني التي يحملها، وثري بما لم يصرح به والمسكوت عنه حان الوقت ليصبح فراقنا نوعا من الحضور غير المحسوس اللاملموس القائم بين حسدينا المتعودين على اللقاء، على التقابل والتماس.
تقول باكية:
-  لم أطلب منك شيئا ولم أفرض عليك أمرا.
فلماذا تريد الابتعاد عني؟
-  أطلب منك أن تتفهمي الوضع.
-  أي وضع ؟ وما الذي علي أن أفهمه؟ أقبلك كما أنت، فلماذا الهروب؟
أحس أنها أحببتني أكثر مما أحببتها، أنظر إليها، لا أعرف ما أقول ؟ ما أعمل؟
تستطرد قائلة:
-  ستذهب لوحدك إذن؟
ابتسم رادفا:
-  فإذا كنت أريد الهروب من هذا الواقع فلا بد أن أضع حاجزا بين وبينه، وبيني وبين حياتي لهذا لابد أن أذهب لوحدي.
ترفع عينيها، أهم بالاقتراب إليها لكنها تمنعني قائلة:
-  لنكون جديين، إنك ذاهب، بل إنك ذهبت…

5

عقارب الساعة تدور باستمرار، بدت له سرعتها أكثر من العادية، كل شيء حوله يساهم في تركيبه القرار الذي اتخذه والمتعلق بمغادرة البلاد، ويضفي الطابع المنطقي على هروبه من واقعه.

منذ إخبار عائشة بقراره وهو يحس بحرية التخلص من الماضي والحاضر والتوجه إلا ما يخبؤه له المستقبل.

اختيار أفغانستان لأنه كان واثقا من عدم تحمل مصاريف السفر، خلال ثلاثة أيام نهرب من أصدقائه ومعارفه.

هام في المدينة ليحس بحريته الجديدة ويستهلكها النزر منها خوفا من فقدانها.

في شوارع وأزقة المدينة يتعلم التمييز ببين المارين الراجلين، بين الناشطين العاملين والناشطين الغير العاملين، يستعيد فرحة الطفل لحظة اكتشافه البحر والمراهق الذي يلج لأول مرة لملهى أو صديق ليلي، أحس أن أحدا لم ينتبه إليه ولم يعره أي اهتمام.

بقميص صيفي وسروال " حين" كاشف اللون يطوف بأزقة وشوارع المدينة، مجهول بين المجهولين هائمين على سطح الأرض، أناس دون أوصاف دون معالم أو مميزات أوصفات مجردين من دواتهم.
أحس أن الهواء المستنشق أصبح أكثر نقاوة، وتصرفاته أكثر حساسية، وأفكاره أكثر قربا من الحقيقة، كان الغلاف الذي كان يحجبه بدا يتفتت قطعة قطعة.

….يقرأ إعلانا بجريدة اليوم يخبر بعقد قران ابن البرلماني بابنة صاحب الشركة ويدعو الأحباب والأصدقاء لحضور الحفل بفندق كبير مع توضيح أن الدخول من حق من يتوفر على الاستدعاء فقط مع ضرورة إتخاذ الاحتياط لقضاء يومين بالفندق المذكور تبسم، طوى الجريدة وألقى بها في سلة المهملات اللاصقة بجدع شجرة بالشارع الرئيسي للمدينة، وتابع سيره.

حركة دائبة، سيلان من البشر ينهمر من كل الاتجاهات، بينهم أحد سيغادر البلاد بعد أيام للمساهمة في إعلاء كلمة الحق.

هاهو يستعد لهروبه من واقع لا يحس بوجوده فيه إلى واقع يمنحه فرصة الاعتزاز بذا ته.
كل هذا السيل من البشر المنهمر من جميع الاتجاهات لا يعلمون بقيمة ما يقوم به هذا الهارب من واقعه، يندهش من رغبات هؤلاء البشر جريا وراء حاجتهم للبقاء.

امتلكتني رعدة، رغبة طفل عندما فكرت في عائشة، في الموت الاجتماعي الذي قاومته منذ كنت فتى، لم أكن أخاف من الموت الحقيقي، فما كنت أهابه هو ذلك الموت البطيء، الدقيقة تلو الدقيقة، حتى أصبح حيا ميتا أو ميتا حيا ن أن ومن أجل مقاومة هذا الموت قررت أن أهرب منه في اتجاه العيش من اجل قضية، من أجل كلمة حق.

تذكر طفولته.

أتم سنة التاسعة، يعيش مع أسرته، البيت القديم بالدرب العتيق، غير بعيد عن البيت يقع منزل كبير آيل للسقوط، مستخرج منه حانوت بقاله، البقال على الدوام خلف الميزان من فاتح يناير إلى آخر دجنبر، في الصيف والخريف والشتاء والربيع، في العطل والحفلات والأيام العادية، من الاثنين إلى الأحد دون انقطاع ولا كلل من السادسة صباحا إلى الواحدة ليلا يفتح دكانه كل يوم ويظل به طيلة اليوم مدفونا وراء الميزان ميت في عالم الأحياء لولا لفظة «تاجر" المثبتة بالمحل المخصص للمهنة ببطاقة التعريف الوطنية عوض ومحل " لاشيء" أو " بدون" لأنه الجندي المجهول لدربنا يساهم في تسهيل حياتنا بتقريب كل ما نحتاج إليه كان صبره وإسراره عليه يفتنني.

لاسيما يوم الأحد عندما يمر أمامه رفقة أبيه.

كل أحد كان يرافق أباه إلى السينما، دائما إلى نفس القاعة، « سينما الملكي" المعروفة أكثر باسم صاحبها " سينما شماعو الغير بعيدة عن السوق البلدي والحديقة العمومية أقدم بستان في المدينة، كان يرتدي بدلة العيد المصنوعة من القطيفة الخفيفة، يمسكه أبوه من يده ويجذبه متوجها نحو محل عرض صور لقطات الفيلم المبرمج للتعرف عليه لاسيما إذا كان يتضمن مشاهد تخدش الحياء، وتلافيا لذلك كانا لا يشاهدان إلا أفلام رعاة البقر أو أفلام الحرب والمغامرات أو أفلام الرعب المحبوبة لديه.
وكان أبوه معروفا بحي السينما مما كان يسهل أمر اقتناء التذاكر رغم الرخام أمام الشبابيك.

وكلما عاتبه أحد على مشاهدة أفلام الرعب رفقة طفلة، يجيبه.

أريد من غبني أن يتغلب عن الخوف وهو صغير ليكبر كرجل حقيقي.

في يوم من أيام الآحاد، يدخلان جنبا لجنب إلى قاعة العرض المظلمة، يجلسان لمتابعة الشريط بعد النهاية وعودة الضوء للقاعة التقت إلى أبيه فوجده ساكنا، عينيه نصف مغلقة، ظنه نائما هم باستيقاظه فأيقن أنه مات، رعب وجمد بمكانه صامت لاصق بالمقعد لا قدرة على النبس بكلمة أو القيام بأدنى حركة ازدادت دقائق قلبه على امتداد شهور لم يفارقه المشهد الرهيب وسكنه إحساس بالضعف والعجز والقصور إلى حد مرهب كأن أيدي باردة تحاصر سجينا.

كانت لحادثة موت الأب أثر جسيم عليه، وظلت الذكرى محفورة في الذاكرة.
لقد أخذ قرار الهروب من واقعه الحالي لمحاولة العثور عن معنى لوجوده لحياته حتى ولو تطلب الأمر مواجهة الموت الحقيقي المباشر.

أقبر كل ذكرياته وتوجه نحو الغد، عندما اعتبر أن غذه لم يعد مثل البارحة واليوم.

ثلاثة أيام، وأغادر واقعي، الأنتظار يرهقني يا لها من مفارقة، انتظرت طول حياتي الفارطة، انتظار إنهاء الدراسة، انتظار الحصول على الشهادة، انتظار الوظيفة، انتظار الفرج، انتظار التمكن من الزواج، سلسلة من الإنتظارات، وكل واحدة من هذه الإنتظارات، انتظار الذي لن يأت، ومع ذلك تمكنت من التحمل، أو لنقل فرض علي التكيف، ولم أطق انتظار ثلاثة أيام رغم أنني واثق أن المنتظر آت لا محالة.

-  هل أنت واثق من رغبتك في الالتحاق بالمجاهدين الأفغان؟

-  نعم لقد قررت لا رجعة فيه.
-  إذن، فاستعد للسفر، لقد أعددت لك كل الترخيصات والتأشيرات اللازمة، واسمك اعتبارا من اللحظة هو، فاتح غانم المحمدي.
تذكر عائشة التي لم يراها منذ أخبرها باختيار مغادرة البلاد، تذكر حلمهما معا منذ أيام الجامعة، تذكر رغبتها الجامحة في تغيير العالم، لكنه اختار الهرب والتخلي عن الحلم.

لم بعض الملابس القليلة وبعض الكتب، الكتب أكثر من الملابس، وضعها في حقيبة أقفلها بصعوبة لكثرة ما تحتويه، ودع جدته واتجه نحو محطة يصل إلى المحطة، ينظر إلى الساعة أمامه أكثر من ساعتين على وصول القطار، يودع الحقيبة بمصلحة الأمتعة، يخرج بسرعة ينادي سيارة أجرة صغيرة، يركبها ويأمر السائق بالتوجه إلى المقبرة.

كان يريد أن يخصص آخر وداع لأبيه، يلج المقبرة، يحس بوحدة غريبة، يسير بين القبور، بين الحياة والموت، في هذا الموقع مآل كل الأحياء بكبريائهم وتواضعهم وخياناتهم وصدقهم وكذبهم.
ينحني على رأس القبر يقلبه، ينظر حوله، قبور مصففة بانتظام رغم مظاهر وعلامات الهجر والنسيان.

فوداع القبور أدهى من وداع الأحياء.


مشاركة منتدى

  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . اسال الله ان يوفق كل من يلتحق بالمجاهدي الافغان او غيرهم في اي مكان يتواجد فيه المجاهدون في كل مكان واود ان اوجه رساله للحكام اتركوا المجاهدين بحالهم فهم لم يكفروكم ولم يتامروا عيكم وكلامي هذا ليس له علاقه بمن يقتلون الابرياء داخل بلاد المسلمين لانهم هؤلاء على خطا . هذا الذي اود ان اقوله للحكام الخونه العملاء واود مشاركتي ان تظهر وان يوصل كلامي للناس جميعا وشكرا
    0501669583

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى