الجمعة ١٤ أيار (مايو) ٢٠٠٤
بقلم إدريس ولد القابلة

متاهة إنتظار ـ الحلقة الثالثة والأخيرة

9

…. بعد أسابيع، لم تعد تسيرني إلا الوظائف والرغبات الحيوانية، أكل وشرب ونوم وقضاء الحاجة وترقب، دائما التقرب.

فالذي مررت به لا يمكن أ يحكى، أصبحت أقبل كل شيء دون أدنى انفعال، أطابق انفعالاتي على انفعالات السجانين، حراسي، أجتهد لكي لا أكون سببا في إغضابهم أو تعكر صفوفهم، دائما في حالة تأهب واستنفار، مستعد للفرار حالما تتاح الفرصة.

مشينا ساعات قبل الوصول إلى المعسكر، أين سأقضي أياما وأسابيع وشهورا.

قرية حولها الروس إلى قيادة عامة للمعسكر، لم أتمكن من معرفة اسم المكان، حال وصولي أو دعوني بزنزانة دون مبالاة لجروح ذراعي المؤلمة فوق طاقة الاحتمال.

…. ظلام كثيف من حولي، أسمع أصوات غريبة اكتشفت أن الفئران قد أكلت وجبة الأرز التي وضعها السجان منذ لحظة.

في الصباح يقودني السجان عند القائد، يكلمني بإنجليزية وفرنسية ألقى صعوبة جامة في فك رموزها.
-  أنت مغربي
-  . ..
-  عميل الأمريكان.
-  أنا لست عميلا لأي أحد، جئت لخدمة أغراض إنسانية لا غير.
-  يبتسم بمكر…
-  العمل الإنساني، الصليب الأحمر، غوث اللاجئين و…. كل هذا غطاء لعملاء " سبيا" ( CIA)المخابرات الأمريكية.
-  سآمر بذهابك إلى المصحة، لكن ليس لدينا دواء، عليك استعمال ما حملت معك منه.
-  ويضيف:
-  - إنك جئت هنا لمد يد المساعدة خدمة للإنسانية وعملت كمساعد ممرض يا سيد….
-  ضغط ضغطا على كلمة " سيد" دون سواها.
-  فما دام كذلك عليك مساعدة نفسك وتسحب الرصاصة من ذراعك، وإلا فالموت المؤكد يا سيد….
يضغط ثانية ضغطا على كلمة " سيد".

…. يرافقني جنديين، تحت أنظارهما شرعت في تنظيف الجرح بصعوبة وتبليله بالكحول من 90 درجة، ثم تناولت حقنة التخدير المحلي وأفرغت محتواها غير بعيد عن موقع الرصاصة وبدأت في سحبها تدريجيا، ومن حسن حظي لم تصب لا العرق ولا العظم، أعض على لساني حتى لا أفقد الوعي، أغطي ثقب الجرح بالمضادات الحيوانية وأستره برباط أبيض سرعان ما تحول لونه إلى الأحمر بفعل الدم.

…. بعد يومين يستدعيني القائد إلى مكتبه.
-  ياله من رباط جرح مدهش أهنئك على ذلك …. فمادام مفروض علينا أن نأويك ونطعمك اعتقد أنه من الأفيد أن يكون وجودك معنا نافعا، أليس كذلك؟
-  إنني جئت إلى هذه البلاد من أجل مساعدة اللاجئين، فهدفي إنساني لا غير….
-  أكيد، لاشك في ذلك …. إذن فما عليك إلا القيام بما جئت من أجله، ممارسة قناعاتك الإنسانية، أو على الأصح ممارسة إنسانيتك، فالإنسانية لا وطن لها ولا لون لها، يمكنك ممارستها هنا كذلك، فجنودنا هم كذلك بشر ولهم الحق في إنسانيتك…… اجلس ….. سيجارة.

أظل واقفا وأرفض السيجارة، ويضيف:
-  ما رأيك في الروس؟
-  أنا جئت لمساعدة اللاجئين الهاربين من أهوال الحرب والدمار، ولا أهتم بالسياسة والإيديولوجية.
-  تساعد الأفغان والثوار ومنيري القلاقل ولا تريد مساعدة الجرحى الروس الذين سقطوا دفاعا عن المبادئ الكفيلة بإسعاد الإنسانية جمعاء.
-  أنا جئت لعمل إنساني فقط، وجردت نفسي من القناعات والمواقف السياسية والعقائدية.
يدخن سيجارته ببطء وينشر الدخان في اتجاه السقف وصورة " لينين" و" ستالين" بادية وراءه.
-  صديق، طيع أن أفهمك، إننا في حرب، ولنا أعداء، لكن بالنسبة إليك ما يهمك هو ممارسة إنسانيتك وليس لفائدة من ؟ صديق، عدو، حليف …. لا يهم، المهم هو مد يد المساعدة كوسيلة لممارسة إنسانيتك، فحسب معلوماتي، المغاربة يكنون الحب للروس ولا يحبون الأمريكان.
يصمت مليا ويستأنف:
-  نحن كذلك نمارس إنسانيتنا، إن هذه الحرب التي نخوضها حاليا هي من أجل نصرة المبادئ الكفيلة بإسعاد الإنسانية جمعاء حتى لا تعود محتاجة لأمثالك لمساعدتها.
صمتت ولم أنبس بكلمة.

أصبحت أساعد الممرضين، أفواج من الجرحى تصل دون انقطاع، أعمل ليل نهار، أنام بالمصحة المكان المدعو مصحة، زريبة واسعة مسقفة بالقصدير والخشب، وكلما سنحت الفرصة أتناول قلمي وارسم بالكلمات.

ملأت عدة صفحات، أكتب لأنني لم أكن أتوفر على كتاب أقراه أو صديق أحدثه، لم يبق أمامي إلا الكتابة كمجال أحقق فيه حريتي بامتياز، حرية إعادة تشكيل العالم واستنطاق الذات ومحاورتها من خلال أصوات الآخرين واستكشاف المسكوت عنه.

فالحياة قصيرة وعلي أن أفقد الأمل، علي بالثبات، وأول شيء علي مراقبته بدقة، اليومية
ومرور الأيام، يوم بعد آخر.

وتسهيلا للعملية كنت أختلق أحداثا وكوارث تلافيا لفيروس عدم الإحساس بالوقت، ذلك الفيروس الذي يقتل الأمل ويفرض عليك العيش ليومك وليس لغدك.

وهناك أمر آخر كان يشغل بالي، ماذا يعرف الآخرون عني ؟ هل يعتقدون أنني من عداد الموتى أو المفقودين، فإذا كانوا قد عثروا على بقايا الثياب والساعة فسيعتقدون أنني من ضمن من حرق وسيتم تشطيب اسمي، ويخبرون جدتي وعائشة باستشهادي بواسطة كتاب يختمونه بعبارة، " إن لله وإنا إليه راجعون".
…. كل يوم يوسع الروس الخندق المحيط بالمعسكر وكل حركة من حركاتهم تبعد آمالي في الخلاص، فأكتفي بترويض جسدي ونفسي على تحمل الوجود لاسيما وأن القائد سمح لي بالمشاركة في التمارين الرياضية الصباحية.

قررت الترويض احتسابا لما سيقع.

10

مرت سنة ونيف، وحسب حساباتي، فاليوم هو 29 مارس…19، تاريخ عيد ميلادي، أحسست بفخر عندما علمت أن يوميتي تنطبق بالتمام مع اليومية المعلقة بمكتب القائد، إنه اليوم، 535 منذ وصولي إلى المعسكر، وخلال كل هذه المدة لم أتوصل ولو مرة واحدة لمشاهدة وجهي بالمرآة، أو أي شيء ’خر يعكس الصورة.

اليوم عيد ميلادي، وقد مرت أكثر من أربعة أشهر منذ بدأت في تهييئ مخطط للهرب، اليوم سأحاول الفرار، منذ أربعة أشهر وأنا أجول في المعسكر بحرية إلا أنني لم أكن على أتم الاستعداد، كانت تنقصني الجرأة، جرأة الخطوة الأولى الحاسمة، تمرنت على امتداد سنة تقريبا على تحمل التعب و مقاومة العياء باستغلال فترات الرياضة الصباحية لقد تخلصت من الدهون الزائدة بفضل حمية صارمة، كنت أذهن يوميا عضلاتي بزيت الكافور قبل التمارين اليومية وبعدها.

أسجل كل حركة من حركات الدوريات، ألاحظ أدنى شيء بالمعسكر، كنت دائم الترقب محتفظا لنفسي بكل ما يدور بخاطري، لقد حاولت حشد كل القدرات الذاتية الكفيلة بإنجاح محاولتي.

كل صباح أركض حول المعسكر قبل ميعاد التمارين الرياضية بساعة أو ساعتين، أستيقظ مبكرا أكثر لتمديد فترة الرياضة.
…. إذا سأغادر المعسكر على الساعة الخامسة صباحا، قرار لا رجعة فيه مهما كلفني الأمر، وهي الساعة التي تبزغ فيها الشمس لتضيء المسالك.

ساعة أو ساعتين قبل انكشاف أمري يمكنها أن تساهم في نجاح الخطة وتمكن رجلا مستعدا جسمانيا وليس له ما يخاف على فقدانه، من بلوغ الهدف.

حصلت على خنجر ومررت بجانب غرفة القائد، ملكتني رغبة في نحره لكنني أيقنت أنني لا أرغب في أن أكون بطلا.

…. بدأت الجري ككل صباح، لكنه عوض الدوران حول الساحة توجهت نحو الشمال – الغربي بثبات.
لقد كان علي أن أحافظ على نفس الوثيرة لمدة ساعة أو ساعتين على الأقل، كأنني أخطط لتحطيم رقم قياسي في المسافات الطويلة، بفضل البوصلة، كان علي التعرف على الوجهة التي لم يسبق لي أن سلكتها.

السادسة صباحا …. أصل إلى الوادي ، أتسلل إلى أسفله وأتابع سيري ، على الأكثر بعد ربع ساعة سيشعرون بغيابي وسيبحثون عني.

أتابع سيري، ماشيا تارة وراكضا مرارا …. أرمق مدنيين لأول مرة منذ غادرت المعسكر، نساء ورجالا وأطفالا …. ملابس مدنية منشورة على أغصان شجيرة…. أتسلل ، أمسك بسروال وقميص وأنسحب دون أن يحس بي أحد.

…. أواصل الجري والمشي، لم تعد تفصلني عن الحدود إلا كيلومراات معدودة.

كلما أحسست أنني اقتربت من الحدود الأفغانية – الباكستانية كلما ثقلت خطواتي، سنة ونيف، دقيقة بدقيقة ساعة بساعة وأنا أفكر في هذه اللحظة.

عندما أرمق أحدا، أنبطح على الأرض وأحاول الاختفاء.

…. تمتثل أمامي حياتي الماضية، علامات حياة، بكاء وصراخ أطفال، أصوات حيوانات … إنني على مقربة من المخيم.

….. تغير المدخل، أصبح أصغر مما كان عليه، صور معلقة …. أرمق صورتي وصور الذين خرجوا معي منذ سنة ونيف للقيام بمهمة إنسانية، تمتلكني موجة من الضحك الهستيري … أناس يجتمعون حولي …. أقترب مليا من الصور وأقرأ ما تحتها:
" في سبيل الخدمة الإنسانية ضحوا بحياتهم".

أعيد القراءة مرة ومرة، ثم أتوجه إلى قيادة المخيم، أفتح باب المكتب راسما ضحكة على شفتي، ابتسامة مفروضة ليس إلا…..
….. وجوه غريبة عني، أكبرهم سنا أمرني بإقفال الباب ورائي.
- إنك في مصحة…. ممنوع الدخول بدون سبب…. لا يجب عليك البقاء هنا، إنه ممر خاص بالمرضى والجرحى….
… أتعرف على هذا الصوت ونبراته، أرفع رأسي ….إنه أحد الممرضين …. الوحيد الذي نجى من المجزرة إنه " نعين" الفلسطيني الأصل والأرجنتيني الجنسية تلمع عيناي أما هو فلم يحرك ساكنا …. وددت أن أناديه لكن لم أفعل…. ينظر إلي ، يفكر مليا …. يلتفت إلى الماضي …. أتركه يبحث وينقب في دروب ذاكرته…. يحني رأسه ويذهب…. لم يتعرف علي.

…. فررت من قبضة الروس، وسقطت في العدم، لم يتعرف عني أحد، ولا احد يعيرني أي اهتمام، أعود إلى مدخل المخيم، أحملق في الصورة، نظرتي لصورتي ترعبني، ترهبني …. هذه اللحية المبعثرة، هذا الأنف المعارك، هذا السواد المستقر في الجفون، لمك تعد إلا مجرد قناع كان على وجهي برهة من الزمن.

أقارن بين وجهي والصورة، فأفهم وأتفهم موقف " نعيم" ليس هناك أي ارتباط بين الوجهين، خصوصا النظرة التي أصبحت أكثر قساوة وأكثر سوداوية.

…. لم يعد لي داعي للبقاء بالمخيم …. علي العودة إلى بلادي لأموت ببطء.

…. شاحنة متجهة إلى « لاهور" اتصلت بسائقها وقبل أن يأخذني معه مقابل مساعدة في الشحن والإفراغ كلما دعت الضرورة.

….. أسمع لاجئين يتحدثون عن انتصارات المجاهدين عن خسائر الروس، عن مواقف الأمم المتحدة، عن مواقف المسلمين في العالم….

….. أيام بنهارها وليلها والشاحنة تزحف على الطرقات المعبدة وغير المعبدة ن مشحونة تارة لاتقوى على السير، وتارة فارغة تحرق الطريق حرقا.

…. نصل أخيرا إلى " لاهور" مدينة البنجاب، مقر " شاليمار باغ ( بستان الحب ) والأثواب الحريرية.

…… يناولني السائق بعض " الروبيات" أجرا لما قدمته له من مساعدة، أقضى الليلة بمقهى في انتظار الصباح للتوجه إلى السفارة بالعاصمة للحصول على الوثائق اللازمة لمغادرة البلاد.

أحتسي فنجان شاي لم يسبق أن تذوقت مثله وأرقب الطريق، طريق مشبوه فيه، يقع في قلب حي المتعة والهوى، مشبوه لدرجة عدم جذب السواح.

ألتفت جانبا فأرى صورتي على المرآة العالقة بالجدار، تراودني فكرة حاولت طردها منذ أيام، لكنها فرضت علي نفسها أكثر من السابق بمجرد رؤية صورتي على المرآة، منذ أيام وهي ترهقني خلسة، لن أكون الذي كنت اسما وجسدا، لأنني مت حسب الصورة المعلقة بمدخل المخيم والتي لا محالة انتشرت في كل مكان، لم أعد ذلك الذي سجن والذي فر ليستعيد الحياة.

إنسان آخر …. أمزق الجواز، أحرق غلافه الأخضر، تذوب ويتحول فحما، أحرق كذلك كل الصور التي كانت في حوزتي ماعدا صورة " دونيس" التي أهدتها لي بعد اختفاء" كارلوس".

…… ألتقي بمجموعة من الشبان الأجانب، ذكورا وإناثا بالفندق الذي أقطنه، من هولندا والسويد وبلجيكا، نتحدث معا، نتناول الوجبات معا، ورغبة في توفير المصاريف شاركت بعضهم غرفة النوم.
…. في المساء، وأنا أستعد للنوم، أمسكت صورة " دونيس" أتفحصها، رمقها الهولندي، فأفهمني أنه يعرف صاحبها ثم شرع في القيام بحركات ميمية محاولا تقليد شخص يتأهب لغرس حقنة في ذراعه…. ولم يزد.

في الغد يدعوني إلى حانة غريبة الأطوار في قلب بلاد إسلامية.

" حانة القطة كاتي" ن كتابة ضوئية بالأصفر والأحمر والزرق، ندخل من باب لا يتسع إلا لشخص واحد، بهو طويل في مؤخرته ركح صغير، عليه فتاة سمراء عارية النهدين ترقص على أنغام موسيقي غربية غريبة، نجلس وتستقر على التو بجانبي وتضع ذراعها حول عنقي.

-  أنت " يانكي "
-  لا مغربي …. عربي …. مغربي.
دون اعتبار رأيي تطلب من النادل جعتين باردتين.

عارية النهدين لازالت ترقص على الركح داخل دائرة ضوء أصفر موجهة إلى صدرها فقط.
…. أقضي بقية الليلة في أجواء الموسيقى الصاخبة.

يقترح علي الهولندي مرافقة مجموعته إلى " هونكوك" لاسيما وأنهم يسافرون في سيارتهم أخبره بضياع الجواز والأوراق الرسمية.

-  هل ترغب فعلا في مرافقتنا.
-  أكيد أن لي هذه الرغبة لكنني لا أتوفر على جواز سفر.
-  أمستعد أنت لأداء مبلغ مالي مقابل جواز سفر.
-  ليس لدي المال الكافي
-  إذا كنت راغبا فعلا في مرافقتنا نعينك، أنا وأصدقائي….
-  لن أنس لكم هذا الجميل ما حييت…
يطلب مني صور تعريف وبعد يومين يمد لي جواز سفر فرنسي في اسم " هاني جانو" نفس عمري تقريبا، مزداد بمارسيليا وعنوان الإقامة بباريس ويخبرني أنهم سيسافرون بعد يومين وعلي أن أكون مستعدا.

لماذا مغادرة الباكستان ؟ يمكنني التسكع هنا أو العودة إلى مخيم اللاجئين.

إن القائد الروسي كان على حق عندما لعب معي لعبة القط والفأر، كان على يقين أنني سأقبل طلبه، لأن مساعدة روسي أو أفغاني لا يفقد المساعدة طابعها الإنساني ن رغم أن الروس الذين استفادوا من مساعدتي سيعودون ويساهمون في تقتيل المدنيين ودفعهم لمغادرة أراضيهم.

لقد عاينت جرحى ساعدتهم على تجاوز محنهم وأعادوا الكرة وساهموا ثانية في التقتيل والتشريد، ومنهم من كان يعود إلى المعسكر بأسرى أفغان لتعذيبهم مازالت أتذكر أول حصة تعذيب، صراخ، صياح آهات الأسرى وضحكات الروس.

يقول لي جندي روسي:
-  إن هؤلاء عملاء " سيييا" نريدهم أن يتكلموا لتزويدنا بمعلومات، فهذا طبيعي جدا، نحن في حالة حرب أليس كذلك؟

بعد قليل، يناديني الجندي الممرض ونتوجه معا إلى غرفة التعذيب لتضميد جروح معذب.
شيخ أفغاني بلحية طويلة عاري تماما طريحا على الأرض، يتنفس بصعوبة، أنحنى نحوه، علامات الضرب والحرق بادية على صدره وعلى عنقه، يتخيل لي أنني أرى قلبه يدق بين ضلوعه لعمق الجرح.

بعد فحصه يتوجه الجندي نحو القائد، يوشوش له في إذنه يعود إلى الجريح يمد يده إلى عنقه يخنقه صائحا:
-  تكلم…. أين هم الآن …. تكلم …. تكلم..
لم ينبس المختنق بكلمة، يسحب الجندي يديه من عنقه فيسقط ميتا، التفت إليه وخرجت للتقيء.
في صباح الغد، يستدعيني القائد، ليقول لي:
-  عليك أن تعتبر نفسك جنديا في خدمة الثورة البروليتاريا، وان لا تتصرف كفتاة….
….. يأمر بإيداعي في ثقب أرضي ضيق، لا يبدو منه إلا رأسي، بقيت فيه أربعة أيام متتالية بلياليها، اعتقدت مرتين أنها ستكون نهايتي.

تجمدت أطرافي إلى حد الشلل.
بعد إخراجي من القبر الغريب، يذكرني القائد، إذا لم أقم بواجبي " في المرة القادمة سيقبرني بجانب غار نمل، أعطى الدرس أكله، فأصبح مفروضا علي قبول حضور حصص التعذيب لتضميد جروح المعذبين، ومنذ ئد لم اعد أفكر إلا في الهرب من المعسكر مهما كلفني المر، وكان ذلك هو عين الحكمة.

….. قطعت مع الجماعة الأوربية المسافة الفاصلة بين " لاهور" و"بانكوك" مرورا بمدينة " دلهي " و "كانبا" و"كالكوتا".

كل مرة كنت أمتطي سيارة حتى ركبت على مثن السيارات الثلاث، وآخرى مرحلة، من " كالكوتا" إلى " مادراس" رافقت الهولندي وصديقته.

بمادراس " امتطينا الباخرة لعبور خليج البانغال متوجهين إلى بانكوك".

" بانكوك" مدينة القنوات والمعابد البودية، لم أرتاح لتواجدي بها منذ الوهلة الأولى كلما هممت بالنوم أستحضر صراخ الألم وقهقهات الضحك، لم يكن من حقي بتاتا محو تلك الذكريات المؤلمة، المخزية من ذهني، حتى ولو رغبت في ذلك فإنها سترفض ترك ذاكرتي.

مازالت صورة الشيخ الأفغاني بلحيته الطويلة ماثلة أمامي والجنود يرفعون جثته لرميها في حفرة دفن جماعي كأنهم يرمون القمامة.
هل من حقي محو هذه الذكريات؟

لا محالة أن رفضي لحضور حصص التعذيب لم يكن من شأنه أن يغير في الأمر شيئا، لكن ألم يكن من الأصح إتخاذ الموقف المطابق للمبادئ، المنسجم وما يمليه علي ضميري، الضمير الحي، ولو أدى بي ذلك إلى فقدان حياتي؟

ألم يكن بفعلتي هاته مساندا للجلادين ؟ ومما زاد حزني أن أحدا سوف لن يعلم ما وقع بالفعل؟
أ أكثر هو أنني القاضي والمذنب في ذات الوقت.

فمنذ الطفولة، وأنا أنزلق، أخطئ الطريق، وأهرب إلى الأمام، وها أنا ذا بدون اسم ولا جنسية.

ها أنا في الطائرة نحو، باريس، مغص غريب يتملكني، عرق بارد يبلل ظهري، على طول العمود الفقري.

أكثر من سنة تحت أنظار الحراس والجلادين، والآن حرية بدون اسم ولا جنسية، حرية لكن بعد موت.
وجوه حولي، تجذبني رابطات العنق الملونة، علامة الحضارة والتمدن، فرحة العطلة بادية على الوجوه، حديث من هنا وهناك عن آسيا وجمالها ووحشيتها، حديث يدغدغ أحشائي، جسدي هنا وفكري لا أعلم أين، جسد غنيت به، حسنت قدراته وطورت عضلاته ليمكنني من النجاة، أما روحي فقد ضيعت الارتباط بها.

لم أستطع مطالعة كتاب ولا جريدة، فكم من عاداتي ضاعت.

ظل الطائرة يلمس غابات وحقولا وبنايات كلما حلقت فوقها، وأنا كذلك كالظل، غابر لكن حاضر ومستمر الحضور.

في المطار حشدت إحساساتي وجمعت كل ما أتوفر عليه من قدرة الثبات وتوجهت إلى نقطة المراقبة، ألقي نظرة على الضفة الثالثة للجوار، أبتسم للشرطية وأمده لها، تتصفحه ثم تقذفني بنظرة خاطفة ثم تضع الطابع على إحدى الصفحات، وأمر، لقد كسبت الرهان هذه المرة.

أخرج من المطار وأتوجه إلى محطة الحافلات، رجلان يمشيان ورائي منذ غادرت قاعة الانتظار هل شكوا في لسفري دون أمتعة بالمرة.

بالفعل، السفر على متن الطائرة من " بانكوك" إلي باريس بدون أمتعة بالبتة، لا حقيبة ولا حتى كيس بلاستيكي، أن الشخصين من فرقة محاربة المخدرات.

قبل صعودي للحافلة يقترب مني أحدهم فيطلب مني مرافقته.

تفتيش دقيق، خارجي وداخلي، مع استعمال راديو الأشعة.

فإذا كانوا يبحثون عن مخدرات فلا خوف علي .

بعد التفتيش يجذب أحدهم صورة " دونيس" من بين صفحات الجواز، فيسألني:
-  لماذا كنت تبحث عن صاحبة هذه الصورة ببانكوك؟
-  قيل لي أنها هناك ورغبت في لقائها لأنني لم أراها منذ أكثر من سنة.
-  هل هي صديقة….
-  نعم، كانت صديقتي
-  صديقة حميمة، تعرفت عليها في القطار
-  كان يجمعكم….
-  وكمل حديثه بالقيام بحركات غرس الحقنة بالذراع.
-  لا….لا… آنذاك لم تكن " دونيس" تتعاطى للمخدرات.
-  وهل تعلم أنها مدمنة….؟
-  هذا ما قيل لي عندما كنت في بانكوك.
فمخبركم أكيد أنه أعلمكم بذلك.
-  إذن، فمنذ أكثر من سنة لم تراها قط.
-  نعم….
صمت مقلق:
-  لم يكن من الممكن رؤيتها لأنها في السجن.
لم أقو على ‘خفاء دهشتي ولما أيقنوا بعدم علمي عما كانت تفعله، أطلقوا سراحي.

11

الجو مكفهر، رداد يتسرب ويبلل القلب يصل القطار إلى محطة سلا.

أتوجه توا إلى الدرب العتيق، أرمق من بعيد عائشة، بشعرها الطويل المدلى بين نهديها، بعتبة الدار في حديث جدي مع شابة لا تقل عنها جمالا.

أتسمر في مكاني، مبال بالمطر المتهاطل، أرمق شفتيها تتحرك تارة بسرعة وأخرى ببطء.

أتذكر عندما كنا نذهب معا إلى الحديقة أو شاطئ البحر، نقضي ساعات نتحدث عن الغد ولاشيء إلا الغد.

أمر على مقربة منها، أنظر إليها وتنظر إلي لم تتعرف علي وأواصل سيري، قاصدا بيت جدتي.
أتوقف أمام باب الدار، أدق ثم أعيد الكرة ولا من مجيب، يبدو أن المنزل خاويا كقلبي في هذه اللحظات.

أتيه بين دروب المدينة العتيقة، وأجد نفسي متوجها نحو المقهى، أستقر بكرسي في الخارج وأطلب قهوة سوداء.
…. لم تتوصل عائشة للتعرف علي، يبدو أن مظهري تغير، لكن ما أنا واثق منه هو أن نظرتي وابتسامتي لم تتغير في عمقهما إلى درجة جعلني مجهولا لا ماضي له.

صوتي فعلا تغير، أصبح دون نبرة، باردا، لا يتأثر لا بالفرح ولا بالحزن والأسى لأنني لم أستعمله بصدق لمدة تفوق السنة.

….. أستعيد صورة عائشة على عتبة الباب كما رأيتها منذ لحظات، بدت لي ذابلة، متعبة من جراء الحركات المتكررة والضحكات المصطنعة، يتخيل لي أن تجاعيد خافية حاضرة أسفل الحاجب الأيمن وأخرى على الجبين والشفة العليا، عندما مررت بالقرب منها، نظرت إلي لم أقو على النظر في عينيها فحولت نظري بسرعة عنهما، آنذاك تذكرت لحظات احتضاني لها، لا زالت تحتفظ بالسلسلة في عنقها، سلسلة عادية، رخيصة الثمن لكنها لازالت بمكانها.

أحس بالخجل والحسرة، لقد كان علي أن أكلمها وأشرح لها كل شيء، فالسلسلة لازالت بمكانها وهذا يعني ما يعنيه.

يحضر النادل القهوة، ينظر إلي طويلا وأبادر قائلا:
-  ما لك يا " السي بوشعيب"؟
-  سبحان الله يخلق من الشبه أربعين…..
-  هل تشبهني لأحد؟
-  نعم يا ولدي ن إنه شاب كان دائم الجلوس بهذا المقهى، لكنه قيل أنه استشهد بأفغانستان رحمه الله وجدد عليه رحماته.
- 
ابتسم وأجذبه من يديه وأقول له بترو:
-  أنا ذلك الشاب يا " عمي بوشعيب"، لم أمت لقد نجيت وعدت لكن ….
لم أقو على متابعة الحديث
-  سبحان الله، كيف الحال هناك يا بني ؟ وكيف حال المجاهدين نصرهم الله على الأعداء الكافرين….
-  …. كيف هي الأحوال هنا ياعمي بوشعيب؟
-  دار لقمان يا ولدي على ما هي عليه، لم يتغير شيئا؟
-  وعائشة هل تعلم عنها شيئا؟
-  ماذا أقول لك، تهب الرياح بما لا تشتهي السفن….
-  تكلم يا عمي بوشعيب، أرجوك، لا عليك أريد أن أعرف فقط….
-  كانت تأتي إلى نفس المكان مع شاب قيل لي انه خطيبها والله أعلم…
-  شكرا يا عمي بوشعيب
إنه لمن المخزن تقريب الجروح والنبش في الماضي، أقف عند هذا الحد هروبا من الغرق في ذكريات مضت، انهي القهوة بسرعة وأنصرف.

لاشيء أصبح يربطني بالماضي، فيمكنني البعد عن هذه المدينة للتقليل من الخسائر، فلم يبق لي إلا السؤال عن جدتي ن الخط الوحيد الذي يربطني بالماضي.

في انتظار ذلك أطلب من السي بوشعيب السماح لي بالمبيت بالمقهى مقابل مساعدته في التنظيف ومآرب أخرى.

أعرف كل ركن في هذا المقهى، قاعة الشاي، الطاولات والكراسي، مذاق القهوة والشاي، المراحيض بما فيها الخاصة بالنساء، لكثرة ما قضيت فيها من ساعات قبل هروبي في اتجاه أفغانستان.

أسمع نداء عمي بوشعيب في الصباح الباكر.

أتوجه إلى بيت الجدة، قبل طرق الباب الخشبي العتيق أشمه راغبا في استعادة الماضي ككلب يريد التعرف على الرائحة لمطاردة صاحبها كغريب لحظة ثم أطرق، تخرج الجارة، تنظر إلي كغريب عن الدرب، نظرة تنم عن الرغبة بالتورط في السؤال، مما يشجعني على الطرق من جديد للانفلات من نظراتها الحادة، أعيد الطرق ولا من مجيب.

ينفذ صبر الجارة وتقول:
-  إن العجوز ذهبت إلى المقبرة كعادتها كل صباح، ولن تعود إلا مع قدوم الليل.
-  هل هي بخير ؟
-  ومن أنت؟
-  أنا من أقاربها
-  لا علم لي أن لها أقارب، ما أعلمه هو أنها لم يكن لديها إلا حفيدا واحدا ربته بعد وفاة أبويه لكنه استشهد بأفغانستان.
-  هل ألقاها بالدار في المساء؟
-  أكيد، لابد أن تعود مع غروب الشمس.
أترك الدرب العتيق وأتوجه إلى المقهى، أمر ببائع الزهور، متجر صغير بكل الألوان، أقف، أنظر إليها محاولا التعرف على كل نوع منها إلا إنني لم أفلح ما عدا بالنسبة للنزر منها.

أعتقد أن جدتي حزنت كثيرا بعد علمها بموتي، هل حضر أحدا جنازتي ؟ هل لي قبر بالمقبرة ؟
فأين قبري؟

لابد أن أذهب إلى المقبرة للتأكد من الأمر.

…. استقر بالكرسي الذي تعودت في السابق الجلوس عليه بالمقهى، أطلب قهوتي السوداء المرة وأطلق العنان لبصري.

فتاة تتردد أمام مدخل المقهى، أنظر إليها أهوى معاينة النساء في حالة انتظار والشك ينحرهن، " هل سيأتي أولا" معاناة بصمت وببطء.

تبدو من الفتيات السهلات كما يقال، وهذه صدفة فريدة لا يمكن تضييعها.

أتذكر " دونيس" وأتصورها وراء القضبان محرومة من جرعتها اليومية من المخدرات عذاب وصراع.

كيف وصلت إلى هذه الحالة.

12

البارحة تصرفت بعقلية حيوانية، أخذ مني التعب مأخذه ولم أستيقظ مبكرا.

أحسست خلافا للأيام السابقة برغبة في الحياة فرأيت في عائشة مفتاح استمرار هذه الرغبة.

انتظر على رأس الدرب العتيق، ولم يظهر لها أثر، أبعث لها ورقة بواسطة أحد الصبيان.

" أريد أن ألقاك، ضروري ومؤكد أنتظرك برأس الدرب – خطيبك.

ها هي قادمة وهي ترتب جلبابها، تقترب من رأس الدرب، تنظر يمينا وشمالا، ولا تعير لوجودي أي اهتمام، أتقدم نحوها.
-  هل تبحثين عن أحد؟
-  وما شأنك أنت؟
-  تحملق في بارتياب؟
-  أريد مساعدتك لا غير؟
-  ومن طلب منك هذا؟
-  الأمر يتعلق بالرسالة التي توصلت بها منذ قليل….
-  هل تعرف خطيبي ؟
-  نعم
-  أين هو، ما زال له الوجه لمقابلتي ؟ أين هو ؟ قل لي أين هو؟
-  ماذا حصل؟
-  إنه مجرد ممثل، وغد من الأوغاد هذا هو قالت ذلك بهدوء رغم الغضب الذي يمتلكها، كأنها تعلن عن حقيقة قائمة لاشك فيها، أحسست بنشوة غريبة، هذه هي اللحظة الحاسمة، لا بد لي أن أرمي بنفسي في الماء، لأنني أمام عائشة التي عرفتها ويمكنها في أي لحظة أن تتعرف علي من الرغم من كل التغييرات والتحولات، لاشك أنها ما زالت تفهم لغة عيني ومدلول نظرتي.
-  أحملق فيها دون ترمش، تنظر إلي وجها لوجه ترتيبك وأرتبك بدوري، تفتح عيناها أكثر ونحملق إلى وجهي، ألاحظ ارتعاشا لا يكاد يبين لشفتها العليا كأنها تود البوح بسر.
-  إذا كان خطيبك وغدا فانا هنا لخدمتك ومحاولة إسعادك.
-  خدمتي … إسعادي …. من سمح لك بمكالمتي هكذا؟
-  الظروف …. الظروف….

لم أستطع تمالك نفسي، هممت بالبوح بكل شيء، فإذا بطفلة تنادي عائشة.
-  أمك تبحث عنك لأن أحدا يناديك بالتلفون عند البقال / أظن أنه خطيبك….
تتركني وتسرع الخطوات في اتجاه البقال.

اليوم وجدت الجدة في الدار، طرقت الباب، خرجت، لم تتعرف علي.
-  من ؟
أنقض عليها فأقبلها بحرارة رغم تراجعها مرعبة.
-  من أنت وماذا تريد يا ولدي ؟
-  جدتي … جدتي … أنظري إلي جيدا أنا حفيدك….
-  لا تسخر مني، إن حفيدي في دار البقاء منذ زمان.
-  ثقي بي أنا حفيدك، ابن بنتك الوحيدة …
-  كيف عرفت ذلك؟
-  ببساطة لأنني ابنها
-  كفاك هترا واتركني في حالي….
-  أنظري إلي جيدا يا جدتي أنا حفيدك لم أمت ن مازلت على قيد الحياة……

تقترب منه وتنظر إليه طويلا، يقترب منها ويسرد عليها أسماء أقاربه وإخوانه الميتين وظروف وفاة جده وأمه وأبيه …. تجذبه إليها باكية تارة وضاحكة أخرى ثم يدخلان معا إلى الدار.
لم يتغير أي شيء بالمنزل، غرفتي مازالت كما تركتها، صورتي معلقة في مكانها المعتاد، الكتب مصفوفة على الرف، الدار مازالت متحفا لذكرياتي.
الطلاء الجيري الأصفر، المكتب الخشبي الصغير في الركن الأيمن وفراش الحلفة قابع على الأرض مباشرة في الركن الأيسر، حبل ممتد من النافذة الصغيرة إلى مسمار كبير الحجم مغروس في مكان ما وسط الحائط، بعض الملابس القليلة والجوارب المثقوبة معلقة هنا وهناك، قرب المكتب مجموعة من الصور من ضمنها صورة عائشة لاصقة مباشرة على الحائط دون إطار الواحدة قرب الأخرى بشكل عشوائي لا يخضع لأي تصور جمالي.

أحسست بفرحة غريبة وأنا أشم رائحة المنزل وعبير الحناء المنتشرة في الأجواء كلما مرت جدتي قريبا مني.

فرح يملأ فضاء الغرفة بأنفاس جديدة، فهناك كان مسقط رأسي وهناك مات أمي وهناك غسلت جثة أبي وهنا لا محالة سأموت.

لم تغير جدتي من شأن الغرفة أدنى شيء، لقد كانت تحرص حرصا شديدا على تنظيفها يوميا وتقفل الباب حفاظا على ذكريات مضت بداخلها.

في درج المكتب أجد رسائل عائشة منذ مقابلتنا الأولى، بجانبها الشهادات الجامعية تحت صورتي برفقة عائشة، شهور قلائل بعد تخرجي.

نظرت فيها، كانت الشمس في أعيينا ابتسامة أمل على وشك التحقيق.

أعيد قراءة الرسائل زمن مضى، زمن طل معلقا أفكر في عائشة، في " دونيس" في طموحاتي السابقة، في الأمل المقتول ذبحا أكثر من مرة.

أفكر في هروبي وعودتي إلى ما هربت منه أصلا.

أفكر في طفولتي في من جاهدوا واجتهدوا للتخفيف من آلامي وأحزاني في من كانوا يزودونني بقوة تحمل الحاضر والجرأة على النظر إلى الغد.

…. هذا المساء، في غرفتي، أحيي مع أشباح من أحببتهم بطريقتي ن لن كل ما هو خارج هذه الغرفة لم يعد يعنيني.

….. لم يبق لي إلا جدتي ن وعائشة، فالأولى هناك في المنزل تعرفت علي وضمنت حبها، أما الثانية فما زالت بعيدة عني، بعد الحياة عن الموت.

رغبة مني في إعادة اكتساح قلبها وغزو بالها بدأت في مطاردتها.

…. رايتها مرتين في شجار مع خطيبها، وعلمت أنها في طريق فض العلاقة.

إنه أقل مني سنا أو يبدو كذلك ربما لأن الزمن لم يترك على وجهه علامات، انظر إلى عائشة نظرة لم اعد أقوى على نظرتها بها، أتفحصه، أرى فيه نفسي قبل الهروب محبا لعائشة معزا لها.

وعائشة …. ماعدا فعل الزمن لم تتغير، ما زالت هي عائشة التي غادرتها وتخليت عنها رحمة لي ولها.

هل علي أن أصرح للخطيب أن المسرحية انتهت وأنه قام بدوره على أحسن وجه، وعليه البحث عن دور ’خر ما دام يجيد فن التقمص والتمثيل؟

هذا ما فعلته صرحت له بكل الحقيقة، غني وعن عائشة ن تشكرني على صراحتي واختفى من حياتها.
علمني مطاردة عائشة حق التعلم أن المرء يمكنه صيانة كرامته بجمع فتاة الأمل المبعثر هنا وهناك.
لا تعيرني أي اهتمام، لا أيأس وأستمر في المطاردة، فالظروف هي التي تخلق الأبطال، أطاردها وأنظر الظرف الذي سيجعل مني بطلا في نظرها، يكفيني رأيها، مهما قال الآخرون.

تمكنت من جعلها تكلمني بأدب، بدأنا نلتقي وساقنا الحديث في مختلف الاتجاهات، تكلمني عني قبل الهروب.

-  كان لإنسان عادي، مكافح رغم ظروفه الصعبة ن لكن خاب أمله وذهب.
-  كلما كانت تحدثني عني كانت تستعمل كلمات ذهب، رحل، غاب، لم تستعمل ولو مرة واحدة لفظة: مات " أو ما يدل عليها.
-  أظن أنها ما زالت تكن لي حبا ما، مثل السمك في الصهريج، أقترب منها لحد التماس ولا ألمسها ن ما زالت أتردد في البوح لها بكل الحقيقة.
-  أستحضر أسطورة" أكطايون" القناص الإغريقي الشاب الذي فاجأ " أرتيميوس" بنت " زوس" إلهة الصيد والقنص تسبح عارية، أراد الهروب لكن نظرتها له حولته إلى غزال افترسته كلابه.
رغبت في التصريح بالحقيقة كاملة غير ناقصة، والانقضاض على عائشة لتقبيلها، لكن تمالكت نفسي خوفا من أن يحصل لي ما حصل "لأكطايون" القناص.

أحس بها بعيدة عني رغم وجودها بجانبي على مرأى عيني، إنها في عالم آخر، سابحة.
انظر إلى خدها المورد، أكيد أنني سأقبل هذا الخد ثانية، لكن الوقت لم يحن بعد.
-  أراك غدا؟
-  لا وعدت العجوز أن أرافقها إلى المقبرة لأن نظرها ضعيف.
….. إنها تتكلم عن جدتي، لابد أن أعيد توصيتها لكي لا تحس عائشة بأي شيء، أتخوف من إفشائها للسر وإظهار اللعبة عبر تصرف أو حركة أو كلمة.

13

…. كان قبر جدتي وهيأته البسيطة عليه وقار طاهر وشاهديه القائمين على رأسه وقدميه، بجانبه مبنى صغير لا يكاد يبين به إلا زليجة مربعة بيضاء كتب عليها اسمي وتاريخ استشهادي.

هذا هو قبري إذن، بجوار قبر " جدتي: فارغ مثلي لماذا كتبوا " مجاهدا" ؟
جدتي المسكينة رغم علمها بغيابي من القبر تعتني به كما لو كان قبري فعلا، لدرجة تعبت في إقناعها أنني ما زلت حيا أرزق.

فهي في صمت مسندا على قبري، ألتفت إلى القبر المجاور، يبدو لي وجهي على الرخام الأسود البراق، شبح دون ملامح محددة، أين عيناي ؟

ضالة في الضباب في الفراغ، في متاهات عصري.

أغادر المقبرة، شعر بالفرح وأنا متوجه إلى المقهى سأنتظر عائشة.

أرى الفرحة بادية على وجوه الناس، كأنني نعتت من قبري متلهفا للحياة ثانية.

…. تأتي عائشة تدخل معا للجلوس بالمكان المعتاد في يدها كتاب " أولاد جارتنا" الذي دفعتها لمطالعة منذ سنين.
-  قلت لي أنك تريد مكالمتي في أمر هام
-  تبدين متعبة، مالك؟
-  لم يغمض لي جفن البارحة.
-  لماذا؟
-  لا أدري هجرني النوم بالمرة، فشرعت في قراءة هذه الرواية.
-  إنه مجرد إرهاق عابر.
-  … إنما هناك أشياء لا أفهمها … أشياء ترهقني.
-  …. أشياء لا تفهمها؟
-  نعم، مثل زيارتك المقابر، مثل ما قالته لي العجوز عندما رافقتها إلى المقبرة ….
-  فماذا قالت لك ؟
-  قالت لي أنه حي وصمت بنزع الزليجة البيضاء المحفورة عليها اسمه فمنعتها….

ولم تقبل بعد ذلك مكالمتي في الموضوع رغم إلحاحي المتكرر … وهنا كذلك أنت …. اختراقك لحياتي بهذه السرعة …. ترددك على هذا المقهى …. جلوسك بهذا المكان … اهتمامك بهده الرواية …. أشياء كثيرة تشحذ فضولي….
… لم أستطع معرفة هل هي قلقة أم خائفة ؟ شفتاها ترتعدان، وجهها يفقد دمه بعد احمرار مفاجأ تبدو صفراء.
-  هل لديك أي تفسير لكل هذا ؟
-  كنت …. كنت سأصرح لك بكل شيء في الوقت المناسب، وما دام قد حان، فإني صديق المرحوم…
-  قل لي الحقيقة ولا تخدعني، كفاك تمثيلا لقد تخلصت من ممثل وصادفت آخر….
-  ليس هناك أية حقيقة أخرى، أنا صديق المرحوم، هذا كل ما في الأمر…..
-  عندما هاجمنا الروس عطبت وحين استرجعت وعيي وجدت نفسي بالمعسكر مكثت به أكثر من سنة، ولم أر ثانية أي أحد ممن كانوا معي ومن ضمنهم المرحوم هذه هي الحقيقة.
بدأت عيناها تدمع، فأحسست إنني إذا لم أكن قد قتلت أملها إلا أنني فتحت بابا لصديق الحبيب.
-  كان المرحوم يكلمني عنك كثيرا ومرارا، لاسيما في اللحظات الحرجة التي عشناها معا بمخيم اللاجئين، كان يحبك ويعزك لدرجة العبادة.
-  ترفع عينيها وبعد تردد تقول :
-  بالطبع كنت أحبه، لكنه فقد الأمل ولأم يقو على أن يكون سببا في تعاستك.
تحاصرني بنظراتها بعد نفاذ مخزون الدموع.
-  معذرة لقد قلبت عليك المراجع.
تنظر إلي ثانية وبعد صمت:
-  إنك تشبه بعض الشيء
-  لا أظن، إنه الحنين هو الذي يجعلك تنظرين ذلك.
-  إنها الحقيقة، إنك تشبهه، أقوى منه بنية، تشبهه في الملامح في النظرة، في الصوت.
-  ثم تضيف:
-  هل من المحتمل أن يكون على قيد الحياة؟
-  لا يجب أن تطلقني العنان لخيانتك….
-  لكن أنت فما هو إحساسك؟
-  أتظاهر بالتردد:
-  إذا كان لازال حيا لعلمت ذلك
-  لقد نجيت أنت، فلماذا لا هو؟
أجاريها:
-  نعم، لماذا لا ينجو هو كذلك؟
تحاصرني بعدة أسئلة حاولت الإجابة عليها دون إثارة الشكوك.
تضيف بهدوء مفاعل:
-  لقد تطوع ليموت….
-  لا أظن ذلك
-  لكثرة ما هرب، لم يكن أمامه إلا هذا الحل.
-  لا أخفي عليك أنه يسعدني أن أتحدث عنه.
-  القليلون هم الذين عرفوه على حقيقته، أما فيما يخصك فإنني لا أعرف حقيقتك.
أعتقد أنها شكت في، لكن نظرتها لم تكن تعبر عن ذلك، أبادر قائلا:
-  عندما كان يحدثني عنك، كان يكلمني عن حرارة لقاءاتكما الأولى والسعادة التي أحس بها آنذاك، كان يصفك لي بطريقة جعلتني أقدرك وأعزك قبل رؤيتك، هكذا عرفتك، وتذكرتك وأنا بين أيدي الروس، وعندما علمت أن المرحوم اختفى ولم يظهر له أثر تشبث أكثر بتقديرك وإعزازك، وجئت إليك أحمل الحب الذي كنت تكنينه له، كأنني مرصود لتلقي صدى هذا الحب.
-  لا أستحق كل ما قاله المرحوم في حقي، كان علي أن أفهمه أكثر ….وأحبه بطريقة أحسن
بعد صمت أضيف:
-  علي أن أخبرك بما قاله لي قبل الخروج إلى المهمة المشؤومة، التي كنا على علم بخطورتها، لقد أقسم لي، وكلفني، في حالة فقدانه الحياة، أن أزورك وأصرح لك بحبي، وهذا ما فعلته.
-  اقتربت عائشة مني، ثم استرسلت في الحديث:
-  …. لقد قال لي المرحوم، خطيبي شابة وجميلة، خلقت لكي تحب، فإذا مت عليك أن تقنعها أن تحيي لأنني أعفيها من علاقتنا، وعليها أن تهتم بغذها…..
كنت أستعيد في ذهني هذه الكلمات طوال فترة احتجازي بالمعسكر السوفيتي، وقد ساعدتني على التحمل.

عائشة تبكي بنرفزة وتمسح دموعها بمناديل ورقية ملئت بها المرمدة، هذه الكلمات المقطرة سما خلخلت دواخلها، أحاول مواساتها:
إن حزنك يؤلمني، اسمحي لي أن أصرح لك أنني أحببتك قبل رؤيتك…..
أرى أمامي عائشة التي عرفتها قبل هروبي.
بعد تنهيدة عميقة تقول:
-  ما زلت أذكر أول لقائي به، كان بالكلية إبان مهرجان " يوم الأرض".
-  ترفع عينين ذابلتين وتضيف:
-  ألم يكلمك عن هذا؟
-  نعم وكذلك عن قضايا أخرى.
تتزاحم الذكريات في ذهني، أخبرها بها على لسان المرحوم.
تندهش وتنظر إلي طويلا.
-  هل أخبرك بالمكان الذي قضينا فيه أول ليلة معا؟
أجيب بالنفي على التو، وأحاول تغيير مجرى الحديث:
-  إنه كان يستعيد حياته وهو يحكيها لي، ويوم بعد يوم أتطابق معه …. سوف لن تصدقينني …. لقد أحببتك….
-  تبسمت بحرج وبداخلها صراع بين عائشة الأبية وعائشة المحبة التي فطمت عن العشق والحلم والحنان قبل الأوان.
تغطس نظراتي في نظراتها فترمش وتقول:
-  وإذا كان المفقود مازال حيا يرزق؟
تتلاقى نظراتنا من جديد، أبتسم وأقول بلطف:
-  فعلا إنه حي فينا وبنا، حي فيك حي في، نحن الاثنين معا نجعله حيا كأنه عاد من جديد.
أمد يدي وأضعها عليها مرننا:
-  عليك أن تحبينني لضمان حياة جديدة للفقيد.
-  تنفجر باكية، فأيقنت أنها ما زالت تحبني، لقد حاولت الارتباط بآخر لكنها ظلت وفية لحبها كأنها كانت تنتظر عودتي، عودة نظير المفقود.
غادرنا المقهى، قبلتها قبل توديعها.

14

المدينة في هذا الصباح مكتظة إلى حد الانفجار صاخبة إلى حد الاندثار، مدينة تكاثر فيها المهمشون والمهملون من كل الأجناس والأصول.

قضت عائشة ليلة بيضاء تقلب في الأحداث والشكوك التي راودتها منذ ظهور صديق المفقود.
في الصباح تتوجه إلى بيت الجدة.

تستقران بفناء الدار لاحتساء الشاي، تبادر عائشة قائلة:
-  يتخيل لي أن الحزن قد غادر الدار.
تجيبها الجدة بابتسامة عريضة لم تراها على شفتيها منذ زمن بعيد ، منذ أصبح اليأس حاجزا لتحقيق آمال حفيدها.
-  الحمد لله، إنه على كل شيء قدير.
-  أنا كذلك يا جدتي أحس أن الحزن سيغادر ني ….
-  ماذا؟ ….. أنت كذلك…..
-  نعم، أنا كذلك
-  إذن عرفت…… قالت ذلك ثم صمتت.
-  ماذا تقولين؟
-  لا…. لا شيء….
-  تقترب منها وتنظر إليها
-  ماذا عرفت يا جدتي؟
-  لا تبالي يا بنتي …. يبدو أن السن يؤثر علي ….. لا تبالي….
-  إني يا جدتي جئت أصارحك بأمر غريب
-  أمر غريب؟
بعد تنهيدة عميقة تستوي في جلستها وتقول بحنان:
-  لقد اتصل بي صديق للمرحوم و…..
تبتسم الجدة خلسة ، ترمقها عائشة .
-  لماذا تضحكين يا جدة؟
-  لا تبالي …. لا عليك…. أكملي يا ابنتي، فأنا صاغية إليك.
-  زارني الصديق وأكد لي أن المرحوم أوصاه، في حالة موته، أن يتصل بي لنبدأ من جديد.
-  إعادة بداية ماذا؟
-  بداية الحياة من جديد.
-  لا أفهم يا بنتي، حديثتي على قدر عقلي.
-  أنت على علم بمعزة المرحوم عندي…..
تنفجر الجدة ضاحكة حالما نطقت عائشة بكلمة " المرحوم"
-  مالك يا جدة هذا اليوم؟
-  لا تبالي يا ابنتي …. لا تبالي…..
-  إن المرحوم أوصاه بان يحبني، وهو بالفعل أحبني قبل أن يراني.
تبتسم الجدة من جديد، وهذه المرة لم تقو على تمالك نفسها وتمادت في الضحك.
ترمقها عائشة بغرابة ثم تضيف"
-  جئت أخبرك بالأمر يا جدة، فما رأيك؟
تجيبها بسرعة، بنبرة ثابتة كأنها على يقين:
-  نعم، نعم يا ابنتي، عليك أن تحبينه، فهذه وصية حفيدي الحبيب.
بعد تناول العشاء، تبادر جدتي قائلة:
-  لقد زارتني عائشة وكلمتني عن صديق الفقيد الذي جاء لتنفيذ وصيته، وسألتني عن رأيي في الموضوع.
-  وماذا قلت لها يا جدتي ؟
-  شجعتها على ذلك، فماذا كان علي أن أفعل؟
-  أحسنت يا جدتي …..
-  إلا انه يجب حسم الأمر في أقرب وقت وإلا سأضطر لمصارحتها بالحقيقة…..
كانت الجدة على حقالمرحوم، المرغوب فيه، تحقق أو على وشك التحقيق ألم أحظ بحب عائشة ؟ ألم تحبنيعلى يقينلمرحوم، أي من أجلي أنا ؟ لكن هل سيتغير موقفها إذا علمت بالحقيقة ؟ ألم أكن على يقين أنها منذ البداية ؟ لكن لم أكن على يقين أنها ستحبني ؟ أما الآن فأنا على يقين من الأمر؟
والظروف اختلفت.

أليس علي، بالعكس من ذلك كثمان السر إلى الأبد والهروب من جديد كما فعلت من قبل؟

يوم الجمعة يخرج مبكرا متوجها إلى المقهى لمزاولة عمله المؤقت بها.
أما الجدة فتخرج بعد الإفطار للقاء عائشة للذهاب معا إلى المقبرة.

*
ألتقي يوم السبت مع عائشة وتقترح علي الذهاب إلى الشاطئ.

تقودني إلى جانب المنار، إلى الصخرة، موقع الإعلان عن حبنا لأول مرة، أتبعها مندهشا وقلقا.

دون اهتمام تستمر في شق طريقها نحو الصخرة، ومن حين لآخر تأمرني بإسراع الخطى لم يتغير المنظر حول الصخرة، السماء زرقاء صافية خالية من الغيوم، بحر هادئ يميل إلى الخضرة أكثر منه، إلى الزرقة، نسيم خفيف، يوم مناسب للإعلان عن ميلاد قصة حب.

بارتباطها بصديق المفقود، ترغب عائشة في ديمومة حب الحبيب الذي هرب عنها، وما ذمت لحد الآن في إعداد الموتى علي الاستمرار في اللعبة.

هل أنا الذي حفزتها على الانتقام مني ؟

هل بانتقامها ستحمي ذكرى المفقود أم أنها ترغب في إعادة إحيائه عبر الصديق؟
فمنذ صغري والموت يرافقني، موت جدي بجانبي موت أبي بجانبي، موت أمي بين يدي، موت رفاقي حولي وعلى مرأى من عيني، موت الشيخ الأفغاني أمامي…..
أرغب في بداية حياة جديدة مع عائشة، وهذا ما أكدته لها عندما جلسنا على الصخرة نناجي البحر معا.

في المساء أرافقها إلى رأس الدرب، وقبيل توديعها تمد لي ظرفا وطلبت مني أن لا أقرأه إلا وأنا على فراش هذه الليلة.

15

فتحت الظرف، تناولت الورقة المكتوبة تعرفت توا على خط عائشة.
ّ" عزيزي المسكين،
أتظن أنك خدعتني بتمثيلك"
أكف عن القراءة وأتذكر صمتها الطويل بالصخرة قرب المنار هذا المساء، ابتسمت ولم تتكلم إلا لماما، أتيه في لحظة بين الحياة والموت وأعيد قراءة الورقة.

" عزيزي المسكين
أتظن أنك خدعتني…
لم تخدع إلا نفسك وأحلامك، منذ أيام وأنا أتفرج عليك وأنت تمثل أمامي، بتقمص شخصيتك بعدما تخلت عنك.

أكثر من مرة اعتقدت أنك ستصارحني، وتزيل القناع، أكثر من مرة كنت مستعدة، فاتحة ذراعي، لاحتضانك ولوضع قلبي في متناولك والعفو عنك ونسيان ما مضى، لكن استمرار هروبك مني حتى وأنت أمامي، بجانبي، بالقرب مني، منعك من الإتيان إلي عاري الوجه، لقد رفضت أن تنظر إلي عينا لعين بوجهك الحقيقي.

لقد ضيعت كل شيء ياعزيزي المسكين.

إنك اعتقدت أنني أحبك حين طعنت حبي لك بيدك عمدا مع سبق الإسرار والترصد.
لقد عزفت نغمة نشاز منذ البداية.

عندما قدتك إلى الصخرة أملت أن تنفعك الذكرى وتساعدك على الاعتراف وإزاحة القناع، لكن لاشيء لا حركة ولا دقة قلب معبرة، وهل مازال قلب ليدق؟

أنت على يقين أنني كنت أحبك رغم الظروف.
فرحت بعودتك، لكنك عدت بقناع، لماذا؟
أكثر من سنة قضيتها في أفغانستان، أو في سجن الروس أو في أحضان امرأة، فما أدراني؟
لقد سايرتك في التمثيل لقتل المفقود نهائيا لمحوه من وجودي، وسرقت منك كذبتك فلم تعد أهلا حتى لشفقتي.
آمرك أن تنساني وأن تستمر في هروبك وإذا لم تفعل فأنا التي سأهرب منك؟
…. في مخيم اللاجئين، أنا مجاهد أستشهد في عين الجدة ميت بعث وأمام عائشة إنسان أراد الاختفاء وراء قناع شفاف لا يخفي شيئا.
أضغط على الرسالة بين أصابعي أقذف بها وأستلقي على ظهري للاستعداد من جديد للانتظار، انتظار الغد المخالف لليوم والبارحة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى