الثلاثاء ١٧ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٩
قصة قصيرة
بقلم بسام الطعان

قلوب كبيرة

أبيض أبيض ، كلها ترتدي الأبيض ، الأرض والسماء والأشجار والقرية المطلة على الوادي تزهو بالأبيض ، أبيض .. والجو يزف كل كائن ببشائر الخير وهو أبيض ، الكل يفرح به ، حتى الريح اللعوب التي تبعثر ندف الثلج ويرافقها أنين خافت ترتدي الأبيض ، وحدها امرأة تسكن فوق الجبل الأبيض وترتدي الأسود.

إنها أم قاسم التي لم تنه عقدها الثالث بعد، تجلس في بيتها المستفيض بالزمهرير مع ولديها الجائعين ، اللذين لم يتجاوزا السابعة والخامسة من عمرهما، تهدهد نفسها وتهدهدهما، تدندن لحنا لأغنية حزينة ، وتداوي بدموعها جرحها العميق الغائر في عمقها الأبيض.

على غير توقع ، وفي غفلة من كلب شرس وجائع , يحتمي تحت صــندوق خشبي عتيق خلف الباب ، حط طائر مزركش يتوثب الحب في عينيه فوق النافذة ، انه لا يمكن أن ينسى هذه النافذة لأنه منها اتجه صوب الحرية التي يحبها ، نفض ريشه المبلل عدة مرات فاتجهت العيون صوبه بكل خنوع ، وصفقت له القلوب مع الأكف ، وحين أمعنت أم قاسم النظر فيه جيدا ، تملكتها دهشة لا تزول غير أنها شعرت بسعادة لا توصف فهي تعرفه تماما.

منذ شهر تقريبا، وفي صباح ماطر, فتحت النافذة، فوجدت الطائر ملقى فوق حافتها والدماء تغطي ريشه الجميل ، رأت في عينيه شيئا من الحب وشيئا من الرجاء ، فحملته برفق وقرّبته من المدفأة، مـسحت الدماء عن جسده الصغـير ، وقدمت له قطعة خبز مبلله
بالماء لم تكن تملك غيرها ، وكم كانت فرحتها كبيرة حينما قـبل الطـعام
من يدها ، وعندما تأكدت من أنه استعاد عافيته تماماً ، ساعد ته عـلى الطيران فطار ملوحاً بجناحيه وواعداً إياها بأيام جميلة ليس فيــها بعاد أو سكون .

أرسل نظراته إلى الوجوه الثلاثة ، فشعر بأنهم أهله وخلانه ، وبعد نظرات مليئة بالحب والعطف ، انطلق صوته الجميل يطير سابحاً بين ندف الثلج الكبيرة.

تقدم قاسم من النافذة وتبعته أمه ، ضمته بعينيها وروحها، فتحت النافذة بهدوء ، ابتسمت وأرسلت له عبارات الشوق فتوقف عن الشدو وتمنى أن يرتمي في حضنها ، بدوره تقدم شقيق قاسم باتجاهه فرأى في عينيه عطفا يشبه عطف الأب ، ورأى بين أجفانه بشائر خير وأغان جميلة عذبة ، ابتسم له ورش من حوله ترحيبه الحار ، فاستعد الطائر لأن يطبع قبلة حارة على خده ، لكنه غير رأيه في اللحظة الأخيرة وراح يتطلع إليه بحنان، وحين شاهد آثار البؤس والجوع على وجهه الصغير, انكسرت فرحته
وفارت من أعماقه ملامح حزن دفين ، وحينما لم يقدر على رؤية البؤس على وجوه أحبابه طار باتجاه الوادي الذي يتباهى بزيه الأبيض.

ما أكبر وفاءه وما أجمل قلبه , بعد ساعة ونصف أو أكثر بقليل، عاد برفقته طائران آخران يشبهانه تماما ، وكان قد بحث عنهما طويلا ًحتى وجدهما .

رفرف فوق النافذة من جديد ، ثم نقر الزجاج نقرات ناعمة ، شعرت أم قاسم بحركات خفيفة ، فهي لا تريد أن تغفو أبداً ، إنها دائماً تطرد النعاس كلما جاءها كي لا تغفل ولا تغيب نظراتها عن قاسم وأخيه ، أبعدتهما بهدوء عن ركبتيها ، ألقت بكل ما تحمله من هموم وتعــب على الأرض
واقتربت من النافذة وما إن فتحتها ومن خلفها ولديها حتى زقزق الطائر وكأنه يقول لها شيئا ، ثم وضع ثلاث حبات قمح كان يحملها داخل منقاره المدبب فوق حافة النافذة ، وبسرعة قلده رفيقــاه ، ثم رفرفت الطيور الثلاثة معا وغنت معا لدقائق ثم طارت وهي تلوح بأجنحتها الوردية الغصون وكأنها تقول : انتظرونا فنحن لا نتعب وقلوبنا لونها أبيض .

وقعت عينا المرأة على حبات القمح التسع فاهتزت اندهاشا ، وشعرت بإحساس غريب لم تشعر به طوال حياتها ، بالتأكيد كان إحساساً جميلاً ، حملت حبات القمح ، تطلعت إليها مليا ثم قدمتها لولديها اللذين نظرا إليها بدهشة لا توصف ، وما لبث الثلاثة أن غرقوا في الضحك ولم يتذكروا جوعهم وظلت الدنيا ترتدي الأبيض.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى