الثلاثاء ٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٨
بقلم شمس الرب خان

ملف الانتحار

كانت تجلس في زاوية على درجات جسر لمحطة القطار المحلي و على جانبيها ولدان صغيران كانا يتراوحان بين الغفو و الصحو. ربما كان عمرها يناهز العشرين. وعلى الرغم من آثار التعب والمشقة الظاهرة على محياها، كانت ملامح وجهها و منظر جسدها الخارجي تشي بأن كانت لها أيام النعمة ورفاهة البال قبل أيام الشقاء و البؤس...كانت تلح على المارين بصوتها المبحوح:
" أخي، أصابنا جوع شديد، أعطنا شيئا لنشبع جوعتنا!"
" أختي، ليس لنا في الدنيا أحد، ارحمي علينا، يرحم الله عليك!"
" عمي، أخي مريض، أعطنا شيئا لأداويه!"
" عمتي، لم يبق لنا بيت و لا مسكن، أعنا أعانك الله!"
" جدي، بارك الله فيك، تصدق علينا!"
" جدتي، أنعم الله عليك بالهناء و طول العمر، أنفقي علينا!"

كم مروا بها و هم كالجماد، و كم مروا بها يتحسسون جيوبهم، و كم توقفوا بها و انحنوا يطرحون العملة المعدنية على الثوب الممدد أمامها ثم انطلقوا مسرعين و تتعاقبهم أصوات دعائها حتى يقطعها البعد أو عمل أحد مثله. بعد نهار من الإلحاح المتواصل، كانت تجد قدر ما يكفي قوت يومها و يوم أخويها.

دارت الأيام على عادتها، و في ليلة حينما أوشكت أن تحسر الثوب الممدد أمامها و ترجع إلى مكان آمن من الرصيف ليناموا، جاء رجل بدت على مظهره و زيه آثار الغنى و الترف و انحنى على الثوب الممدد و طرح عليه عملة ورقية من مائة روبية ثم تقدم مسرعا بعد إلقاء نظرة عابرة على وجهها. أسكتتها الحيرة لحظات ثم أعادت وعيها و شكرته بقدر ما تمكنت من رفع صوتها بالشكر والامتنان.
و كان الأمر بعد ذلك أن تعود الرجل على هذا العمل بانتظام. كل ليلة في ذلك الوقت بالضبط، كان يأتي و يطرح أمامها عملة ورقية من مائة روبية. استمر على ذلك لعشرة أيام تقريبا حتى ألفت به و بعمله هذا. ظنته غنيا متبرعا و تعاملت معه لذلك بالاحترام و الحذر حتى أظهر لها تدريجيا أشياء غير عادية لفتاة في حال كحالها من فتى كمثله: فذهب منها الحذر، و تبادلا النظرات، والابتسامات، ثم الدلالات حتى نسيت أو تناست من كانت، و راحت تحلم أحلاما...
و في ليلة من الليالي، جاء و تبسم لها، ثم وضع على كفها عملة ورقية من مائة روبية... و ورقة مكتوبة فيها شيئا..ثم رحل مسرعا من ذلك المكان واحتجب في مكان يراها منه و لا تراه... خفق قلبها بين أضلاعها... و فتحت الورقة... و قرأت... فإذا فيها:
" ليلتك في جنبي تضمن لك أضعاف كل ما أعطيتك حتى الآن."
اهتزت الورقة في يدها اهتزازا عنيفا و أظلمت دنياها في عينيها، ثم انفجرت في بكاء نشيج حاد لأول مرة أمام أخويها بعد وفاة أبويها في حادثة...استشعرا بجدية الوضع، و توجها بسؤالهما إليها فزعين:
" ماذا حدث، يا أختاه...؟"
ابتسمت مجبرة على نفسها و قالت: لا شيء، لا شيء، هدئا من روعكما، لم يحدث شيء... "
ثم تتابعت بالقول بعد أن لاحظت قرب موعد قدوم القطار الأخير لليلة على المؤشرة الاليكترونية: "و لكن لم يبق هذا المكان آمنا، هيا بنا نذهب إلى محطة أخرى..."
فهما شيئاً أو لم يفهما، ولكنهما هزا رؤوسهما بالموافقة...
جاء القطار الأخير لليلة و حمل ثلاث نفوس متوجسين إلى محطة أخرى...تحرك ظل في مكان مظلم من الرصيف و ركب القطار الأخير قبل رحيله...
في الصباح الباكر، جاء رجل ليقضي حاجته على سكك الحديد بين المحطتين و رأى ثلاث جثث... و أخبر الشرطة...
جاء شرطي و تفحص الجثث...
أدرك في لحظتها أنهم كانوا فقراء متسولين بسبب الآثار الظاهرة عليهم...
أمر بإرسال الجثث إلى المشرحة و رجع إلى محطة الشرطة، ثم جلس يكتب الملف حول الحادث...لمعت للحظة أمام عينيه آثار العض على خدي الفتاة، ونهدها، وفخذيها... و لكنه نفض الفكرة من ذهنه بشدة، وشرع يكتب: ملف الانتحار...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب هندي، ماجستير لغة عربية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى