الاثنين ٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٧
بقلم هـويدا صـالح

السيرذاتية والنوستالجيا في ثنائية علي شوك

ربَّما أتحفظ قليلا في استخدام مصطلح "أدب الغربة" في حالة الفضاء الثقافي العربي، لأن ذلك الفضاء العربي متشابه إلي حد بعيد وإن اختلفت التفاصيل بين بلدانه، فلا آخر هناك مثلما يكتب من يغترب أويهاجر إلي إلي الغرب، بل هنا الأنا متنوعة،الأنا في تجلياتها المختلفة ، وقد كتب روائيون كثيرون عالمهم السردي في منطقة سفر كالخليج مثلا، ومن الكتاب الذين كتبوا تلك التجربة : إبراهيم عبد المجيد "البلدة الأخرى" ومحمد عبد السلام العمري "اهبطوا مصر" علاء الديب "أطفال بلا دموع" ومحمد جبريل "الخليج" وعزة بدر " في ثوب غزالة " ونعمات البحيري " أشجار قليلة عند المنحني " وعلي شوك في " ثنائية السفر "، وعند قراءة الثنائية " علا والبلاد البعيدة " " وبين الشمال والجنوب" نستشعر أول ما نستشعر ذلك الهم الوجودي الذي يسيطر علي الكاتب في هذين النصين القصيرين، البطل هنا هوذلك المحاسب المصري الذي يغادر مصر ويتجه إلي السعودية للعمل هناك، ومنذ السطور الأولي للرواية نجد البطل يشعر بالوحشة والافتقاد، فكل شيء يشعره بالتقزز والعفونة، كل شيء بداية من رائحة المكان وانتهاء بالحمام المثقوب من كل ناحية والذي تفوح من مياهه الساخنة رائحة العفن ورغم رائحة العفن إلا أن الذات تبحث عن ثقب تري منه العالم، العالم الذي خلفته هناك في القاهرة، الأم التي ستفرح حتما بالريالات التي سيرسلها وتتفاخر أمام الجيران أن ابنها أصيل ولم ينسها، والزوجة التي ستحتضن بناتها وتعدهم بملابس جديدة للعيد، ومما يؤكد ذلك القلق الوجودي للذات التي تصارع نفسها بين الندم علي السفر وحاجتها إليه يقول الكاتب في المفتتح : " أتطلع إلي كل شيء،كأني أبحث عن شيء ما، عيناي تسقطان علي الحوائط، بدت أمام عيني ملطخة بخطوط وأرقام، أحضرت نظارتي وتبينتها، كانت أسماء وتواريخ، عم عبده صيف رمضان 1400هـ.. بين قوسين " مات " انقبضت.. دوامات دائرية رسمت أمام عيني.. بحثت علي الحوائط.. كنت أحاول الدخول خلف التواريخ " وبين عفونة ورطوبة أول مكان يقابله في أول يوم في غربته، وبين روائح سوق البرسيم في القاهرة تتنازع الذات النوستالجيا والحنين إلي ما تركه خلفه من تفاصيل تستدعيها ذاكرة الطفولة البعيدة، كما تستدعيها مخيلة الذات المشتتة بين رغبتين كلتيهما مشروعتين، رغبة تأمين حياة للأسرة ورغبة الحنين للعودة .

تخترق رواية علا والبلاد البعيدة فضاء المسكوت عنه في المجتمع السعودي، تكشف ستر ما يحدث لمن يترك مصر ويسافر إلي هناك للعمل، تستعرض أحوال العمال هناك.. فكرة الكفيل الذي يستعبد المصريين ويقهرهم.. جماعات الأمر بالمعروف والصلاة تحت الإجبار والأمر... علاقة النساء السعوديات اللاتي ينبهرن بفحولة المصريين ويقمن علاقات في الخفاء.. شعور المصريين بالدونية والتقزم أمام ثراء أصحاب العمل الفاحش.
ومنذ البداية نلمح تحيز المؤلف لعالمه الذي تركه خلفه، ورفضه للحياة التي فرضت علي بطله فرضا، فنجده يصف ذهاب البطل وبعض إخوانه إلي فرح سعودي ونجده يصف البذخ في الأطعمة، وطريقة تناولهم للطعام التي تبدومقززة بالنسبة له، ثم تبرير أحد أصدقائه فكرة الذهاب إلي هذه الوليمة، وقرار البطل ألا يكرر الذهاب يوما إلي وليمة من ولائهم، وكأن الذات تنتصر لحياة تفتقدها هناك في مصر، فتحاول تشويه الحاضر البديل. كما تعمد الرواية إلي أن تنحاز إلي الجفاف لمدلول صحراء المهجر، وهوما يفسر حالة الملل والقلق الوجود الذي تسم بطله.

وليواصل المؤلف الموقف المتحيز لعالمه الذي تركه خلفه، نجده يخبرنا أنهم أحرقوا قصصه علي الحدود، وكأنها مجتمعات منذ أول سطر في الرواية لا تفهم ولا تقدر الثقافة، فقط تفهم في ثقافة التجشؤ والطعام والبذخ، ولكنها تحرق القصص وكأنها تمائم ساحرات من القرون الوسطي يقول في صفحة 12 : " أنام.. أنام حتى أنسى ما يدير الرأس ويسلب العقل.. لابد أن القصص حرام ! لماذا أحرقوها علي الحدود... أدخل البلاد، فيتملكني خوف، الناس يسيرون وقورون أوخائفون، يسيرون ببطء شديد والعربات تمرق بسرعة الهواء "
وتتوازي مع غربة البطل غربة أخرى هي غربة علا، المدرسة التي جاءت للسعودية للعمل، ولكن في الحقيقة غربتها مركبة، غربة نفسية عن زوجها الذي تصف مدي قسوته معها وشعورها بالقيد حول وسطها وهويمارس علاقة الحب معها، تقابل البطل في بداية وصوله للبلاد، وتعطيه عنوانها ورقمك هاتفها، وتقيم معه صلة نفسية منذ البداية.

وستستدعي صورة علا المغتربة التي تسعى لإقامة علاقة معه صورة ثريا، حبيبته الأولي في قريته هناك في مصر، يعود بالفلاش باك إلي ثريا ويتوجه إليها بالخطاب يقول في صفحة 15 : " ثريا. تمنيتك.. الآن أستطيع أن أغزوك.. أستطيع أن أكون فارسا لك.. القرية... الغيط... وأنت.. وأنا.. لا أستطيع الخروج دون الرجوع إليك " وكأن خروجه لبلاد النفط ليعود للتي تمناها طويلا ولم ينلها.. خروجه ليعود إليها فارسا.. وكأن خروجه لا ليحقق لبنات صغيرات تركهن في وحدتهن مع زوجته.. ولا لأم وأب ينتظران، بل ليعود محملا بما يجعله فارسا.. يعود إلي ثريا.
يواصل البطل رحلة العذاب في غربته التي تتجسد بممارسات قهرية ضد المصريين في السعودية، فنراه يصور لنا عذابات الكفيل للمصريين، عبارات العهر والفجور التي تكتب علي باب الحمامات وتطلب مصريين لعلاقات مشبوهة.. ممارسات التحيز في الطرق وفي أقسام الشرطة ضد المصريين مما يدفع البطل لأن يقول لزميل له سعودي : " حينما تزورون القاهرة سأكفلكم أنا، وسأكون لكم بمثابة الرب وسأمارس عليكم من طقوس الإله آمركم بالعبادة، فتعبدون.. يا ربنا هل للكفلاء من أهل البلاد سمة الآلهة والأرباب، وأي أرباب هؤلاء الذي يبدون كرعاة الصحراء، أقدامهم متشققة،وعقولهم فارغة إلا من النساء والخمور والخراف، وقلوبهم غلف ".

يتعرض البطل لمحنة هزت أعصابه، وزلزلت كيانه، زوجة كفيلة تغويه، تتصل به لينقذها من متسلل ولما يرفض تتساءل بحدة عن شهامة المصريين المفترضة، وتحت ضغطها يذهب إليها في الشقة، وفي الطريق يتخيل القتل والعقاب علي يد جماعة الأمر بالمعروف، والرجم الذي ينتظره إن انكشف أمره : " أنت خائف.. وأنت تموت.. قد تموت وأنت ممسك بقلمك تعيد ترتيب حياتك أوتكتب رحلتك البعيدة.. أوتموت وأنت تتناول الشاي الأسود قليل السكر أوقهوتك السادة وسيجارة أمريكية الصنع، أووأنت تصلي خائفا من جماعة الأمر بالمعروف........الباب ينفتح وزوجة أبوعبد الله تخرج، وأنا أموت في نفسي وهي تقول : ادخل بسرعة..ادخل دون اعتراض أوتفكير، فأدخل .. قالت إنها تريدني فانكمشت " وتبدأ علاقته بليلى زوجة كفيله في خوف ورغبة منه وتهديد وإجبار منها.

ولا ينسي الكاتب رسم بورتريهات لمن يعملون معه في المطبعة ، فيرسم لنا بورتريه لحلبي وسعد عاملي المطبعة، أولكاتب سعودي تعرف عليه، أولحسن أسنار زميله الهندي...أولصديقه فهد ذلك السعودي الذي تعرف عليه وحاول أن يجره معه إلي سهرات خاصة تساعد الكاتب علي كشف المسكوت عنه في مجتمع مغلق كهذا.

ويواصل الكاتب كشف المسكوت عنه في المجتمع السعودي فيصور لنا جلسة دعاه إليها فهد صديقه السعودي يقول في صفحة 29 : " قال فهد أدعوك لسهرة حمراء..
- حمراء هنا يا فهد... يضحك فهد ويقول :
- نعم هنا... وإذا أردت تناول الشيشة والحشيش والمية حتى...
- هل جننت ؟!
- لك أن تختار وإن أردتها مصرية أحضرناها لك..
- لا، بل أريد امرأة سعودية
- إيه.. كله موجود..
- أين ؟
ـ في بلدة قريبة من هنا " خب الصلب " علي بعد مترات قليلة..
لقد دار الحوار ذلك أكثر من مرة،، ومع ذلك لم أذهب معه مرة "
وتستمر علاقته بليلى التي أعجبتها فحولته ورجولته وأسرفت في إعطائه المال ورفضت أن يعود إلي مصر، ولكنها تنقطع عنه فجأة دون أن تبرر له سبب بعدها، ويعيش هوفي الخوف والقهر. ويخشي أن يكون كفيله عرف فيقتله أويسلمه للسلطات..وبين الخوف والانكسار يحاول الرجوع إلي مصر ويقرأ في كتاب : مصر من تاني " ورسائل زوجته تصبره وتحاول ـأخير رجوعه.... وبين لحظات الهزيان والإفاقة يكتب رسائل للأصدقاء... وسترجع علاقته بعلا التي لم تعترف بحبه يوما ولم تسلم له نسفها... وحبيباته السابقات اللاتي يأتين إليه في أحلامه... يختم روايته برسائل قصيرة بينه وبين الأصدقاء من مصر.. تتسم لغتها بالشعرية والاختزال والتكثيف. يقول في صفحة 38 : " صديقي في البعيد... أنا أعلم أنك لم تبرح كوخك.. وإنك تحمل هم الوطن.. وربما تسخط عليه.. أنت مازلت كما كنت في القاهرة... تدفن نفسك في نفسك.. والسفر لم يغير منك.. وإنك سترحل من البلاد البعيدة كما رحلت من مصر بخوفك وهروبك،، تحمل علي ظهرك كرها لتلك البلاد غير الآمن أهلها إلي بلاد يختلط فيها الأبيض والأسود "
تعتمد رواية علا والبلاد البعيدة الحكاية التقليدية مركزا تدور حولها، كما يوظف الوصف للأماكن والشخصيات التي تدور في فضاء حكايته المحكمة المحبوكة . كذلك يستخدم الكاتب ضمير المتكلم في السرد، وينوع بين مستويات السرد ما بين السرد التقليدي بلغته التقريرية الوصفية... وما بين مستوي آخر للسرد وهوالسرد بلغة شعرية مشحونة بطاقة المجاز وهي لغة الرسائل التي ختم بها روايته ولغة الفلاش باك التي تصور لنا النوستالجيا أوالحنين لمصر والأحبة.

نأتي إلي الرواية الثانية في الثنائية " بين الشمال والجنوب " هي في الزمن تلي رحلة السفر في الرواية الأولي، هي العودة إلي الذات بعد شتات الغربة، هي لملمة ما تناثر من تلك الذات المتشظية في الرواية الأولي...
لا يعتمد فيها الكاتب الحكاية التقليدية كما فعل في رواية علا والبلاد البعيدة، بل قدم لنا عالما مفككا ينتقل بزمنه ومكانه دون منطق سوي منطق السرد.. يتلاعب في الكاتب بشخوصه وزمكانيته، ويبتعد قليلا عن السرد التقليدي ولوصف اللذين وظفهما في روايته السابقة، بل يقدم لنا مشاهد سردية متجاورة في شكل أفقي.

وظف الكاتب في روايته فكرة المشهد ورسم الملامح لمجموعة من الوجوه ، قدمها بزوايا خاصة بكل وجه..........
فشل في إقامة علاقة واعية مع علا بعد عودة كليهما من السفر، علا قررت وبشكل حاسم أن تقطع علاقتها به وتذهب هي وزوجها وابنها إلي الإسكندرية لتستقر هناك، لأنها لم تطق نظرات الاتهام في عيون صغيرها، قررت لملمة شتات حياتها ونسيانه، قرر البطل أن يقوم برحلة معاكسة تماما لرحلتها، قرر أن يذهب إلي الجنوب ل، إلي قريته هناك، يستدعي كل الشخوص التي كانت في حياته يوما، تراوغها وتراوغه، ولكنه في النهاية يستطيع أن يقبض عليها ويقدمها لنا في سرديات صغيرة ومتجاورة.

أفلح الكاتب في تقديم الحدث الواحد من عدة زوايا، كمن خلف كاميرا راصدة وراح يتجول بين أزقة القرية ودروبها، يستنطق الجدران، يلملم صورا ضاعت في ذاكرة ثقبت في بلاد الغربة، يعيد إليه زينات وجمالات وحميدة، يعيد تمثيل موت زبيدة ثانية، يستنجد بالمقدس غطاس الذي أصبح الأمل الوحيد في إعادة علا إليه، يكشف المسكوت عنه هناك في درب النصاري بين عالمين متشابكين ومتباعدين بقدر ما هما متقاربين، عالم المسلمين وعالم النصاري، كلا العالمين في الحقيقة يتعامل بحذر وتخوين مع الآخر، فإكرامي ابن المقدس غطاس يسلم سرا، ولما يموت بشكل غامض يطير نعشه ووسط زغاريد المسلمين ونعيق المسيحيين يحط علي ترب المسلمين، وهنا يكشف لنا الكاتب شيئا فشيئا بعين الكاميرا عن شائعة إسلامه سرا.

لا يدين الكاتب في روايته من خلال بطله وعين الكاميرا التي يمسك بها أيا من العالمين، هوفقط يرصد لنا، هويقدم لنا المسكوت عنه، فأمه تذهب به إلي بيت المقدس غطاس ليرقيه ويمنع عنه الصداع فتناوشه المرأة أم زينات ابنة المقدس وتقول له تريد أن تتزوج زينات، سنقطع لك أذنك حتى يمكنك الزواج منها، وترد أمه خائفة : بعد السر نقطع أذنها هي.........علاقة شائكة يفلح الكاتب في رصدها بأمانة وفنية عالية.
قسم سردياته المتجاورة إلي أسماء تحمل ملامح، ينتقل الكاتب بالزمن في مهارة، فيخلط لحظات الماضي بالحاضر، يغيب الحاضر كثيرا لحساب الماضي، فالحاضر لم يقدم له إلا ضياع حبيبته وذهابها إلي الشمال، والماضي يعيد إلي الذات وجودها القوي الذي يعوض خيبة الحاضر.
يقول في فصل " زبيدة " صفحة 60 : " يا زبيدة مالك تتهادين في مشيتك وتتمهلين أمام الموت المباغت.. يا غريبة في بلد الغربة، أكنت للموت مشتاقة ؟!....... القطار قادم...وزبيدة تستمر في مشيتها البطيئة، يد علي الغلق ويد في سيالتها.. القطار يمرق كبرق. لحظة واحدة وقطع زبيدة الناشفة الخالية من الدم غير نقاط علي قضيبين متجاورين " .

وعند رسم ملامح جمالات إحدي حبيباته القدامي يختلط في ذهن القارئ تري هذه الملاح ترسم الآن من عيون لحظة راهنة، لحظة الرجوع، أم هي الذاكرة التي تستدعي من ماضي بعيد تلك الملامح يقول في فصل جمالات صفحة 63 : " اطبع قبلة هامسة علي شفتيها، أتلثم خدودها المتوهجة وأزيح غطاء رأسها للخلف، فيسقط، فأبعثر شعرها الذي يبدوكخيوط سوداء وصفراء مخضبة بالحناء وبعض من الشعيرات أفلتت من الحناء فبدت ناصعة البياض، فتحت أزار ثوبها وساعدتها علي النهوض وأدرتها للخلف، فدارت معي كراقصة باليه، كنت تنسل من ثوبها كغزال انسل من جلده "
وفجأة يترك جمالات التي تتأوه من الغربة لتقفز زينات في فضاء الحكي، تأخذه تماما بعيدا عن جمالات التي عنون الفصل باسمها، وتتسارع مشاهد علاقته بزينات ما بين الحاضر والماضي، والماضي البعيد والماضي القريب، ربما تكون زينات هي الشخصية الأكثر حياة في هذه الرواية.. ربما تكون هي الأقوي لدرجة أنها تسحب منه خيوط الحكي حينما يبدأ في الحكي لرسم ملامح امرأة غيرها، حتى علا لم يكن لها هذا الحضور الطاغي.. علا التي كانت السبب في عودته للجنوب وكأنما ليلملم شتات روحه المنفلتة منه يقول في صفحة 66 : " من محطة السكك الحديد حتى بيت جدي طريقان، كنت أسير من درب النصارى، وزيناهم تحس بمقدمي وربما تسمع صفير قطار الظهيرة، وربما يخبرها روح القدس الذي يأتينا ليلا، كنت أراها واقفة في شباك بيتهم القريب من الأرض تنتظرني بلهفة، ولما تراني تبتلع وجهها فتبدوكحبة السمسم ويتجمد الدم في جسدينا وأهتز، فأمشي كمشلول، أطوح ساقا وأطرح الأخري خلفا غصبا عني وعيناها تلاقيني من بعيد. الجسد يتراجع والروح تهفهف من أول الشارع، لون وجهها أصفر وأجسادنا نحيلة ترتعد، أمشي بخطواتي نحوها لا أري أمها، ولا جاراتها اللاتي يجلسن قدام البيوت ".

تختلف لغة هذه الرواية عن سابقتها التي مزجت بين اللغة التقريرية الوصفية واللغة الشعرية المحلقة، هنا قد لنا الكاتب لغة مشحونة ومتوترة، مشحونة بطاقة من الشعر والمجاز عالية، حتى إننا لا نجد إلا قليلا من السرد والوصف التقليدي واللغة التقليدية.

كما ختم الكاتب أيضا روايته بمجموعة من الرسائل التي تبادلها مع علا ليكشف لها حاله بعيدا عنها، ورغبته في معاودتها ووضع للرسائل أرقاما، يقول في رسالته رقم 3 " سأعود إلي القاهرة حتما حتى لوكان للجنوب سحره، انتظريني صباح الأحد الأخير من هذا العام، هل تظنين أن المقدس غطاس يستطيع أن يفعل لنا شيئا.. قد افتضح أمره وحكاية البنت الدميمة كذبة دميمة مثله، الرجل جن، يسير في الشوارع يتحدث كإله يتحرش بالناس، يهذي.. زيناهم قالت ذاك هوجدي... انتظريني سأعود "
ويقول في رسالة أخرى علي لسان علا ردا علي رسالته :

"دعني أدفن نفسي كما دفنت جسدي، سأصارحك بحقيقة، في تلك الحادية عشرة لم يضاجعني زوجي.. ولم يناوشني حتى، كما حكيت لك.. في تلك الليلة كان نائما ككل ليلة.. أردت أن أناوشك أوأبعدك عني، أوأقول لك إنني أعيش حياة طبيعية بدونك، لا أعرف السبب بالضبط ".
وفي النهاية يختم لنا الكاتب روايته بهامش حلمي تتمسك فيه الذات الساردة بآخر خيط للحلم المنفلت وتعتليه كبراق لا يقدر رغم سرعته علي تحققها الذي لم يحدث يقول في الفصل الختامي الذي عنونه بكلمة هامش : " كانت حبيبتي تبدوكطائر، تتسرب أغاريده كخدر جميل، تلك الليلة أيها الناس فاض بها الشوق والعشق الذي تكتمته كثيرا، فاض بها أيضا فباحت به، أمسكت أحد طيورها ومن فوق سطوح بيتهم أرسلته طائرا محلقا بجناحيه مع ضوء الفجر وفي العتمة يرفرف أيضا، لا يخاف ويغني وبين جناحيه مكتوب لي......... مد جناحيه يدعوني لاعتلائه، فبد كبراق، إلا أنني خفت ".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى