الخميس ٣١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨
بقلم راجي بطحيش

(حين ميسرة) أنشودة العشوائيات الحزينة

القاهرة تلك المدينة الحبيبة التي أزورها في الشتاء وتداعبني كل عام بكل ما هو جديد وخارج من الفرن الثقافي/الفني لتوه لتثبت بجدارة أنها عاصمة الفن والثقافة في الوطن العربي والمنطقة عامة حاصرتني هذا العام بأفلامها الجديدة والتي سبقتها ضجة إعلامية كبيرة قبل ذلك بكثير ...فقد نهضت وبحق هذه السينما في العامين الأخيرين من مستوى إنتاج قليل ( حوالي 20 فيلم بالسنة معظمها كوميدي هابط ) لتقفز إلى 45 فيلما في العام 2007 بتنوع يسترعي الانتباه وإن حاولت أن تطغى عليه ملامح البوليسية والأكشن المدموجة بالدراما الخفيفة وقد يكون أكثر ما ميز العام بروز أفلام شابة نصوصا إخراجا وإنتاجا على نسق أوقات فراغ عام 2006 كأستغماية وعلاقات خاصة إضافة الى عودة الرواد بعذوبة في شقة مصر الجديدة لمحمد خان..وقرب الإفراج عن فيلم المخرج الكبير داوود عبد السيد .هذا بالطبع الى جانب تكريس نوعية أفلام الكوميديا الرومانسية الرقيقة واستمرار سقوط أفلام هنيدي ومحمد سعد المدوي فنيا بالطبع ولكن ايضا جماهيريا .

أما الصدمة السينمائية الشتوية فقد تلخصت بشخص خالد يوسف وفيلمه الفضائحي الصادم والبديع حين ميسرة أولا ...وفيلمه المشترك مع يوسف شاهين هي فوضى ثانيا ...

ولا شك أن عملية مشاهدة الفيلمين بيومين متتاليين وفي نفس ساعة العرض (الواحدة ظهرا) لا تبقي لك مجالا للنفاذ من وقع الصدمة ...ف في حين ميسرة كانت الصفعة قوية..قوية جدا ...حتى ان الكآبة رافقتني لساعات طويلة بعد خروجي من دار العرض العريقة في وسط البلد فالفيلم يتحدث عن واقع الأحياء العشوائية في القاهرة

بالتوازي مع رحلة ابنة الأقاليم سمية الخشاب إلى عالم الأمان المفترض عبر العشوائيات ذاتها والذي تحده ارتدادات القمع ، الخوف، التخلف والفقر.

يقترح خالد يوسف في معركته العشوائية هذه رؤية مغايرة تماما لما قدم غيره حتى الأن في السينما المصرية فالشخوص هنا قد ذوتت(استوعبت) اختفائها اختفائها النهائي عن خارطة الكرامة البشرية منذ زمن أبا عن جد كما يقولون وهي لا تبحث عن سبيل للارتقاء الاجتماعي بل الى الحياة ...مجرد الحياة على سوداويتها وهنا يكمن الفرق بين طرح سينما العشوائيات في التسعينيات وبين صفعة خالد يوسف هذه فالتفاؤل والإيمان بالمستقبل والغد والتمسك بالمنظومة الأخلاقية-الدينية التي تبطش بالمجتمع تغيب بامتياز في حين ميسرة ...فالنساء الشبقات الحزينات يعاشرن الرجال الكئيبون خلف الأبواب الشبه مفتوحة على فضاء ضيق لزقاقات موحلة أبداً من دون حسابات أخلاقية تذكر ...فكأن المخرج يقول فلنبقي الحرية الجنسية للفقراء ويكفي ما قد سلبناه منهم ...

وأما شبان الحي(عمرو عبد الجليل وعمرو سعد) فيجلسان في مشهد بديع على ضفاف فرع ضيق من النيل وفي حوار رائع يضربان عرض الحائط بكل ما حاول مخرجو التسعينيات تمريره عن المستقبل والغد...فيقول أحدهم ...نحن غير مرئيين وسوف نمر عبر هذه الحياة ونتركها دون أن يشعر بنا أحد ...فلماذا ننجب أولادا غير مرئيين مسبقا الى هذه المزبلة المغطاة بالمجاري...

ومن المشاهد التي لا يمكن أن تنسى ولن تغيب بسهولة عن ذاكرة السينما العربية المعاصرة تلك التي تجمع بين سمية الخشاب ووالدتها في الفيلم سوسن بدر..مكاشفة حقيقية وحادة بين أم شبقة دائما ،تغار من شباب ابنتها تبحث عن بقايا شبابها وفتنتها المتوارية خلف الفقر وتحت التراب وبين ابنة لم تفكر أساسا ان ثمة حنان أمومة في هذا العالم ...ومرة اخرى كأن خالد يوسف يقول: في بيئة كهذه أنتجها البطش والبؤس أي حوار نتوقع بين ام وابنتها ...لقد غاب عصر أمينة رزق وأمينة بين القصرين إلى لا عودة مع اندثار الطبقات الوسطى.

أبطال الفيلم سمية الخشاب في دور عمرها والجديد عمرو سعد تتقاذفهم على مدار ساعتين وأكثر أذرع الفقر وسلطة الحزب الواحد وجماعات الدين والسياسة لتكون النتيجة طفلا ينام في مقالب الزبالة لوحده...وسط صمت مرعب .

إن من يظن أن صخب الفيلم ينبع من المشاهد المثلية الشهيرة والتي تناولها الإعلام بشكل رخيص جدا بين سمية الخشاب وغادة عبد الرازق فإنه لا شك مخطئ تماما في حال كونه كاتب وناقد محترف أو مجرد مشاهد عادي فالفضيحة الحقيقية الصارخة التي لا بد أن تؤرق الأنظمة العربية التي أوصلت مواطنيها إلى هذا الحد هو الفيلم ذاته وليس مشهد شبه مثلي(مقارنة بباقي ما يقدم بالعالم) لا يتعدى الثانيتين من العرض على الشاشة ..فالسلطة في الفيلم/ الحقيقة لا تتحرك إلا لإزالة الحي العشوائي بعد أن تهدد الجماعات السلفية كيانها ...وما يسمى وهميا بثبات النظام .

وعن السلطة لنا حديث في هي فوضى

حين ميسرة – مصر 2008
بطولة: سمية الخشاب - عمرو سعد
سوسن بدر - وفاء عامر
عمروعبد الجليل - أحمد بدير
هالة فاخر - أحمد سعيد عبد الغني
اخراج: خالد يوسف
انتاج: الباتروس للإنتاج السينمائي
قصة: ناصر عبد الرحمن - خالد يوسف
مونتاج: غادة عز الدين

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى