الجمعة ١١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨
بقلم راجي بطحيش

وكأنني بطلة في فيلم لألمودوفار

وكأنني بطلة في فيلم لألمودوفار….
لقد بصقت هذه البصقة البيضاء داخلي وتلاشيت وتركتني لوحدي في هذه القرية المنسية أقارع نظرات وهمسات هؤلاء النسوة الثرثارات ..وكأنني تعرضت لإغتصاب من أبي وحملت وانجبت إبنة هي أيضا أختي ...وكأنني انجبت ولدا من رجل أصبح الأن إمرأة لها ذكر يتأرجح بين ساقيها...أو بالأحرى كأنني نبته بشرية تكونت في أعقاب حادث دهس عنيف اغتصبها الممرض وحملت وعادت الى إدراكها أثناء إنجاب جنين ميت....

"لا أعرف ماذا أكتب لك..."

أو كأنني تلك التي تنجب مولودها في حافلة عمومية في مدريد أبان حكم الديكتاتور فرانكو وتموت ليحمل المولود بطاقة مجانية لمدى الحياة لإستخدام المواصلات العامة في المدينة...

" لا أعرف بحق ماذا أكتب لك خاصة أن هذه القرية القبيحة العابقة بروائح خراء الخنازير هي ليست بالضبط مدريد ولا حتى أفقر الأحياء في أتعس الضواحي التي تحيط بها..."

قد يحسب لي في هذه الدنيا أنني شاهدت كل هذه الأفلام متسللة من القرية كل عامين باتجاه إحدى دور السينما المنتشرة على استحياء على كرمل حيفا كل عامين ثمة جنين يصبح طفلا في رأسي ...وبانتظار الشريط الجديد ها أنا حامل بجد وليس في المخيلة...حامل منك ...وكبطلة لأحد الأفلام أو ككومبارس حتى...أقول لك سأبقي : سأبقي هذا الجنين وسألده ليصبح ألمودوفاراً صغيرا جديداً"

***

- مرحباً

- يا هلا...تفضل

- علبة سجائر من فضلك...

- أيها

- لا أعرف المهم ألا تكون أمريكية

- ولكن أعذرني كيف وأنت رجل ناضج- أسفة أقصد رجل رجل لا تفضل سجائر معينة..

- (ابتسامة ساحرة تفضي الى غمازتين باتتا نادرتين في هذا العالم الجاف)
أنا استخدم سجائر اللف وهي نفذت ..ولا أعتقد أنها تتوفر لديكم..

- لماذا ألاننا قرية صغيرة معزولة ...لعلمك!!...

- لم أقصد هذا ولكن النوع الذي استخدمه نادر وأنا أوصي عليه خصيصا من أختي التي تسكن النمسا...

- إذا أنت كما يقولون "من رجال العالم الأكبر"...
وماذا رماك ها هنا
- لقد سمعت عن الجمال الذي يتدفق كالأنهار عبر هذا الوادي ..
- وماذا وجدت ؟
- تماما كما وصفوا لي الحال...
- بائس على ما أعتقد...هل ترغب بجولواز مثلاً؟..

- مع فنجان قهوة من النوع الذي تقطرون فيه ذكاؤكم؟

- نعم؟؟؟

يحدث هذا مرة في العمر وخاصة في هذه القرية لكن بدرو المودوفار يخرج فيلما مرة كل عامين أو ثلاث...

2

ثمة من يجمع اللوحات النادرة حتى وإن كانت قبيحة غريبة مزعجة...وثمة من يجمع الطوابع لغايات تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ بنظم الحكم مع قليل من الغباء ...هنالك من يجمع الكرات الزجاجية التي وإن هززتها تنثر برقا أو ما يشبه الثلج أو مجرد رمال ملونة...

ثمة من يجمع علاقات المفاتيح الغريبة ...

ثمة من يجمع قارورات الصابون الصغيرة التي تتواجد في غرف الفنادق.

هنالك من يجمع الأبراج ...من كل بلد برج إيفل..بيزا..القاهرة..تورونتو...

هنالك من يجمع الصور المرعبة ..للجثث وأجزائها والرؤوس المقطوعة والأحشاء المتناثرة في حدائق الموت وجناته..

هنالك مجمعون من كافة الأشكال والأنواع والملل..

هنالك من يجوبوت المناطق النائية والكفور والنواحي المنسية يدخلون المقهى أو الحانة أو البقالة المحلية الوحيدة ويجمعون من هناك لحظة إغواء تسجل وتوثق في السجل الطويل..

لحظة الإغواء: هي محصلة كل ما يبذل من مجهود ومحاولات ومناورات وتكتيكات كلامية يصبح الطرف المقابل جاهزا بعدها للمضاجعة ...لا يهم أحدا بأية وضعية وبأي جودة...ما يهم هو تسجيل اللحظة ...لحظة الإيقاع بالعشيق\ة في مرتع الدنس اللذيذ.

أمي

أبي

أخي

بلداتي المتناثرة

أولادي النابتين في أنحاء الأرض بعد لحظات إغواء ادخرتها ...أدرت لها ظهري..وبحثت عن تلك غير متشابهه وجديدة بأوراق جرائدها...

3

وكأنني بطلة فيلم "ملائكة في سماء برلين" أنظر في الزجاج المغبر المحطم لأجد وجها لامرأة من سحاب لا تملك ما تخسره سوى هذا الاحتمال في أحشائها..

ما لتلك الأغبرة لا تنتهي...وكأن الأرض تتقيأها ساخرة..

ايا قرية لعينة بائسة

ويا أناس يتفيئون بالحزن

ويا سماء فارغة لن تمتلئ مرة بحفنة مني كاد يجف

"رأيت أبني في الحلم أمس...سأبقيه يا راعي اللحظات المخمورة"

4

أمضي في الشارع المحاذي "لهاشيت ماركت" في برلين...أجلس في حانة أبقيت على حالها منذ الثلاثينيات ولكن بها رونق غريب ..الدهان يتقشر في الجدران...يتقشر جلدي الفتي ويتساقط في طبق الفستق الصغير...

ايا هذي المدينة حين يكون الحنين رجلاً

أمضي في محيط حدائق "تيجر" ...على مقابر جماعية نازية أمضي...

لو أنني عبأت مدخراتي من لحظات الإغواء في قارورة واستبدلت فيها العمر الهادر!!!

5

- صباح الخير

- وعليك أيضاً

- أعددت قهوة ..

- حسنا

- لا تخرج ناحية الشرفة

- لماذا؟

- كي لا تراك جارتي الثرثارة وابنتها المسكونة بالجان..

- على أي حال يجب أن أغادر..

- انتظر حتى أعد الفطور

- آسف ...علي أن أغادر تنتظرني رحلة طويلة...

- الى أين؟

- لا أعرف...لو كنت أعرف!!

- شكرا

- على ماذا؟

- على أي شيء...لدى رغبة جامحة بالشكر...

***
نبت النعناع مجددا من يداي وأنا اسكب القهوة الأخيرة..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى