القيام من جديد

، بقلم أمينة زوجي

بين أروقة أزقة ساكنة، سار حسان في ذلك الليل الممطوط الذي لا يريد أن ينجلي بكوابيسه المفزعة، بلا هدف أو غاية مطأطئ الهامة، شارد الذهن والدياجي تكتنف جسده الهزيل وتخفي ملامحه المتجهمة، لقد انتهى كل شئ بالنسبة له في هذه الدنيا وضاع وسط الزحام.

لم يعد ذلك الأمل الوردي الساطع، يحلق في سماء روحه البريئة أو يغمرها بالسعادة والنشوة كما السابق، لقد كان ينسج بخياله الخصب السرمدي، عالما عذبا من المشاعر والأحاسيس الفياضة، منصبا حبيبته "سلمى" امبراطوة على عرش قلبه، اعتبرها منذ عهد ليس بالقصير شطر روحه الأخر، ورفيقة دربه، قبل أن تتكسر أحلامه وأمانيه، فوق صخرة الواقع المرير، ويصدم بمنظر فتاته التي كانت تعاهده وتقسم له بكل ما هو مقدس على أنه لا توجد قوة في هذا الكون تقوى على إبعادها عنه أو صرفها عن حبه غير الموت، صدم بها في ديباجة العرس تزف إلى غيره، وعلامات البهجة والفرح واضحة على محياها.

وقف العاشق المخدوع مشدوها حيال هذا المنظر الرهيب، الذي قوض أحلامه وأماله، وجعله يحقد على كل من في الأرض، أهذا هو جزاء الحب و الوفاء؟ لقد تحول إلى إنسان نكرة، حبيس داره وكتبه وخواطره الرومانسية، يرثي أيامه وأحلامه، إنه لا يعرف أي ذنب إرتكب حتى يكون مصيره على هذا الحال، لماذا يصر الناس من حوله على تعذيبه وعدم رحمتهم له، ولو لمرة واحد على الإطلاق، كلهم يحقرونه، يصفونه بأرذل النعوت، وينظرون إليه نظرة ازدراء واستهزاء.

كان يظن بأنه وجد الحب والحياة، كانت أمله ومنبره، كان يظن أنه بعد طول عناء، وجد من تقدره وتنسى أصله وفصله، وماضيه الذي لا يد له فيه، بيد أنه أكتشف الحقيقة المرة، أكتشف خداع محبوبته وسذاجته الحمقاء، عرف بأن لا مكان له بين هؤلاء الناس الذين تسري في عروقه دماؤهم، نمى وترعرع بينهم، أكل من خبزهم وشرب ماءهم، كان على إستعداد لأن يموت فداءا لأرواحهم، وصونا لكرامتهم، في الوقت الذي كانوا يعتبرونه وصمة العار التي تسمهم، إحتضنوه على مضض، فجعلوه لعبتهم، يتسلون بها أثناء فراغهم، يسلطون سخطهم عليه لحظة غيظهم.

عاد إلى غرفته المنبوذة فوق السطح، يتجرر أذيال الهوان، ليودع جدرانها المتصدعة، فلطالما شهدت على خيبة طموحاته وأماله.

لم تكن له وجهة معلومة بعد، لكنه حسم أمره على الرحيل بحث عن هوية وعن قدر جديدين.

كان يجمع أغراضه البسيطة المتناثرة في جميع أرجاء الغرفة، فوجد رسائل الحب والوله، تلك التي كان قد تسلمها كحجج دامغة على الوفاء، وكان يقرأها بقلبه الولهان لا بعقله الصاحي، يحفظ الكلمات ويرددها بكل خشوع واحترام، كما تردد الآيات والترانيم، فما كان يميز بين الكلمات النابعة من الفؤاد، وتلك المصطنعة، المنقولة حرفا من كتب الرسائل الجاهزة، التي تباع في المكتبات، في الاكشاك، وعلى الارصفة بأثمنة بخسة، الآن فقط أدرك بأن كل ما كانت تمنحه إياه من العطف والحنان، لم يكن سوى دغدغة مشاعر زائفة، ولحظات عشق من مسرحية مبتذلة إستمتعت بها ظرفا من الزمان.

أحرق الاوراق، وتلألأت عينيه العسليتين عندما إنعكست عليهما إضاءة ألسنة اللهب، أصر أن لا يغادر إلا بعد أن يرى الرماد يتناثر في الهواء لا حول له ولا قوة، وكان غرضه التخلص من معالم الخيبة وأثار جرائم نسبت له في غفلة من أمره، فيكون لرحلته في سبيل البحث عن قدر جديد معنى.

حمل حقيبته، وغادر دنيا الأوهام، باحثا عن بداية جديدة في مكان ما، عازما على طي صفحة الماضي، ليواصل سيره إلى الأمام، أما الجراح والآلام فالزمن كفيل بأن يعالجها ويشفيها، ويجعلها جزءا من الذكريات والتجارب، فتكون له عون على سبر أغوار الحياة، فإذا تعثر سهل عليه القيام من جديد.